كلاب ضد الانفصال

هذا الأسبوع، تم تنظيم مظاهرة غريبة إلى حد ما، حيث خرجت الكلاب في لندن احتجاجًا على الدعوات الرامية لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وقف أحد الكلاب على ثلاث من قوائمه ورفع رجله الخلفية ناحية صورة رئيس الوزراء، التعبير الذي أظهره الكلب مسيء للغاية، هناك ينعمون بالحرية، لو حدث هذا الفعل في أكثر دولة عربية تنعم بالحرية، لأودى بحياة الكلاب، ولتم إعدام كل من يثبت أنه ألقى لقمة لكلب ضال، ماذا لو حدث في أخرى شمولية تستسهل القتل لمن يعارضها ناصحًا بكلمة.

الشاهد هنا، الرغبة في التوحد، والاحتجاج ضد التفكك والانفصال، رغم الأسلوب الراقي الذي تنتهجه لندن للخروج من الاتحاد، والشكل الحضاري الملهم للذهاب بعيدًا عن الجميع، دون إيذاء أحد وجرحه، دون تهديد أحد والظهور في كل مناسبة للتبجح بشعار التحرر، ودون وصم أحد بالاحتلال، ودون تلقي الدعم من أحد كي لا يتلوث المشروع.

أما نحن، وباسم الجنوب، يتوارى المناضلون الذين أسسوا القضية الجنوبية، يخجلون وهم يرون صعود قيادات خشبية تجهد لحرف مسار القضية وإظهارها فكرة هشة بظهور ساذج، وكل يوم يخطب عيدروس، يغرد بن بريك، يتوعد أبو اليمامة، يجرى شلال مقابلة مع قناة خليجية، يقولون إنهم سيعلنون عن دولة منفصلة في عدن.

القادة الجدد يرتكزون بمشروع "الاستقلال/ الانفصال" على دعم من التحالف العربي، هكذا يظهر في كل طلة يطلونها، يتملقون التحالف، يرتدون العقالات، ينسلخون من مبادئهم ومعتقداتهم، التحالف ذاته الذي يعلن بين الفينة والأخرى حرصه على "الوحدة اليمنية وحرصه عليها" وأنها خط أحمر، وأنه لم يأت لليمن إلا لمساعدة الشعب اليمني وعودة الشرعية.

بقرب كل مناسبة وطنية، يتم استخدام أسلوب تخويفي ليس لابتزاز الشرعية فحسب بل لابتزاز اليمنيين. فمع اقترابنا من ذكرى وطنية ما، تزداد حركة ما يسمى "المجلس الانتقالي" تتوالى التصريحات المتوترة، تتراشق الكيانات بالبيانات، يعودون من أبو ظبي، وقد نصبوا الرئيس ورئيس الرئيس، يوشك الوضع في عدن على الانفجار، ينتشر المسلحون في الأزقة، باتصال هاتفي من الرياض، يعود الوضع كما هو عليه، وينتهي التحضير المثير بفعالية روتينية يقوم فيه أحد القيادات الجدد بإلقاء خطاب يتحدث عن "التحرير" قليلًا، ثم بالباقي يتملق التحالف.

نحن في شهر أكتوبر، وعلى مقربة من 14 أكتوبر، ذكرى الثورة العظيمة التي اندلعت ضد الاحتلال البريطاني، صادفت تعليقا يقول، أن السلطات البريطانية وصفت عبود الشرعبي بأخطر فدائي في العالم في ذلك الوقت، لا أستشهد بعبود لأظهر تميز الشمال، وإنما لتحدي القيادات برمتها في عموم الوطن، شرعية وانقلاب، مجلس انتقالي حراكي أو مجلس رئاسي حوثي، أن يصلوا بوطنتيهم لربع ما وصل إليه عبود الشرعبي.

مع قرب هذه المناسبة، بدأت الآليات العسكرية تتحرك في عدن، الوضع على وشك الانفجار كما تتوالى الأنباء، مدرعات عيدروس تتموضع بالقرب من مؤسسات مهمة تتبع الشرعية: البنك المركزي، قصر المعاشيق.

بدأ التراشق بالبيانات.

التحالف يبتز الشرعية، أو لنقل طرفًا في التحالف..

من تاريخ تحرير عدن من مليشيا الحوثي، تصعد وجوه المجلس الانتقالي في كل مناسبة، أرهقتنا الفجائع من المفاجآت التي يحضرها عيدروس، نظن أنه سيعلن التشطير وضرب صورته على العملة، ولتتيمنا بشأن البلاد نضع أيدينا على قلوبنا، انفصلت الفكرة عن الواقع وعن سياقها، وارتبطت بأشخاص حولوها إلى هشة، في نهاية المطاف سنسمع لفظة ما تقول: الاحتلال الشمالي. هكذا نسمع دائمًا، رغم أن تحضيرات المناسبات القادمة أكثر ابتزازًا وأكثر قوة كما يبدو.

الانفصال، حسب المعطيات مفهوم ذكي، التحرر من الاحتلال الشمالي ينسف الذكاء من جذوره، إلا إذا كان القصد من المحتلين" الباعة المتجولون".

الاحتلال على صلة بوجود عسكري على الأرض. وإذا رأينا واقع عدن اليوم، فإن قادة ما يسمى بالمجلس الانتقالي يسيئون للتحالف، ففي عدن تتواجد "آليات مدرعة إماراتية بأفرادها، ضباط سعوديون، كتائب سودانية" .. إلخ. وجود عسكري للتحالف العربي الذي جاء لدعم الشرعية والتشديد على الوحدة، هل يعي عيدروس وإخوانه أنهم يصمون التحالف بالاحتلال من حيث لا يعرفون؟

البيانات التي طلعت حتى الآن، بشأن مناسبة 14 أكتوبر القادمة، أقوى من بيانات المناسبة الفائتة، كأنهم على وشك الانفصال، فليفعلوها ولنهدأ، سئمنا من الشد والجذب، لنر المشروع التخويفي نافذا على الأرض، وعيدروس رئيسًا ملء الدنيا، هذا زمنهم، زمن دعمهم، المشروع برمته سينتهي بعد زوال الوضع الراهن.

نعم.. "هرمنا" من الوضع الذي يجعلك إنسانًا مجردًا من أي حيلة تسعى بها لتكون مواطنًا محترمًا يفخر ببلده بين العالمين، هذا الوضع الذي مُسخنا فيه إلى متلقين يفقدون مشاعرهم الوطنية كلما تزايدت نفوذ شخصيات عجيبة من شاكلة عبدالملك، أبو علي، أبو يمامة، أبو العباس، وتحكمت بمصير بلد عريق.

كانت مليشيا الحوثي قد وحدت اليمنيين عليها كما لم يتوحدوا من قبل، تكاتفوا في عدن وتعز، ماتوا شمالاً وجنوبًا، ثم جاء التحالف، فهل سيخرج وقد حولنا لدولتين.. تلك مسبة التاريخ العربي.

نحن على وشك الوصول إلى الصفر، إلى حيث فترة لا يكون بها شيء في أيدينا، لتخرج الكلاب.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك