في الحلقة التاسعة عشرة من: اليمن في الوثائق السرية الأمريكية

خلاف حول ملكية السفارة اليمنية بواشنطن والسعودية ترفض دعم جمعية إسلامية أسسها الوزير

تتطرق وثائق هذه الحلقة إلى تأسيس الجمعية الإسلامية من قبل عباس الوزير الذي تحدث أهداف تلك الجمعية وأسماء بعض قياداتها، وآرائه حول الحرب الأهلية وأسرة آل حميد الدين، وفشله في الحصول على دعم سعودي للجمعية، وتحدث عن كميات الذهب التي يحصل عليها آل حميد الدين من السعودية وإنفاقهم لها في بيروت وأوروبا.
 
وتحدث الوزير خلال زيارة له إلى السفارة الأمريكية عن الولاءات القبلية، وأسباب فشل الملكيين في الاستيلاء على صنعاء، وقال ان سنحان وبلاد الروس تنتمي إلى قبيلة حاشد، لكنه استشهد بمثل شعبي يقول: "في أيام الحرب سنحان وبلاد الروس من بكيل".
 
كما تتطرق الوثائق إلى قضية تعود جذورها إلى عام 1951 عندما اشترت حكومة اليمن المتوكلية مبنى لسفارة اليمن في واشنطن. وفي ديسمبر 1962م أعلن الرئيس الأميركي جون كندي اعترافه رسميا بحكومة الجمهورية العربية اليمنية بعد أن خلعت الحكومة الإمامية السابقة. ولكن بحكم أن مبنى السفارة تم شراؤه باسم الإمام فقد حصل خلاف قانوني حول ملكية المبنى إلى أن تم خسرانه بسبب العجز عن دفع الضرائب. وفي ما يلي النص الكامل للوثائق.
 
برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية
مع نسخ موجهة إلى البعثات الدبلوماسية الأمريكية في عدن، بيروت، الظهران، لندن، روما.
مصدرها/ السفارة الأمريكية-جدة
التاريخ/ 12 فبراير 1968م
الموضوع/ الجمعية الإسلامية اليمنية
 
أبلغ السيد عباس محمد الوزير أثناء زيارة شخصية للسفارة قام بها في 11 فبراير أبلغ موظف العلاقات العامة عن تأسيس منظمة أطلق عليها اسم "الجمعية الإسلامية"، وأن الهدف المزعوم لها هو نشر العقيدة الإسلامية بين الشباب اليمني، لكن للجمعية أيضاً أهداف سياسية بعيدة المدى لم يتم الإعلان عنها حتى الآن. كما أنه (أي الوزير) أعطى خلفية مفيدة حول الموضوع الحالي في صنعاء.
 
نبذة عن حياة الوزير:
كان السيد عباس موظفاً عادياً في وزارة الخارجية اليمنية في تعز أثناء خدمة موظف العلاقات العامة هناك وذلك في الفترة 1961-1963م. وهو ابن عم محمد عبدالقدوس الوزير وزير الدولة في حكومة الإمام، وله صلة قرابة بعيدة بإخوة الوزير الذين ينتمون إلى ما يعرف بـ"القوة اليمنية الثالثة".
 
وكان منزعجاً من دخول الأفكار الشيوعية إلى اليمن تحت مظلة مشاريع الدعم السوفيتية وذلك منذ ما قبل ثورة 26 سبتمبر. كما قام بمناقشة هذا الموضوع مع المسؤولين الذين تعاقبوا على شغل منصب القائم بأعمال السفارة الأمريكية، وكذلك مع زملائه اليمنيين. وقد شارك بعد قيام الثورة في تأسيس الجمعية الإسلامية التي اتخذت من صنعاء مقراً لها، حيث اتهمتها أجهزة الاستخبارات المصرية بأنها تتبع جماعة الإخوان المسلمين. وعند عودة السلال إلى منصبه تم سجن عباس الوزير إضافة إلى قيادات أخرى في الجمعية. وقد قضى عباس مدة عام ونصف في سجن صنعاء إلى أن تم إطلاق سراحه في منتصف سبتمبر 1967م. وذلك بعد إقصاء السلال من الحكم حيث سعى إلى تأسيس علاقة تعاون بين الجمعية والنظام الجمهوري الجديد، ولكن وصول العمري إلى السلطة حال دون ذلك ونتيجة لذلك غادر عباس اليمن متوجهاً إلى السعودية في نوفمبر 1967م.
 
الجمعية الإسلامية:
أوضح عباس بأن الجمعية تمارس مهامها في صنعاء حيث تمتلك مكتبة يتم من خلالها توزيع الكتب الثقافية والدينية بهدف مواجهة الأفكار الشيوعية. وتستهدف الجمعية الشباب اليمنيين عموماً، سواء كانوا زيوداً أم شوافع فقادتها الثلاثة عشر ينتمون إلى كلا المذهبين، ومن أولئك القادة –وفقاً لعباس- حسين ضاري وعبد العزيز الزنداني وعبدالله محمد (الذي ينتمي إلى الحجرية) وحسن محمد الحوثي نجل قائد الحامية العسكرية التي كانت في تعز قبل قيام الثورة.
 
وأشار إلى أن الجمعية تمول من خلال الاشتراكات والمساهمات الخاصة وأنها لا تحصل على أي دعم من أي جهة.
 
ولخص عباس الأهداف السياسية للجمعية في عبارة "سلام، سيادة، وحدة وطنية". وقال بأنه يجب إيقاف الحرب الأهلية من أجل مستقبل البلاد، إضافة إلى أن أي نظام قادم يجب أن يحدد عبر مؤتمر يتم عقده من قبل أهل الحل والعقد الذين يضمون شخصيات دينية وقبلية وسياسية من جميع أنحاء اليمن. وأضاف بأن القادة اليمنيين الذين يعيشون في المنفى يجب أن يحضروا ذلك المؤتمر، وذكر منهم أحمد محمد نعمان الذي قال بأنه يتمتع بنفوذ كبير في اليمن وأحمد محمد باشا الذي لا يزال يحظى بشهرة في اليمن رغم غيابه الطويل، وإخوة الوزير الذين ينتمون إلى القوة اليمنية الثالثة التي –حسب عباس الوزير- لا تمثل رقماً هاماً.
 
وقال بأن أمراء آل حميد الدين لا يمكن استبعادهم من المشاركة بسبب التحركات التي قاموا بها في السنوات الخمس الماضية والتي جعلت منهم شريكاً شرعياً في السياسة اليمنية. ووفقاً لعباس الوزير فإن أولئك الأمراء يجب أن يكونوا مؤهلين للمشاركة في أي نظام سياسي مستقبلي دون أن يكون لديهم أية صلاحيات أو سلطات تنفيذية.
 
وقال إن الجمعية لا تسعى إلى الحصول على أي دعم جماهيري للوصول إلى أي شكل من أشكال الحكم. ورغم أنها مرتبطة بشكل أكبر بالملكيين فإنها تصر على أنه يجب عودة النظام الملكي فقط في حالة وجود إجماع عام بين أفراد الشعب اليمني، وعليه فإن مستقبل النظام الإمامي سوف يحدد من خلال المؤتمر الوطني للوجاهات. ويرى أن المؤتمر يجب عقده في العاصمة صنعاء وليس في أي منطقة أخرى وذلك حتى يحظى باحترام الشعب. ولكن ذلك المؤتمر لا يمكن أن يعقد حالياً طالما وسلطة النظام الجمهوري تتركز في أيدي العسكر الذين يخضعون للسيطرة الأجنبية (السوفيتية). واعترف عباس أنه في ظل تلك الظروف تعتبر أي سيطرة للملكيين على العاصمة خطوة هامة وضرورة لعقد المؤتمر الوطني وتحديد مستقبل اليمن.
 
المواقف السعودية:
كان عباس محبطاً لفشله في الحصول على دعم سعودي للجمعية. وقد قام بزيارة الأمير سلطان لكنه لم يجد منه آذناً صاغية.
 
وشعر عباس بأن السعوديين كانوا يتبنون سياسة المسار الواحد التي تتمثل في دعم عودة النظام الملكي وإقصاء أي أطراف أخرى. وتوقع أنه إذا فشلت محاولة الأمير محمد بن حسين في الاستيلاء على صنعاء فإن السعوديين سوف يرسلون الإمام البدر إلى شمال غرب اليمن لمحاولة التقدم نحو صنعاء من هناك.
 
تحدث عباس بمرارة عن كميات الذهب الكبيرة التي يحصل عليها آل حميد الدين من السعودية ولا يستخدمونها في تحقيق الأغراض التي صرفت لها وإنما ينفقونها بإسراف أثناء الإجازات المتكررة التي يقضونها في بيروت وأوروبا. وبينما يقدر بعضاً منهم لذكائه وكفاءته فإنه يمقت الشللية السائدة في العائلة الملكية. كما عبر عن احتقاره وازدرائه للإمام البدر، حيث قام بزيارته في جدة ووجد أنه لم يتغير وإنما بقي على ما كان عليه من تصرفات وسلوكيات سيئة. "لا يزال البدر هو البدر".
 
قبائل هواز:
تحدث عباس عن فشل الملكيين حتى اللحظة في الاستيلاء على صنعاء، وبالذات فيما يتعلق بمواقف القبائل التي تحيط بها والتي تعرف باسم "هواز" وهي تشمل بني الحارث في الشمال وبني حشيش في الشرق وسنحان وبلاد الروس في الجنوب وبني مطر في اتجاه الغرب وهمدان في اتجاه الشمال الغربي. وجميعها تنتمي إلى تجمع بكيل باستثناء سنحان وبلاد الروس اللتين تنتميان إلى تجمع حاشد ولكنه –أي عباس- استشهد بمثل شعبي مفاده: "في أيام الحرب سنحان وبلاد الروس هي من بكيل".
 
وقال إن صنعاء مقسمة بين الولاءات لتلك القبائل ويعتبر دعمها ضرورياً لدخول صنعاء والبقاء فيها. وأكد أن تلك القبائل منقسمة بين الولاء للجمهوريين والملكيين، وإذا كانت لا توالي الجمهوريين بالضرورة فإنها غير مقتنعة بأن الملكيين سوف يحدثون أي تغيير إن هم سيطروا على صنعاء. وقال إنه يعتقد أن الملكيين سوف يسيطرون على صنعاء إذا تعاونت تلك القبائل معهم.
إليتس
 
وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية
تاريخ 16 أغسطس 1972م
عزيزي السيد روبرت بكمن
 
لقد أثرتم في الاجتماع الذي عقد في مكتبي بتاريخ 18 أغسطس 1972م أسئلة معينة تتعلق بتفهم وزارة الخارجية الأمريكية لموضوع ملكية واستخدام المبنى الكائن في شارع 16-2460 بمدينة واشنطن، وكذلك أعمال الصيانة التي أجريت على المبنى.
 
كما أنكم أثناء ذلك الاجتماع طلبتم الحصول على معلومات حول وضع العلاقات بين الولايات المتحدة وحكومة الجمهورية العربية اليمنية. وعليه فإنني آمل بأن تحوي هذه الرسالة ردوداً شافية على تلك الأسئلة.
 
وفقاً لسجلات وزارة الخارجية الأمريكية فإن المبنى المذكور والواقع في شارع 16 قطعة أرض رقم 810 (ساحة رقم 2650) قد تم شراؤه من قبل حكومة اليمن في 21 يونيو 1951م. وفي ذات اليوم تلقت وزارة الخارجية مذكرة دبلوماسية من مفوضية المملكة المتوكلية اليمنية في واشنطن تنص على شراء العقار.
 
وفي 22 يونيو 1951م قامت الوزارة ممثلة بالقائم بأعمال رئيس التشريفات بإرسال رسالة إلى رئيس مجلس مقاطعة كولومبيا للمطالبة بإعفاء مبنى السفارة من ضريبة العقارات، حيث أقرت الوزارة بأن ذلك المبنى أصبح مملوكاً من قبل الحكومة اليمنية وأنه يستخدم لصالح المفوضية.
 
ومنذ ذلك الوقت لم تتمكن الوزارة من تغيير موقفها الذي أعلنت عنه سابقاً فيما يتعلق بوضع العقار.
 
وفي ديسمبر عام 1962م اعترفت الحكومة الأمريكية رسمياً بأن حكومة الجمهورية العربية اليمنية هي الحكومة الرسمية لليمن خلفاً الحكومة السابقة.
 
وفي عام 1967م تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والجمهورية العربية اليمنية. إلا أن الحكومة اليمنية قامت عام 1971م بإنشاء مكتب مصالح يعمل عبر السفارة الصومالية، وترأس ذلك المكتب السيد أحمد علي زبارة، ابتداءً من يناير 1971م، حيث كان زبارة يحمل درجة مستشار. وعليه فقد تم اعتماد المبنى الواقع في شارع 16-2460 بمدينة واشنطن كمقر لذلك المكتب. كما تم أيضاً إدراجه ضمن القائمة الدبلوماسية أو ما يسمى (بالسجل الأزرق) الذي تصدره وزارة الخارجية كل ثلاثة أشهر.
 
وفي 1 يوليو 1972م تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين حكومة اليمن والولايات المتحدة الأمريكية، وأقرت وزارة الخارجية على أن المبنى الواقع في شارع 16 بمدينة واشنطن يعتبر المقر الرسمي للبعثة الدبلوماسية اليمنية. وقد تم إدراج عنوان المبنى في الطبعة الجديدة للسجل الأزرق الصادرة في أغسطس 1972م باعتباره مقراً لمفوضية حكومة الجمهورية العربية اليمنية ومقراً لإقامة القائم بأعمال السفير اليمني السيد زبارة.
 
وإذا كنتم بحاجة إلى مزيد من المساعدة بهذا الشأن الرجاء ألا تترددوا في الاتصال بي.
 
صديقكم المخلص/ هوزاس شامويل، من مكتب المستشار القانوني.
 
وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية
تاريخ 10 أغسطس 1971م
مذكرة
1 - تلقت السفارة اليمنية في واشنطن عام 1951 تعليمات بخصوص شراء مبنى لها في شارع 16-2460 مدينة واشنطن بحيث يكون ذلك المبنى باسم مَلِك اليمن. وقد تم بالفعل شراء المبنى بمبلغ 46.500 دولار.
 
2 - تم استخدام ذلك المبنى كمقر للمفوضية اليمنية في واشنطن حيث قام القائم بأعمال السفير اليمني في 21 يونيو 1951 بإبلاغ وزير الخارجية بأن "وثيقة البيع الخاص بالعقار قد تم اعتبارها على أنها وثيقة تخص المفوضية اليمنية". وقد أقرت وزارة الخارجية باستلام هذه الرسالة في برقية جوابية بتاريخ 22 يونيو 1951م ونصت على: "بخصوص شراء الحكومة اليمنية للعقار...".
 
3 - تم إعفاء العقار من الضرائب اعتباراً من 1 يوليو 1951 بموجب رسالة حكومة مقاطعة كولومبيا بتاريخ 12 فبراير 1951 التي نصت على أن العقار تم تخصيصه لملك اليمن.
 
4 - توفي الإمام أحمد بن حميد الدين ملك اليمن في 19 سبتمبر 1962م.
 
5 - اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالجمهورية العربية اليمنية التي اعتبرت المبنى ملكاً لها وفقاً لأمر إخلاء مزور تم الحصول عليه من القسم المدني الخاص بفرع المؤجرين والمستأجرين التابع لمحكمة مقاطعة كولومبيا، ويحمل ذلك الأمر عنوان “الجمهورية العربية اليمنية: السيد أحمد زبارة”.
 
6 - دافع السيد زبارة عن هذا الإجراء على أساس أنه ليس من اختصاص محكمة مقاطعة كولومبيا النظر في القضايا المتعلقة بملكية الأراضي. وقد أيدت محكمة استئناف كولومبيا ذلك الموقف في مارس 1964م ولم يتم بعد ذلك اتخاذ أي إجراء قضائي من قبل الجمهورية العربية اليمنية.
 
7 - نتيجة للجدل المتعلق بهذا العقار، إضافة إلى الاستشارات القانونية بخصوص حماية المبنى، فقد تم دفع ضريبة العقار لمصلحة عقارات مقاطعة كولومبيا ابتداءً من عام 1963م. ومنذ ذلك الحين تم دفع الضرائب بانتظام حتى عام 1971م.
 
8 - بعد تشكيل حكومة ائتلاف في اليمن تم حسم الجدل المتعلق بملكية المبنى، حيث تم اعتبار الجمهورية العربية اليمنية المالك والمستفيد الحقيقي من المبنى..
 
9 - نتيجة لاختفاء وثائق الاستشارات القانونية الخاصة بدفع ضريبة العقار لمصلحة عقارات مقاطعة كولومبيا فإن تلك الضرائب لم تدفع مرة أخرى عام 1971م بناءً على استشارات قانونية. علاوة على ذلك لم يتم دفع أي ضرائب على العقار سواء في النصف الأول أو النصف الثاني من عام 1971م. ونتيجة لذلك، تم في النصف الأول من عام 1971م العقوبة المترتبة على عدم دفع ضريبة العقار، كما تم إصدار آخر إخطار بتلك العقوبة في 1 يوليو 1971م إقرار ينص على أنه إذا لم يتم دفع تلك الضريبة في 13 أغسطس 1971م فسوف يتم الإعلان عن بيع العقار في سبتمبر، وإذا استمرت تلك المخالفة فسوف يتم بيع العقار فعلياً في أكتوبر.
روبرت م. بكمن
 
خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتب ووثائق

اضغط للمزيد

استفتاء