المعلومة "أنثى".. ثقافة حجب المعلومة

ورقة عمل بعنوان (المعلومة "أنثى".. ثقافة حجب المعلومة)، أعدها محمد اللطيفي، وقدمت في المؤتمر الوطني لحق الوصول إلى المعلومات الذي استمر ما بين 29 و30 ديسمبر 2010 بصنعاء.
 
استهـــلال
المعلومة مفردة مؤنثة ويكفي أن تكون المعلومة أنثى في مجتمع قبلي لا يؤمن بالأنثى ككيان كامل الانسانية ، المعلومة كالأنثى عورة وناقصة عقل وعيب وخطر قابل للاشتعال ، يتم الحجب عليها (خوفا منها وخوفا عليها) ولا يتم استدعائها الا عند الضرورة (حسب النظام الرسمي أو الحاجة المجتمعية أو محظورات التدين) ، وعندما يعتدى على المعلومة فلا مجال لها الا الصمت حيث الشفافية "عيب" في الثقافة المجتمعية "وحرام" في الثقافة التدينية وبين سلطتي (العيب والحرام) تضيع حقوق وتنتهك أعراض بل وتنهار دول.
 
عدم الشفافية وحجب المعلومة لم تعد مجرد سلوك يمارسها العامة بل تتعدى ذلك لتصبح مرجع معرفي يدير مسار عقلية "نخب التغيير" ويتحكم في السلوك العملي للمثقف والاكاديمي في مناقضة لما يدعو وينظّر، انها ثقافة تشكّل وعي الطفل حيث الأسرة سلطة تقمع البحث الفطري للطفل عن المعلومة التي تخص وجوده وكيانه فيجد محاذير (صه – اسكت – اتكلم لما تكبر وعندما تكبر ستعرف.. الخ)، وهي – أي عدم الشفاقية- منهج مدرسي (مليئ بمفردات التحذير والوعد والوعيد والويل والثبور لمن يشك أو يسأل حيث لا جواب على الأسئلة سوى التوبيخ أو النصح بالاستعاذة من الشيطان وممارسة الرياضة) ينمط سلوك الطالب على الاجابات الجاهزة والأحادية لأسئلة تتعلق بالحياة والدين والعالم، وتدعم هذا "السلطوية التعليمية الحجبية" أسلوبي التعليم السائدين في المدارس والجامعات (التلقين) (والعقاب البدني) حيث يشكل الاسلوبان بيئة خصبة لقمع الاسئلة (البحث عن المعلومة).
 
وتكمن خطورة هذه الثقافة المعادية للشفافية والحاجبة للمعرفة في كونها تسكن بعمق في الوعي الباطن للمثقف والاكاديمي والسياسي (السلطوي والمعارض) ولذا تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على صنع السياسات (التعليمية والتنموية والقضائية والسياسية) ، فضمير المشرع اليمني يصوغ القوانين (وخصوصا المتعلقة بالمعرفة والمعلومة وحرية التعبير .. الخ) بروح التعصب لقاعدة "مراعاة عرف المجتمع وعاداته وتقاليده..الخ"، ويؤكد الاستاذ عبدالباري طاهر أن (حجب المعلومة سياسة ومنهجا عاما في الحياة الاعلامية فالدولة اليمنية "العالمثالثية" تعتبر القرارات الادارية العادية سرا من الاسرار وتعتبر نشرها أو وصولها الى الآخر المعارض أو حتى الصحيفة الأهلية المستقلة محظورا وجريمة تستحق العقاب)..( صحيفة النداء- الخميس ، 30 يوليو 2009 م).
 
كما أن الأمر لا يتعلق فقط بكون "الوعي الشعبي التديني" يرسم روح المادة القانونية التي قد تحد من الشفاقية وتدفق المعلومات بل انها تتحكم (بسلوك القاضي مثلا ) وهو يبحث عن مبررات للالتفاف على مواد قانونية تدعم شفافية المعلومة وحق الحصول عليها ويجنّد "المختص بتنفيذ القانون" نفسه ضد الضحايا (والذين يخوضون نضالا للدفاع عنهم) عندما يكون القانون سائرا ضداً لرغبات المعتدي (الذي قد يكون هنا صاحب سلطة، وكل في موقعه سلطة) ويأتي الخذلان هنا ليس من القانون بل من ولي أمر تنفيذه.
 
من المستفيد من حجب المعلومة؟ ومن الذي يخاف من الشفافية؟
- رجل دولة مستفيد من سلطته والمعلومة ستفضح "براءته المالية".
- سياسي مستفيد من تأزم الوضع والمعلومة ستعري "استغلاله المنفعي".
- خطيب ذو رأي أحادي والمعلومة ستكشف "زيفه الديني".
- "متنفذ" يتفيد الدولة لخدمة منافعه والمعلومة ستقف حاجزا أمام "استمرار فيده".
- ... الخ
 
ان الناظر في الوضع العام اليوم وخصوصا السياسي والحزبي سيجد أن الصانعين للوعي النخبوي والذين شكل الوعي الشعبي أصلا ثقافتهم في اللاوعي هم من يحمون - وبقوة - الثقافة الشعبية (ومنهم المستفيدون أعلاه) وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالتطبيق العملي للحقوق وأهمها "حق الوصول إلى المعلومة" حفاظا على المصلحة الآنية لوجودهم في سلطاتهم، وعليه يمكن القول أن تسلط الثقافة الشعبية بهذه السطوة الوجدانية على حياتنا المدنية والمعرفية هو السبب في كثير من الاختلالات التي نعيشها اليوم لأن تلك الاختلالات هي نتيجة مباشرة لغياب المعلومة أو احتكارها، وهذا الغياب يخلق جوا من الضبابية في رؤى الحل لتلك المشكلات.
 
ومن تلك الاختلالات:
- الفساد المالي والاداري.
- استمرار النزاع السياسي (السلطوي المعارض) على قضايا هامشية وصغيرة. (وهذا يكشف كيف أننا لم ننضج سياسيا).
- تدني مستوى نزاهة القضاء واستقلاليته.
- عدم احترام الدولة والمجمتع لسيادة القانون وللديمقراطية.
- سيادة مظاهر التمييز الاجتماعي والنوعي بين المواطنين.
- سيادة مبدأ (النقل "المشافهه") على مبدأة العقل في الوسط الفكري والتعليمي والاكاديمي.
- لجوء البعض من المعارضين للنظام الى الوسائل اللاسلمية.
- ضعف الشعور الوطني .
- .... الخ
 
الأمثال الشعبية كرافد لثقافة حجب المعلومة
تشكل الثقافة الشعبية مخزونا مهما في ذاكرة الشعوب واضحت مع الزمن تراثا متجسدا في الوعي العام يفتخر به الناس ويعبرون به بشكل شبه يومي او موسمي عن آمالهم وآلامهم و من جيل الى جيل تم نقل هذا التراث الشعبي (العادات والتقاليد) على شكل (أمثال وحكم وحكايات وأساطير وخرافات وخوارق وطب شعبي أو العاب اجتماعية أو أغاني ورقص وشعر).
 
وأضحت لتلك الثقافة سلطة معنوية في المجتمع يتحاكم اليها الناس عمليا وتمثل مصدرا معرفيا لقبول الافكار ورفضها أو لصياغة الحياة الثقافية لهم، ومع تقدم العلم وانتشار الديمقراطية الا أن تلك الثقافة ومنها الأمثال الشعبية مازال لها بريقها المتحكم في الضمير الجمعي وقد ظلت ومازالت الأمثال الشعبية مرجعا أساسيا يحتكم اليه المجتمع في التعامل مع القضايا والمفاهيم المعاصرة ومنها الديمقراطية وحق الحصول على المعلومات، لتصبح الامثال الشعبية عائقا عمليا أمام ايمان الناس بحقهم في امتلاك المعلومة الموثقة وبالتالي ترتفع فاتورة النضال من أجل الحق في الوصول إلى المعلومة في ظل ثقافة شعبية غائرة في الذاكرة تشرع لحجبها.. وتزخر الذاكرة الشعبية بالكثير من الأمثلة التي تقف على طرف نقيض سلبي مع ثقافة الحق في الوصول إلى المعلومة ومن الأمثال التي تستخدم في خلق جو من الضبابية المثل القائل "عمياء تخضب مجنونة" ويستخدم أحيانا عندما ينصحك موظف ما بأن الأمور ليست على مايرام لكن لا يوجد معلومة محددة أو العجز عن الوصول إليها مثل "ما في المقدر حيلة" كما أن هناك أمثلة تكرس التحرج من المعلومة مثل "ماكل مايعرف يقال" و"بيني وبين اخوتي كلام وبيني وبين جمالي كلام" وأمثال شعبية تشرّع لكتمان المعلومة مثل "خيار الاعلام قولة مادريت" و"العاقل من عود نفسه السكوت" و"اذا الكلام من فضة فالسكوت من ذهب" و"من قال لا أعلم فقد أفتى" وبهذا المثل يصبح كل صاحب معلومة مفتي حين يكتمها كما أن هناك أمثلة تشرع لثقافة المشافهة وهي ضد المعلومة الموثقة مثل "العلم في الرأس مش في الكراس"و"ما كلام الرأس مثل الرسالة" وهناك أيضا أمثلة تشرع لثقافة التأسن والرضا بالواقع والخوف من البحث مثل "جني تعرفه ولا انسي ما تعرفوش" و"إذا غريمك القاضي من تشارع ؟" وإضافة إلى ذلك هناك أمثلة تحذر من البحث والتحري مثل " من نخدد الحيد أخربه" و "من راقب الناس مات هما" و "سيب الخلق للخالق" و " من دق باب الناس دقوا بابه" "كثرة الحكوك يخرج الدم " ونجد أيضا أمثلة تنصح بالقعود عن البحث حتى عن طلب العلم كثل قولهم "لا تطلب العلم غالي يأتيك رخيص" و"ستخبرك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأنباء من لم تزود" كما أن هناك أمثلة تنصح بالحياد السلبي تجاه المعلومة مثل قولهم "لا افتش مغطى ولا اغطي على مكشوف" و"استر ماستر الله "و"آح ولا داخل "و"سبحان من خلق الدعممه" و"بين اخوتك مخطي ولا وحدك مصيب" وجيز عامر من جيز اصحابه . وهي أمثلة لها استخدامات إيجابية وأخرى سلبية شأنها شأن أي تراث إنساني .
 
الدين كرافد لثقافة حجب المعلومة
لأن الدين يشكل في المجتمعات العربية عاملا أساسيا في حياة المجتمع، ويؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على أساليب حياتهم وطرق تفكيرهم، فان نوعية الخطاب التديني السائد، هو الذي يتحكم في مدى تقبل أو رفض المجتمع اليمني التقليدي والقبلي، للأفكار الحداثية والتقدمية وخصوصا الوافدة.
 
والخطاب الإسلامي اليوم، الذي يقدم الدين للناس، في أغلبه تقليدي سلفي التفكير و ماضوي المعرفة ووعظي الخطاب، والإشكالية التي تعانيها المفاهيم الحديثة مثل (الديمقراطية والمساواة وحق الوصول إلى المعلومات و...الخ) تكمن في التحالف الوثيق بين هذا الخطاب التديني وبين الثقافة الشعبية التقليدية والقبلية حتى شكلا معا ما يسمى بالتدين الشعبي، حيث ثقافة القول "المشافهه" هي القاسم المشترك بين الخطابين التديني والشعبي فكلا الخطابين يعتمدان على النقل الشفهي للاقوال وتصبح مع الزمن لها قداسة إما دينيه أو شعبية تستعصي على النقد العلمي الذي تعتمد عليه حرية المعلومات، كما أن الشفافية التي هي من شروط المعلومة الموثقة لا تجد لها مكانا في الخطاب التديني الشعبي كون الأخبر لا يقبل المساءلة عن مصادر الأقوال (نصوص دينية او أمثال شعبية) بل يحجبها بسلطتي (الحرام أو العيب)،
ونسجل بعض العوامل التي تقف حارسا قويا لحجب المعلومة في الخطاب الديني:
 
1. اشكالية المصطلح:
مصطلح "حق الوصول إلى المعلومة" هو مصطلح حديث على الوعي التديني العربي والاجتماعي معا، ودوما فان المجتمع العربي لديه حساسية قوية من "الوافد" نتيجة ارتباط هذا الوافد (حرية المعلومات هنا) بكون مصدره الغرب والذي يشكل في الذاكرة التاريخية العربية الحديثة والمعاصر (مستمعرا للوطن العربي وناهبا لثرواته أو داعما للمعتدين عليه) وفي التاريخ المعاصر يرتبط "حق الوصول إلى المعلومة" بالديمقراطية التي شوهت السياسة الخارجية للمجتمع الدولي مبادئها السامية ، أضف الى ذلك أن الخطاب الديني يتعامل مع الوافد الغربي بمحاذير دينية كون ذلك الغربي كافرا لا يجوز موالاته و...الخ، ولذا نشهد دوما الصراخ الوعظي (المسجدي والافتائي) من كل جديد يأتي من المنظمات المدنية. ويجد هذا الخطاب المتشدد قبولا في الوعي العام كونه يستند على الدين الذي يشكل مرجعا أساسيا في تفكير وسلوك المجتمع العام.
 
2. قوة الخطاب الوعظي الإسلامي و شعبويته، على الخطاب الفكري العقلاني الإسلامي.
بالعودة للأمثال الشعبية السابقة فان الباحث سيجد لها سندا قويا في الخطاب الوعظي الاسلامي بل إن هناك أمثال شعبية تحجب المعلومة وتحقرها مرجعها أقوال دينية (صحيحة أو باطله) كما أن هناك أقوال تدينية مصدرها الأمثال الشعبية، ويلاحظ أن القبيلي حين يورد لك مثلا لصالح حجب المعلومة فان يقويها بسند ديني والعكس صحيحا أيضا مع رجل الدين، وهذا يبين حجم الجهل المعرفي والتخلف العلمي، الذي يسود المنطقة العربية، مما يقوي شعبوية هذا الخطاب، خصوصاوأن هناك  تطور بطئ الحركة، ومشتت الجهد، وموزع الطاقات، ومهدر الإمكانات، للخطاب العقلاني التجديدي الذي يواجه بثقافة تستند إلى تفسيرات مزاجية لنصوص دينية مثل آية يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.
 
3. اشكالية حرية التعبير:
مع أن الحرية ولدت مع الإنسان ولا يحق لأحد أن يقيدها إلا بقيد منها، ليحميها لا ليضرها وقيدها هو العقل، ولكون العقل هو المصدر العلمي للمعلومة، فان الخطاب التديني لم يحسم بعد جدله حول "حرية التعبير" و مازال الاسلاميين يتصارعون حول مشروعية هذه الحرية، وهذا الجدل يضع حرية التعبير "المعلومة" في مكان المختلف فيه وبالتالي المتنازل عنه والمهمل مع أنه "حق مقدس مرتبط بالغاية في الارض (الانسان)"، ويؤثر الخطاب التديني المانع أو المقيد لحرية التعبير "المعلومات" على الوعي الجمعي للناس مما يؤثر على شكل تعاملهم مع حقوقهم في الحياة والتي لن يحصلوا عليها الا بايمانهم باهمية حق الوصول إلى المعلومة حيث بدون المعلومة لن يعرف الفرد حقه أصلا من عدمه..
 
4. تأثير التنظيمات الاسلامية السياسية على حرية المعلومة:
   تعتمد التنظيمات الاسلامية السياسية في عملها التنظيمي على السرية والحلقات المغلقة رغم أنها تمارس العمل السياسي الديمقراطي الذي يستلزم العمل في الشمس، ان الحزب الاسلامي يربي أشخاص يعانون من ازدواجية في الشخصية حيث يؤدون الدور ونقيضه، وهذه التربية التنظيميه (القائمة على مبدأ الكتمان) تتعارض مع شفافية المعلومات وتخلق جو من عدم الثقة بين الحزب والمجتمع وبين الحزب والدولة، وتؤدي الى خلق جو من الانسداد السياسي بين السلطة والمعارضة، وكمثال واقعي فان حق المجتمع في الحصول على المعلومة ومسائلة الحزب عن قضايا مهمة للمواطن ليس وارد في السلوك العملي للحزب الاسلامي.. (حتى الآن هناك ضبابية معلوماتية حول موقف الاصلاح مثلا من الفن والمرأة).
 
5. عقيدة "الكتمان" عند السنة و "التقية" عند الشيعة:
الصراع الديني الاسلامي (الشيعي/ السني) أبرز ثقافتين متصارعتين في الوعي الجمعي الاسلامي، ومع مابين تلك الثقافتين من تباين حاد في الرؤى العقدية والفكرية ، الا ان هناك تشابه في منهجية التفكير مع ختلاف في التسميات، وكمثال فان منهجية الثقافتين في التعامل مع حق الوصول إلى المعلومة يعتمد على سياسة حجب المعلومة عن العامة واحتكار الحقيقة الدينية، فالسنة وخصوصا "الاسلاميين السياسين أو الجهاديين" يمارسون حياتهم التدينية بعيدا عن الشفافية ويشرعون لها تحت مصطلح ديني "الكتمان" ويوظفون لها كثير من الاسانيد الدينية الصحيحة (من القرآن أو السنة) أو غير صحيحة (من السنة أو الأثر) مع أن تلك الاسانيد لها سياقها الخاص التي أتت من أجله.. كما أن الشيعة يسمون كتمانهم "تقية" تعددت الاسماء والكتمان واحد.
 
صحيح أن القرآن الكريم وردت فيه ثلاث كلمات( يكتم و يخفى و يُسِرُ) تدعو لاخفاء الحقيقة ولكن في سياق تحذيري منها، ففي مقابل تلك الكلمات الدالة على إخفاء المعلومة تأتي أيضا ثلاث مفردات (يبين ويبدى ويعلن ويصدع) تدعو بوضوح للبحث عن المعلومة التي تنفع الامة وتوطن لحقوقها وهذه الكلمات الأخيرة يتجاهلها الخطاب الاسلامي مع أنها في سياق عام توجيهي.
 
6. الاسانيد الدينية:
{ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}..[الحجرات: 6].
{ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283].
{ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 140].
{ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}.[البقرة: 42].
...
تكفي الآية الأولى للتدليل على وجوب "البحث عن المعلومة" في الاسلام، والتأسيس عليها لضمان "حق الوصول إلى المعلومة" كما تكفي الآيتين الثنانية والثالثة للرد على ثقافة الكتمان.. لكن البعض "شعبي أو متدين" يحاول أن يأتي بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية لصالح اخفاء المعلومة ،و من هنا لزم التنويه الى أن الآيات القرآنية الواردة في الاستدلالات التاليه أو الأحاديث التي تصنف بكونها صحيحة ، تم الأخذ بها لكونها تفسر كمصدر تشريعي للخطاب الديني المتشدد المناصر لحجاب العقل وليس لاعتقادنا أنها كذلك..
 
• أسانيد دينية يشرّع منها للتحرّج من المعلومة:
- "ولا تجسسوا .."...      (أية قرآنية)
- "واذا بليتم فاستتروا" .. (حديث نبوي)
- "الحياء شعبة من شعب الايمان" .. (حديث نبوي)
• أسانيد دينية تشرّع لصمت المعلومة :
- "من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية.."... حديث ضعيف
- "..واذنها سكوتها"... (حديث نبوي)
- عَنْ أبي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "ما يصيب المسلم مِنْ نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر اللَّه بها مِنْ خطاياه" مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ
- "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللَّه تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"
رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
• أسانيد دينية تشرع للحجب السياسي للمعلومة:
- (أطع سلطانك وإن جلد ظهرك وانتهب مالك)..حديث
- عن أبى هريرة: أن رسول الله (ص) قال:" الجهاد واجب مع كل أمير براً كان أو فاجراً")
- (لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة) .. (حديث نبوي)
• أسانيد دينية تشرّع للحجب الاجتماعي للمعلومة:
- "استعينوا على قضاء حوائجكم بالصبر والكتمان".. (حديث نبوي)
- (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) [الطبراني والبيهقي].
- {و إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلىَ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فلَمَّا نَبَأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللهَُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ}(التحريم 3)
-  (لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته) ... (حديث موضوع)
• أسانيد دينية يفهم منها التشريع للحجب الاعلامي للمعلومة:
- {ياأيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبدى لكم تسؤكم}..)المائدة 101 (.
- يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ[ الآية 5يوسف.
- {فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِّنَ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا} (26) مريم.
 
التوصيات
(من "المشافهة" الى "الشفاهية")
- تسليط الضوء دراسة وتحليل على أثر الثقافة (الشعبية والتدينية) في صناعة العقلية التي ترسم القرارات السياسية والسياسات القانونية، بالاضافة الى الدراسات الاكاديمية التي تهدف لاخراج "المسكوت عن" الى دائرة "المعلن عنه" بما يكفل تأسيس لثقافة الانتقال من من "المشافهة" كثقافة (شعبية/ تدينية) تستند على (الحجب)، الى "الشفاهية" كثقافة وطنية وديمقراطية تعتمد على (القانون).
- العمل على اعادة الاعتبار لثقافة المعلومات وشفافيتها لأنها الوحيدة الكفيلة لضمان جعل "حق الوصول إلى المعلومة" ساري المفعول قانونا وسلوكا.
- المواجهة المعرفية الممنهجة للثقافة الشعبية المقيدة للمعلومة والمانعة للشفافية بثقافة شعبية مضادة، حيث أن المخزون الشعبي فيه الكثير من الامثال أو الحكايات أو الشعر أوالزوامل.. الخ مما يمكن أن نؤسس منه استدلالا مرجعيا شعبيا يحترم الشفافية في المعلومة ويرسخ في الوعي العام أهمية النضال من أجل الحصول عليها.
- تدعيم والوقوف مع الخطاب الديني الحداثي الكفيل بالتأسيس لمبادئ الشفافية وحرية المعلومات، وهذا هو وحده من يسطع ان يفضح "احتكار المعلومة/ تفسير الحقيقة الدينية" من قبل الخطاب الديني الوعظي، كما يمكنه أن يكشف "ضبابية المعلومات" التي شرع لها عمليا "الاسلام السياسي" .. وهذا الخطاب الحداثي هو أيضا القادر على وضع قيم مثل "الكتمان" و عدم المساءلة في الاسلام في سياقها الاستدلالي الصحيح بدلا من لي عنقها لصالح الحجب والتعتيم ..
- المطالبة باعادة الاعتبار لمواد دراسية (مثل التربية المدنية والتربية الموسيقية)تؤسس لخلق جيل يحترم القيم المدنية، ويمارس فلسفة النقد والمساءلة، بالاضافة الى اعداد مادة خاصة ممنهجة ومرحلية عن الحقوق الانسانية ومنها "حق الوصول إلى المعلومة" مدمجة في المواد الأخرى وليس مستقلة بذاتها
- تدريب مدرسين ومدراء على احترام المعلومة كحق من حقوق الطالب بالاضافة الى كيفية ترسيخ الشفافية في الساحة والصف المدرسيين.
- تدريب اعلاميين وخطباء على كيفية مواجهة ثقافة حجب المعلومة في المساجد ومنابر الاعلام المختلفة.
- النضال من أجل اضافة مادة دستورية تضمن "شفافية المعلومات وحق الوصول إلى المعلومة" بشكل واضح وصريح وتجرم اصدار أي قانون يتعارض مع تلك المادة الدستورية.
- اقامة ورش عمل "عملية" خاصة بالسياسين والقادة الحزبيين تمكنهم من تجاوز عقلية السرية والحجب الى العيش في فضاء المعلومة حيث الشفافية والعمل السياسي الواضح.
 
المراجع
- الأمثال اليمانية – القاضي بين اسماعيل بن على الاكوع – المجلدين (1-2) – ط4 (209/210) – الجيل الجديد
- اللهجة اليمانية في ا لنكت والامثال الصنعانية – زيد بن على عنان – دار الكلمة
- المواطنة المتساوية في الاسلام (امكانية التحقيق وعوائق التطبيق) - محمد اللطيفي – ملتقى المرأة للدراسات والبحوث
- مراجع دينية 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في نصوص

اضغط للمزيد

استفتاء