"عصا" موسى و"صميل" فرعون

إلى وقت قريب جداً كانت الزعامات العربية تعتقد بأنها "الزعامات التي لا تقهر" وهي تقعد على كرسي الحكم، حتى أشرقت شمس التغيير من تونس، ولولا تلك الثورة للبثت الشعوب العربية في العذاب المهين كما فعلت الجن في زمن نبي الله داوود.


في الحقيقة لم أكن أعرف قيمة المثل الشعبي القائل أن "الصميل خرج من الجنة" إلا عندما فرّ المخلوع في تونس وسيفِر المطرود في مصر ـ إن شاء الله ـ وهنا في بلادنا عرفت قيمة هذا المثل عندما سمعت الرئيس في خطابه الأربعاء الماضي وهو يتراجع عما كان مصرٌ عليه هو وحزبه لأعوام ورفض كل الحلول المقترحة لحل تلك الأزمات.


فعندما كانت المعارضة تستخدم "عصا" موسى للاتكاء عليها وهش أغنامها ومآربها الأخرى ـالتي لم يكن يعلمها الكثيرـ وتُـقلب الحزب الحاكم يمين وشمال وتراضيه "بجيهان الله.. عند الله وعندكم.. ويا منعاااه" استهان بها الحاكم واستخف بها وكان النظام "يزبط" و"يردع" ووصفها بأنها تعيش في الظلام وفي البدرومات وأنها لا تستطيع أن تنزل إلى الشارع، وهي تستحق كل ذلك في نظري على الأقل لأنها لم تعمل ما كان يجب أن تعمله من وقت طويل.


أخيراً صحت المعارضة، وهي لم تصحوا من ذات نفسها ولم تستيقظ على المنبه التي ضبطته، لكن أيقضها ضجيج الجيران -ونـِعم أولئك الجيران- المزعجين الذين أيقظوا سبات معارضتنا العميق، وخرجت إلى الشارع لترى أن الحضور أكثر من المدعوين وعرفت أن النظام لا يحترم عصا موسى بقدر ما يخشى من "صميل فرعون".


الأهم في كل ذلك هو عندما ترى تلك الزعامات شعوبها راضخة مسترضية فإنها مستعدة ليس لتعديل الدستور فقط، بل فوق ذلك فهي مستعدة لبيع شعوبها "قطع غيار" لمن سيدفع لها ما تشبع بها رغباتها وشهواتها هي وعائلاتها التي تمارس أنواع الفساد التي لم يسبقها إلى ذلك أحدٌ من العالمين.


في السابق حاولت المعارضة في السابق ـ "والرجشة" في العظام ـ أن تثني الحاكم عن قراراته بكل الوسائل وكانت تظن وهي ـ خاطئة طبعاً ـ أن التودد ينفع عند النظام الذي لا يحترم إلا الأقوياء ـ وهي طبيعة الأنظمة العربية ـ لكنها عندما عرفت أن "الدنيا تؤخذ غلابا" رضخ الآخرون لها وليتها فعلت ذلك منذ وقت طويل، فالمعارضة خطت أول خطوة في الطريق الصحيح وهذا الدرس لن ينساه من كان يظن أن ذلك لن يحصل.


يوم الأربعاء الماضي عندما ألقى رئيس الجمهورية خطابه في البرلمان ويدعوا إلى الحوار، بعد أن أفسد هو وحزبه الحوار عدة مرات هو وحزبه حتى بلغت بهم الوقاحة ذات مرة أن يطلب مجلس الدفاع الوطني من المعارضة أن يحضروا إلى دار الرئاسة لاستئناف الحوار وقلبوا أنفسهم "قسم شرطة" ورفضوا بأن يكون الحوار تحت قبة البرلمان آنذاك، وعندما لوحت المعارضة "بصميلها" تلويح فقط حضر الرئيس بنفسه إلى البرلمان "مقدماً" ليستجيب لمطالب المعارضة وبدون استثناء.


كل ذلك ليس كرماً أو تفضلاً من أعلى سلطة في البلد، لكنهم لأنهم عرفوا أن المعارضة عرفت الطريق الصحيح لإيقاف مهزلتهم وعبثهم بالوطن ودستوره ورغبات أبنائه.


فالمظاهرات التي انطلقت في الأيام حُـفرت في ذاكرة الحاكم ونظامه كما تنحت في الصخر، وسيذكرها كلما تسول له نفسه العبث بهذا الوطن، وسيعرف حق المعرفة بأن الدستور ليس مكتوب بقلم "رصاص" يمحوا ما لا يعجبه ويترك ما يناسبه كما يفعل الأطفال الذين يتعلمون القراءة والكتابة، إن الشعب هو المعلم الحقيقي لأي سلطة في هذه البلد فقد ذهب زمان العبث وبدأ عصر جديد لن يكون لصالح الحكام.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- رائع

عبدالباسط الشاجع

رائع استاذ عدنان .. مقال في عين الحقيقة وفي غاية الروعة ..اشكرك

2- (الصميل خرج من الجنة)

أحمد أبوسالم

بالتأكيد أخي عدنان للقوة فوائد لا توصف ...وليت حكامنا يعلمون ذلك؛لعلهم إلى رشدهم يعودون..تسلم يدك أخي

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب