كبش الرئيس!

عندما رفعت أحزاب اللقاء المشترك شعارها للانتخابات الرئاسية "رئيس من أجل اليمن لا يمن من أجل الرئيس" كانت تضع يدها على جرح ثخين من جراحات الوطن الغالي، فمما لاشك فيه أن تأثير الرئيس على كثير من تفاصيل الحياة السياسية والأوضاع "الرسمية" واضحٌ جداً بالرغم من الادعاءات المتكررة بمؤسسية الدولة وصلابة النظام السياسي، فيما لازالت بعض القضايا تأخذ طريقها للحل بأساليب بعيدة عن المؤسسية والنظام الرسمي، وحتى حزب الرئيس نفسه كان قد ألجمه العَرَق في أغسطس 2006 قبيل الانتخابات الرئاسية حين تظاهر الرئيس بعدم الترشح، ووقع "الحزب الفلتة" في حيص بيص، وعاش أزمة نفسية رهيبة أرى أنه يعيشها اليوم ثانية، ففي كل عاصفة يكتشف أنه كالأطرش في الزفة، و بالكاد يؤدي دور "الشواعة" المحدد بإحضار العروس، كما سبق وأن قلنا في كتابات سابقة. بالإضافة إلى الإقصاء الذي تعرضت له أبرز قيادات التأسيس ممن احتفظت بوجهات نظر مخالفة للسائد في المؤتمر، وظلت تلك القيادات تؤدي دور المعارضة الناعمة دون أن يكون لها أي دور حقيقي وفاعل داخل المؤتمر الذي أصبح في جيب الرئيس ولا يشكل أي عقبة في صياغة المستقبل الذي كان يريده الرئيس، وهو مستقبل لا يخرج عن احتمالين: تمديد أو توريث إن لم يكن تمديد فتوريث!


بقيت المشكلة في القوى المعارضة المؤثرة في الساحة، المعروفة بأحزاب اللقاء المشترك، والتي تعرضت لحملات الترغيب والترهيب ومحاولات التقسيم والتجزئة والتفريخ بلا جدوى، بل جاءت انتخابات الرئاسة في 2006 وهي أشد قوة وتماسكاً، وخرجت من الانتخابات بمستوى متقدم من الندية السياسية، مما دفع الرئيس إلى الاعتراف بهذه الندّية و دعوة تلك القوة المعارضة إلى الحوار، الذي كان أقرب إلى الترويض والخروج بصفقة سياسية تمكن صالح من تجاوز التحدي الذي قد يعيق صياغة المستقبل التي أشرنا إليها في الحديث عن المؤتمر الشعبي.


بدأ الحوار، تعثر الحوار، عاد الحوار، توقف الحوار، تلك هي عناوين ما تم بين السلطة والمعارضة من كر وفر، والسبب الأهم أن المعارضة لم تعط "صالح" ما كان يأمله من الحوار: التعديلات الدستورية التي تحقق "صياغة المستقبل" وفق ما يريده، فمات الحوار مع انعدام الثقة بين طرفي النظام السياسي، ولجأ كل طرف إلى الساحة التي يجد فيها نفسه، الرئيس يستقوي بالأغلبية النيابية والمشترك يستقوي بالشارع!


هبت رياح التغيير في تونس ثم مصر مرجحة كفة الشعوب، وكانت الفرصة سانحة للمعارضة اليمنية لاغتنام هذا الهبوب المنعش للآمال، ومع انطلاق موجة الاحتجاجات كان الرئيس يعلن عن تجميد صياغة المستقبل التي كان يتمسك بها، وبدا أن الأولوية الرئاسية تتمثل في البقاء حتى 2013م، أو ربما حتى تذهب رياح التغيير التي عصفت بعددٍ من نظرائه وتوشك أن تعصف بآخرين.


لقد فرض الواقع شروطاً ومعايير جديدة في المشهد السياسي باعتراف الرئيس قبل رغبة المشترك، إذ بادر الأول في خفض سقف طموحاته، بينما سعى الثاني لرفع السقف أمام مطلب الشارع الذي يريد خلع السقف برمته، وكان لانعدام الثقة بين السلطة والمعارضة الدور الأبرز في انحياز الأخيرة لمطلب الشارع، مما دفع الرئيس إلى التمسك بموقفه المتمثل في البقاء حتى انتهاء ولايته –التي كانت التعديلات الدستورية المُجمدة تقرر انتهاءها قبل نهاية العام الحالي كجزء من "لخبطة التمديد"- لكن الشارع الذي يمثل الشباب أغلبيته المطلقة كان يرد بالعبارة الشعبية: خرجت الكلمة.. الشعب يريد إسقاط النظام!


استنجد الرئيس بالعلماء والمشائخ، ليحكموا بينه وبين المعارضة، على أساس تمرير الكُرة إلى ملعب المعارضة، ومع سعي عدد من العلماء والمشائخ كانت السلطة تمارس "البلطجة" بحق الشباب المعتصمين في ساحات التغيير والحرية، وبنفس الوقت أراد العلماء والمشائخ الوصول إلى حلٍ وسط بين الرئيس ومعارضيه، لكنهم اصطدموا بأمرين: العنف الرسمي إزاء المتظاهرين، وتمسك الرئيس بالبقاء حتى نهاية ولايته الرئاسية مع رغبته توقف الاحتجاجات والتظاهرات المطالبة بتنحيه الفوري!، غادر العلماء والمشائخ المشهد أمام هذا الإصرار رغم تحكيم الرئيس لهم!.. هو ليس تحكيماً، هو رغبة بأداء دورٍ ما!.


بعد سقوط رهان العلماء والقبائل كان الرئيس ما يزال مطمئناً إلى وحدة جبهة القوات المسلحة كصمام أمان للنظام السياسي الذي يرأسه منذ أكثر من 30 عاماً، من نتائج هذا الاطمئنان استخدام العنف المفرط تجاه المحتجين، وهي القشة التي قصمت ظهر الرئيس، وقوت ظهر مناوئيه، عبر استقالات رسمية واسعة في السلك العسكري والسلك المدني وكذلك الدبلوماسي تنديداً بذلك العنف الذي راح ضحيته عشرات القتلى ومئات الجرحى، وهنا لم تعد ورقة الجيش مبعث اطمئنان لدى صالح، وهو ما دفعه لطلب تدخل الأشقاء والأصدقاء لمساعدته على البقاء.


الدول الشقيقة القريبة منا والأخرى الصديقة المتعاملة معنا تتسم بالجدية وتحكمها أنظمة لا تمزح في قضايا المصالح والتهديدات المشتركة، الأمر الذي صورته تسريبات ويكيليكس كمعاناة مستمرة في التعامل مع علي عبدالله صالح هو يقود نظاماً مرتبطاً بشخصه أكثر من كونه مرتبطاً بمؤسسات يمكن أن تكون عامل طمأنة للأشقاء والأصدقاء في أي حادثة تعصف بنا أو بهم، والرئيس صالح أثبت هذه الجزئية المهمة في خطابات كثيرة حملت تهديداً مبطناً يربط رحيله بالفوضى وما من شأنه تعكير أمن الإقليم والعالم، بصورة تؤكد أن نظام صالح ينظر للعلاقات الدولية باستخفاف المغامر وانتهازية التاجر!.


وإذا ما تجاوزنا نظرية المؤامرة في تعامل نظام صالح مع الأنظمة الشقيقة والصديقة فإننا حتماً لا نستطيع أن نتجاوز نظرية الضعف الذي يصيب نظام صالح في أن يجعل اليمن عامل أمن و استقرار للمنطقة برمتها، مما ضاعف اهتمام الأشقاء والأصدقاء للتفكير كثيراً في اليمن وأوضاعها عبر مؤتمرات واجتماعات بقرارات وتوصيات تحاول ترقيع ما مزقه ذلك الضعف الرسمي!.


على نفس المنوال الذي سار عليه صالح مع العلماء والمشائخ، كان متحفزاً في الترحيب بأي وساطة خارجية لحل الأزمة، وأكد ذلك في آخر مقابلة تلفزيونية بثتها قناة العربية، وقال ما نصه: "نحن نرحب بوساطة سعودية خليجية ويسمعوا منا ويسمعوا منهم ويكونوا حكماً، وإذا لم يرغبوا بوساطة عربية سعودية أو خليجية، ويرغبوا بوساطة أوروبية نحن نرحب بها.. المهم أن يكون فيه شاهد ومشهود على هذا الحوار ويتضح من الطرف المتعنت ومن الطرف المتمترس وراء الفوضى وإزهاق الأرواح وإراقة الدماء وإقلاق أمن المواطنين وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة"!، وجاءت الإشارة الأميركية وكذلك الأوروبية بضرورة الانتقال الفوري والسلس للسلطة منعاً لإطالة أمد الصراع، لكن السلطة تجاهلت الإشارة، وأصرت على المراهنة على الموقف الخليجي.


وعندما جاءت المبادرة الخليجية خرج صالح يعلن رفضه لها، واتهامه لها بأنها مبادرة قطرية لا خليجية، مؤكداً رفضه لأي مبادرة من قطر أو من غيرها، ما لم تتضمن بقاءه في السلطة، الأمر الذي يعبر عنه دائماً بالشرعية الدستورية!.


في كل المحطات السابقة كان الرئيس يجسد المثل الشعبي الذي يردده في خطاباته "أشتي لحمة من كبشي واشتي كبشي يمشي"، حتى بدت المشكلة وكأنها في كبش الرئيس، الذي لا يريد ذبحه وبنفس الوقت يريد أن يأكل منه، هناك من يقول الآن: على الرئيس أن يأخذ كبشه.. ويرحل!!.
 

المصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- الحوار الحوار الحوار الحوار الحوار الحوار الحوار الحوار

سمير

إن الإصرار على التدمير والتمزيق دليل على النظرة العدوانية والنفسية الجشعة التي استحوذ عليها الشيطان الرجيم وحول صاحبها إلى مجرد دمية في يد الشيطان يحركها كما يريد ، ولذلك فإن المطلوب اليوم العودة إلى جادة الصواب ومراجعة الأفكار بجدية بدلاً من الإصرار على الكبر الشيطاني والانتقام الفاجر والخبث الفاحش والرجس الجهنمي، لأن العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دليل على العقل المؤمن بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالقرآن الكريم دستوراً، والإخلاص لقول الحق والصدق من أجل الحياة الآمنة والمستقرة والخروج من نفق التآمر الذي لايلد إلا تآمراً والدماء التي لاتلد إلا دماءً والحقد الذي لايلد إلا حقداً وبغضاً ، فهل آن الوقت للعودة إلى الصواب ؟ نأمل ذلك بإذن الله ...

2- أي حوار بعد هتك عرض اليمنيات

عبدالعزيز النقيب

لم يعد الرئيس الآيل للسقوط قادرا على توفير أي قيمة او معنى في هذ ا البلد المنكوب به و بحكمه...هاهو يقتل أبناء شعبه و يهين الشعب بقوله ارحلوا انتم و يبالغ في الاهانة بقوله فاتكم القطار و الان ينتهك اعراض اليمنيات الشريفات و يعتبر شرفهن مجرد كرت يبتز به المعتصمين...أي حوار مع هذا المجرم هو أهانة لدماء الشهداء و عذابات الجرحى و أسخفاف بأعراض اليمنيات جميعا و ثانيا أهانة لمن يحاوره و ان من يقبل بأي حوار معه سيحكم على نفسه بالانتحار السياسي

3- أيش من حوار أيش من طلي

wadea

أولا أحيي الكاتب فقد أفاد و أجاد و وضح الصورة التي قد يجهلها البعض الرئيس كان يريد من أي حوار أن يبقيه في الرئاسة و كأنه يقول (نجمني و نجمي الأسد) صاحب التعليق رقم 1 أقول له الحوار بالرضا مش بالصميل و الحوار أخلاق أولا و أنت تكرر كلمة الحوار بهذي الطريقة و كانك تريد حوار بالقوة بنفس طريقة الرئيس و مفهومه للحوار الشعب حاور نفسه و قرر أن يرحل صالح انتهى الحوار

4- المعارضة لا تطمع سوى بالسلطة

تركي

الكاتب استعراض سيرة أحزاب اللقاء المشترك وكيف كانت تتعامل مع الأوضاع والمستجدات بالوطن وأكد في مقاله بأن المعارضة استغلت ما حدث بتونس ومصر وغير ت مجري الأمور ونحن نعتب على الكاتب الذي لم يفصح عن نوايا المعارضة وهي الوصول للسلطة حتى لو دفعت اليمن للحروب الأهلية وتشرد جميع المواطنين الآن وقت الغنيمة ولكن الأيام كفيلة إن تعري كل المتآمرين على الوطن.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء