مش عاوزين حرب أهلية

لا ندري لماذا تجاوز الرئيس صالح في ظهوره بميدان السبعين كل جمعة نظيره الليبي في ظهوره بباب العزيزية؟ هل هو مؤشر لحالة القلق التي تدفعه لتحديد موعد أسبوعي لبعث الرسائل نحو مختلف الجهات داخلياً وخارجياً؟ وهل يعتقد الرئيس بأن صنعاء يمكنها أن تكون طرابلس أخرى من خلال تخويف الإقليم والعالم إلى أن التطورات الأخيرة قد تفجر الوضع "عليّ وعلى أعدائي .. وأصدقائي أيضاً"؟ الأمر الذي تعامل معه الجميع باستخفاف، في الحالة الليبية عبّر عنه تحالف عربي ودولي لإسقاط القذافي، في حين يُعتقد بأن اليمن لن تكون ليبيا ثانية إلا في تفكير تجار الحروب وهواة "الصمود حتى آخر قطرة دم"، فالثورة اليمنية السلمية تتخذ من صنعاء عاصمة لها، بعكس ثورة الشعب الليبي المسلحة التي انطلقت بعيداً عن العاصمة، وكان لهذا عميق الأثر في التطورات اللاحقة التي صورتها ضراوة القتال وطول أمده، في بلد لم يعرف حرباً داخلية واحدة، بعكس بلادنا التي عرفت الحروب الداخلية مبكراً، منذ بدأت في الانعتاق من الحكم الأُسري المستبد في ستينيات القرن الماضي، ومواجهات شطريها وحرب صيف 94 ونصف درزن من حروب صعدة، بما يعني أن الشعب اليمني خَبِر الحروب ولم يعد يريدها، وهو ما عبر عنه اليوم بثورة سلمية في مواجهة التغيير المُزيف في الانتخابات، وسعياً للخلاص من ثقافة الحروب والصراعات التي أدمنتها السلطة، ووجدت فيها استثماراً آمناً يشغل الناس بلعلعة الرصاص فيما يجني البعض المكاسب المادية والمعنوية، وصولاً إلى مرحلة "إعادة الإعمار" التي تشكل خلاصة الاستثمار الحربي، وحافزاً لإيقاف الحرب تمهيداً لجني الأرباح!


منذ بدء الثورة والرئيس يستعرض لنا ما يتوفر لديه من صندوق الأدوات، مستفهماً: عاوزين خُطب وخطابات؟ عاوزين وعود وقرارات؟ عاوزين تخوين واتهامات؟ طيب أكاذيب وإشاعات؟! أكيد عاوزين قنص وقنابل سامة؟! عاوزين "حرب أهلية"!! رأيت أن أكتب الأسئلة الرئاسية باللهجة المصرية تعبيراً عن رسالة يبدو أن الرئيس فهمها جيداً، وبدا وكأنه متابع جيد لتطورات المشهد المصري!


سنقول بأن الرئيس لا يريد حرباً أهلية الآن، إنما هو في طور توفير الشرعية لها باسم الشرعية الدستورية، بعد أن تحول الدستور إلى صنمٍ من تمر، يُعبد في الصباح ويؤكَل في المساء، فضلاً عن أن الحديث عن شرعية دستورية أمام الشرعية الشعبية يمثل إنكاراً لشرعية ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مع فوارق جليّة لصالح ثورة اليوم، والدستور قابل للتعديل والتبديل، وقد ضرب الإخوة في السلطة رقماً قياسياً في تأكيد ذلك، أما الحديث عن الأغلبية والأقلية فأعتقد أنها نكتة لا تقل عن نكتة الشرعية الدستورية، بل هي متممة لها في سياق "التعلق بقشة"!


ثورة اليوم لا تمت بأي صلة لخياري الرئيس الذي يعرضهما دائماً: الفوضى أو الانتخابات، إذا ما تذكرنا أنهما في المعنى سواء، وأن هذه الثورة قامت لرد الاعتبار للنهج الديمقراطي الذي تحول إلى حلقة مفرغة، وطبخة عديمة اللون والطعم والرائحة، بفعل نار المماطلات وبهارات التضليل واستغلال قلة وعي الناس، ومن يعايش الواقع جيداً سيجد بوناً شاسعاً بين أحاديث الناس وتذمرهم وبين ما يقال إنها أصواتهم لبقاء الوضع على ما هو عليه، وكانت الحقيقة سافرة في انتخابات 2006م إذ ذهب الوقار الرئاسي بعيداً بلا تاريخ و"لا إحم ولا دستور" كاشفاً بذلك عن التحكم بمسار الديمقراطية ليفضي إلى نقطة معينة ومعدة سلفاً، فقد تسلحت السلطة وحزبها بالتزوير والتغرير، كما لو أن شعور الهزيمة يتملكهم ويدفعهم لرفضها بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، دون النظر إلى عواقب السلوك اللا ديمقراطي في العملية الديمقراطية، وقد يبادر البعض هنا للقول بنفي حصول التزوير بحجة أن أحزاب "المشترك" مشاركة في إدارة جميع لجان الاقتراع والإشراف عليها، وفق التصور الساذج الذي يرى بأن التزوير هو فقط حشو صناديق الاقتراع بأصوات غير حقيقية، أو صناعة نتيجة غير صحيحة، بينما أمر التزوير ومفهومه يتجاوز هذا التصور القديم إلى أسلوب الدعاية الانتخابية، وماهية الخطاب الانتخابي وأبعاده، والعوامل المادية والبشرية المؤثرة فيه، وفي حشد المؤيدين، وغير ذلك من مخالفات تقدح في النتيجة، وليس هنا موضع التفصيل في ذلك، لأننا هنا في موضع الاستشهاد بسبب مهم من أسباب الانسداد السياسي الذي انتهى بثورة في كل أنحاء اليمن، في وقت انتقلت فيه السلطة من مربع الإخفاق في إدارة الأوضاع إلى تفجيرها في كل اتجاه؛ متوهمة بأنها ستخرج سليمة من الأذى، ومُحاطة بشرعية "الضرورة"، مع إنهاك أي بديل محتمل!


 تقف ثورة اليوم على أرضية واضحة من تجربتين: تجربة الانتخابات وتجربة الحروب، ولم يعد مقبولاً ولا معقولاً مطالبة الشعب بانتخابات أو تخويفهم بحرب أهلية، ثورة الشعب اليوم تصوغ معادلة جادة لسياسة البلاد، معادلة تطوي ملفات الحروب وترد الاعتبار للانتخابات، وعشان كده: مش عاوزين حرب أهلية يا ريس!!

 

المصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- الزحف وبس

لو أنتم رجال تزحفوا الجمعة هذي ويحصل الذي يحصل. ازحفوا عليهم وخلصونا من كل هذا. مالكم هكذا فاترين؟ أمانة انه لجنة الثورة هم عملاء، احبسوهم وازحفوا للقصور وهزوا العروش لو أنتم رجال. ليش هكذا خائفين؟ من من خائفين؟ كلهم يذهبوا للجحيم. هذا شغل نسوان وما عادهاش ثورة. قد هي غباء.

2- أي شرعية دستورية يعنون ؟؟؟

إبراهيم

أنا فقط أريد أن أعلق على من يتحججون بالشرعية الدستورية ، فأقول لهم : أين الشرعية الدستورية من قتل الشعب الأعزل الذي خرج يطالب بحقوقه . أين الشرعية الدستورية من خطف النساء في الطرقات . أين الشرعية الدستورية من تزوير الانتخابات جهاراً نهاراً . أين الشرعية الدستورية من استغلال الإعلام الرسمي للتحريض على قتل الشعب . أين هي الشرعية الدستورية من كل هذا ، فإذا كان الدستور يخول لهؤلاء قتل الناس وسفك دمائهم في الطرقات ، ويخول له سرقة المال العام واستغلال نفوذهم للاستيلاء على ثروة الشعب ، فأي دستور هذا؟

3- الثورة المصرية

عوض

بقدر ما نفعتنا الثورة المصرية بقدر ما ضرتنا في الفترة الاخيرة صاحب التعليق رقم 2 عيب مثل هذا الكلام و لو كان الثوار بهذا المستوى من الطرح و الاسلوب فعلى الثورة السلام الثورة غضب على السفاح مش على الثوار و من يؤيدهم

4- الاامام

نصر الله

لك أجل كتاب

5- شعب عرف وجهته

نشوان زيد

ان من يريد حرب اهليه هو على صالح وزمرته فقط..اما الشعب فقد عرف طريقه.. شكرا للكاتب

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء