طفل الثورة الكبير

عندما قامت الثوره كنا نرقبها وهي تكبر شيئاً فشيئاً, نمسك بيديها الطريتين ونقول لها «دادا .. خطي العتبة», وكنا حينها نستطيع رؤيتها وقد أصبحت شابة قادرة على تخطي كل العقبات.. كان الجميع قادراً على رؤية حلم الثورة متجسداً في وطن جميل ورائع يقام على مبادئ الديمقراطية والقواعد المدنية، وكانت الثورة مثل طفلنا المدلل لا نمل منه ولا نشبع، يعيش في قلوبنا ونعيش في عينيه البراقتين بالحلم والحرية والطفولة المحلقة.


ترى هل خرجنا من هذا الحلم لنسقط في كابوس الواقع؟ أم لربما خرجنا من مرحلة الطفولة وبراءة الثورة لنغيب في مراهقتها وصراعاتها ورغبتها في إثبات الذات, جاء كل ذلك سريعاً أمام قدرة النظام المجرم على تدمير كل جميل ومحاولاته المستميتة لتوسيخ وجه الثورة المضيء الذي يشبه وجوه كل أطفالنا. كل المشردين المتسخين في الشارع لكنهم يبتسمون في وجهك إذا ما كنت لطيفاً معهم تشبه وجوه أولئك العجائز الممددات قرب الجولات وهن يدعون لك. إنه الوجه الحزين لكنه الصامد لأنه يعرف ألا أمل له إلا بالصمود, وتشبه قلوب أولئك الرجال العزل من كل شيء إلا بساطتهم وهم يبحثون عن لقمة عيش في أقل شيء وإن كان بيعك علبة علكة لا تساوي 20 ريالاً!


 هذه الثورة التي تكبر كل يوم تتحول اليوم إلى مرحلة الرشد، إنها تحمل كيسها الكبير على أكتافها القوية لتدور في أرجاء الوطن الغالي وبين الشباب اليمني الفذ في كل مكان في العالم , تهديهم الخير والحب والكرامة وتوزع عليهم شتلات الحرية الصغيرة لتغرسها أياديهم في ربوع هذا الوطن, هذه الشتلة الصغيرة ستصبح ذات يوم شجرة عظيمة يستظل تحتها الجميع. الأطفال المشردون في الجولات والنساء الممددات على الطرقات يتسولن والرجال البسطاء الذين يبيعوننا العلكة, والمهاجرون في كل مكان من أبناء اليمن الذين يلوكهم الحزن كل يوم وهم بعيدون عن الوطن , كلنا سنستظل تحت هذه الشجرة شجرة الثورة بما تحمله من حرية وكرامة وحب وخير وكافة الحقوق الإنسانية التي نستحقها ويستحقها كل البشر, لكن هذه الشتلات كلها لا تزال صغيرة, الثورة .. طفلنا .. لا يزال صغيراً لكنه كبر وحمل المسؤولية فهل نعامله على أنه كبير أم ندرك أنه لا يزال صغيراً وفي أحضاننا جميعاً سيكبر لتكبر معه في دولتنا المدنية قيم الحرية وقبول الآخر والكرامة والاتجاه نحو البناء لا الهدم, نعم كل ذلك سيحدث لأن الشعب اليمني برمته قرر أن يخرج إلى النور وان كانت الولادة متعسرة قليلاً, لكننا قررنا من أجل كل الفقراء والمشردين والمظلومين والمضطهدين والمنكوبين, ومن أجل كل الشهداء الأبرار والأمهات المجروحات والبسطاء الراقدين في خيام الثورة ليشدوا من أزرها.


ومن أجل وطن عظيم يستحق منا أن نموت عند حافة قدميه المشققتين من التعب، ونستحق أن نحيا في قلبه المعطاء طوال أعمارنا دون أن تلملمنا المنافي ويعذبنا الفراق الذي لا ينتهي, فهل نبقى متشبثين بهذه الكف الطرية لنتخطى بها هذه «العتبة», نعم سنظل نفعل ذلك لأنه لا طريق لنا سوى طريق الثورة الذي لن ينتهي حتى لا يظل مشرد واحد في شوارع اليمن أو امرأة واحدة تجلس على الرصيف لتتسول لقمة العيش وحتى يعود كل من نفي قسرا لنبدأ معا يداً بيد في بناء اليمن, هذا هو الحلم الحقيقي للثورة, الحلم الوحيد الذي سيجعلنا في ثورة دائمة , ثورة اليمن العظيمة الخلاقة لأجل يمن التاريخ والحضارة .

 

المصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء