"فايرستاين" يلعب بورقة القاعدة الأثيرة

الخبر السار بالنسبة لسفير الولايات المتحدة الأميركية في صنعاء جيرالد فايرستاين، هو: فرار 63 سجيناً من المنتمين لتنظيم القاعدة بينهم محكومون بالإعدام، من سجن المكلا المركزي بمحافظة حضرموت صباح الأربعاء الفائت.


ويبدو المدهش جداً في يقظة وحدة مكافحة الإرهاب ، أن عملية الفرار هذه تمت بنفس ذلك السيناريو الذي فر فيه 10 سجناء متهمين بتفجير المدمرة "كول" من سجن عدن العام 2003 ، وباستخدام ذات الأدوات التي ساندت فرار 23 شخصاً من سجن صنعاء العام 2006 ، الجميع حفروا أنفاقاً من زنزاناتهم بملاعق الطعام وصولاً إلى خارج السجن.


وفي أعقاب ذلك، كان السيد جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ، ومعه السفير فايرستاين، يستمتعان بحفلة غداء فاخرة في ضيافة قائد الحرس الجمهوري*.


وسط كل الاحتمالات ، يبدو السفير الأميركي بصنعاء صامتاً حيال عملية الفرار السهل للسجناء، في حين أنه يجيد الحديث بنبرة عالية حين يملي شروطه على قادة اللقاء المشترك الضعفاء.ولعل ما يؤكد ذلك الشعور العدائي الواضح تجاه هذا الشعب ، أن يقول فايرستاين : أنه " ليس مع كلمة ثورة "، وأن " إسقاط النظام لن يحل المشكلة ".


بين خيارين .. تقف ساحات الثورة في مراوحة شديدة للغاية ، فإما إسقاط النظام ، أو نقل السلطة بطريقة سلسة تلائم شغف فايرستاين، وبالنسبة لأحزاب المعارضة فإنها ما تزال تعتقد أنها تتمتع بإحساس سياسي عالي الإيقاع يمكنها من التأثير على مسرح العمل السياسي في اليمن من دون الاضطرار للنوم في خيمة احتجاج داخل ساحة التغيير بصنعاء.


أكثر ما تستطيع أحزاب المشترك انجازه، هو الإصرار على المبادرة الخليجية ، كي تكون عند حسن ظن فايرسيتاين ودول الجوار، وليس لدى المعارضة أية مشكلة في منح نظام سفك دماء قرابة 200 شهيد ، كل الضمانات الكافية لعدم ملاحقته. وما لم تنتبه له هذه الأحزاب ،هو أنها ستخرج في نهاية المطاف، بخسارة عدد كبير من قواعدها في الساحات، فضلاً عن النظر إليها بالكثير من المقت واللعنات ، وهو ما بدأ الآن بالفعل.


لننسى أمر المشترك الآن ، ولنتحدث عن ما يريده فايرستاين، فطبقاً لأحد الخبراء القانونيين فأن الرجل لا يريد قادة جيدين على المسرح السياسي الآن، انه يريد رجالاً ضعفاء في المرحلة الحالية ، تماماً مثل عبد ربه منصور هادي الذي يحمل رتبة فريق ( وهي أكبر رتبة عسكرية حالية في اليمن في ظل غياب صالح) ، ولا يستطيع إلزام كل الرتب العسكرية التي يحملها بقايا النظام الانصياع لأوامره ، ففي حين أن هادي يحمل أكبر منصب سياسي بعد صالح ، إلا أنه يفرط فيه ايضاً كما السلطة العسكرية التي يملكها وهذا ما يريده سفير أميركا وحسب.


قد تكون هذه ، هي المرة الأولى التي تسلم فيها الولايات المتحدة ملف دولة كاملة بعهدة سفير من سفرائها ، وطبقاً لأحد السياسيين فإن فايرستاين تسلم من أوباما ملف اليمن بعد أن تعهد بانجاز الكثير في مكافحة الإرهاب. الأمر الذي يقود إلى أن جيرالد فايرستاين هو المدير التنفيذي لليمن اليوم ، وما من أحد يجرؤ حتى على القيام بأمر يزعج سعادة السفير، وما يدعو للاشمئزاز أن يبدي قادة المشترك نوعاً من الاستقواء بالرجل ، برغم كل المواقف المعادية لثورة الشباب التي تعارضها أميركا منذ انطلاقها.


هل تتذكرون ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية قبل قترة قصيرة ، عندما ظهرت في عرض مروع فيه الكثير من الجنون , لتقول " إيران ضالعة إلى حد بعيد "في الحركات الاحتجاجية التي يشهدها اليمن". بهذا الكلام وبغيره ، كانت كلينتون تتقاسم اللعب بتلك الورقة التي كانت في جعبة صالح حيث جعلت من إيران كبش فداء في اليمن مرة أخرى.جاء هذا بعد إعلان صالح أن هذه الاضطرابات حصيلة مؤامرة تقف وراءها إسرائيل و الولايات المتحدة ولهذا بدا بيان كلينتون ساذجا جدا.


لكن الأمر قد يكون أقل سذاجة مع فايرستاين ، فالرجل لا يحب العمل الدبلوماسي بالقدر الذي يوليه للعمل الأمني والعمليات العسكرية المتعلقة بشئون مكافحة الإرهاب .. وهي وظيفة لطالما برع فايرستاين في تأديتها في بلدان عدة ، لربما لن تكون جغرافيا شبوة أو أبين آخرها. وما من فرصة ثمينة أفضل من هذه ، تخول للسفير جيرالد فايرستاين ، تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية، فثمة 63 ارهابياً من تنظيم القاعدة ينبغي القضاء عليهم ، بعد تؤاطو او فشل الأجهزة الأمنية اليمنية في ذلك ، ليس مهماً توخي الدقة فيما اذا كانت أجهزتنا متؤاطئة بالفعل او فاشلة ، ففي الأخير قبلت هذه الأجهزة شروط اللعبة على قاعدة فايرستاين..لكن دعونا قبل الحديث عن براعة فايرستاين، لنعرف أولاً من هو جيرالد فايرستاين؟


في 17 سبتمبر 2010 ، جاء فايرستاين إلى صنعاء، من أجـل تنفيذ المهمة الأميركية الخاصة التي أخفق في تنفيذها السفير الأميركي السابق ستيفن سيش؛ وهي قتل رجل الدين المتشدد والمتهم بالإرهاب أنور العولقي "اميركي الجنسية" ، الذي أضيف اسمه العام الماضي إلى قائمة سرية من الأهداف التي وضعتها وكالة الاستخبارات المركزية، ولعل الجميع يعرف أن المهمة التي يقوم بها الرجل ، لاقت معارضة من قبل الكونجرس الأميركي الذي رفض منح تشريع يخول إدارة اوباما قتل الارهابي العولقي ، دون محاكمته ، وهو ما يحظره الدستور الأميركي ، في حق مواطن يحمل الجنسية الأميركية.


قبل تعيين فايرستاين سفيراً لدى اليمن، شغل الرجل منصب نائب السفير في إسلام أباد في باكستان.وعرف عنه براعته في لعب دور الجنرال الذي حقق نجاحات خارقة في سجل مكافحة الارهاب. فالرجل يحمل خبرة ذائعة الصيت في العمل في أكثر بؤر التوتر في العالم.


ففي ثمان سفارات شملت: إسلام أباد و وتونس والرياض، وبيشاور، ومسقط وأورشليم ، وبيروت ، وإسلام أباد.كانت تجربة فايرستاين كفيلة لأن تؤهله لمنصب نائب النائب الرئيسي لمساعد المنسق لبرامج شؤون مكافحة الإرهاب في واشنطن من 2006 حتى 2008.


لعل هذه السيرة الوظيفية تكاد تكون كافية للقول بأن السفير يحمل سجلاً مهنياً يمكنه من إيجاد طريقة أو أخرى في تنفيذ المهمة دون ترك آثار تورط إدارة اوباما، ولعل هذا ما سيفاجئنا فيه فايرستاين في الأيام القادمة.


لكن الأمور لا تتم عادة وفقاً لما يخفيه فايرستاين وخصوصاً في بلد كاليمن، فما يزال الصحفي عبد الإله حيدر شايع معتقلاً تحت ضغوط السفارة الأميركية ، في حين انه منح عفواً رسمياً قبل 5 شهور من الرئيس صالح نفسه.


يقول فيليب لوثر، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "إن ثمة مؤشرات قوية على أن التهم الموجهة إلى عبد الإله شايع ملفقة وأنه سُجن لأنه تجرأ على الحديث عن تعاون الولايات المتحدة في الهجوم بالذخيرة العنقودية الذي وقع في اليمن، ليس إلا." ويضيف فيليب لوثر بالقول: " منظمة العفو الدولية تعتبره سجين رأي وتدعو إلى إطلاق سراحه فوراً وبلا قيد أو شرط.".


لهذا السبب، اختار السفير فايرستاين أولى تحركاته الدبلوماسية من مقر نقابة الصحفيين اليمنيين، فالعلاقة ما بين حيدر وفايرستاين هي من جرت قدمي الأخير لأن يتنكر أمام الصحفيين بحديث مثالي عن الحريات الصحافية وحرية التعبير وحقوق الانسان ، في حين أن ثأر فايرستاين مع شايع يكمن في كون الأخير كان أول صحفي يمني يكشف عن تورط الولايات المتحدة في الهجوم على المعجلة في أبين ، في 17 ديسمبر 2009 ، والذي أسفر عن مقتل 21 طفلاً، وما لا يقل عن 20 رجلا وامرأة ، و14 شخص متهمين بالانتماء لتنظيم القاعدة.وهو قتل خارج نطاق القانون.


وبعبارة أخرى: سيستمر فايرستاين بتنفيذ المزيد من عمليات القصف المستهدفة التي غالباً ما يسقط فيها عشرات الضحايا من المدنيين ،و لن يهدأ له بال إلا حين تنجح عملية قتل أنور العولقي، ويتعين على الصحفيين اليمنيين ومنظمات حقوق الإنسان طبعاً التزام الصمت كي لا ينالهم ذات العقاب الذي نال الصحفي حيدر.


صحيح أننا لسنا متعاطفين مع أنور العولقي ، وننظر لما يقوم به إرهابا محظاً ، وطبيعة اليمنيين إجمالا لا تميل إلى التعاطف مع العنف ، لكن ذلك كله لا يعد مسوغاً كافياً لأن تتحول البلد إلى ساحة جريمة قتل خارج نطاق القانون اليمني والأميركي على حد سواء.


بعيداً عن حقوق الإنسان .. يعلم الجميع أن السياسة الدولية والإقليمية وتحديداً أميركا والسعودية ظلت تؤجج الاتجاه المتزايد للنظام اليمني نحو التضحية بحقوق الإنسان باسم الأمن ولمصلحته وحسب.

ــــــــــــــــ

* توضيـح من المصدر أونلايـن: فيلتمان نفى في وقت سابق أن يكون قد التقى بنجل الرئيس صالح حينما زار اليمن الأربعاء الفائت. 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك