من وحي حادثة مسجد النهدين (4-4)

صوملة اليمن: الإنجاز الأخير للنظام!

(1)
لا نظن أن أحداً في النظام خطر بباله يوماً ما قبل الثورة الشعبية؛ أن الأوضاع في الوطن اليمني يمكن أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، وربما كان أقصى ما توقعوه شيء من المظاهرات والاعتصامات وحتى الصدامات العنيفة ثم يبرد كل شيء تدريجيا وتعود الأوضاع كما كانت. نقول ذلك رغم تلك التحذيرات أو التهديدات غير المباشرة التي كان الخطاب السياسي والإعلامي اليمني الرسمي يطلقها - منذ سنوات- حول صوملة اليمن أو تكرار ما حدث في العراق وأفغانستان.


نفسيات أركان النظام ورموزه وقياداته – ومرتزقته- ليست من نوعية تلك النفسيات اليقظة التي تستشعر خطورة وضع ما خوفاً على الوطن والشعب، ولا هي من صنف الأرواح الشفافة التي تخترق حجب المستقبل فتطلع على ما فيه من خير أو شر؛ حتى نصدق أن القوم كانوا مثل زرقاء اليمامة التي رأت الخطر الذي يتهدد قومها من مسافة أيام – وليس سنوات كما حدث في بلادنا– فحذرت وأنذرت دون فائدة!


المؤكد الآن أن كل تلك التهديدات كانت تطلق لتخويف اليمنيين وشل حركتهم، وجعلهم يصبرون على مساوئ (النظام) - أو أم الجن التي يعرفونها- والكف عن المطالبة بالإصلاحات الجذرية، أو أن يحل بهم ما حل بالآخرين، وبدليل أن النظام هو الذي عمل على صوملة اليمن بعد أن عجز عن احتواء الاحتجاجات الشعبية السلمية، وفشلت سياسة الجزرة والعصا، وخسر النظام أوراقا مهمة كان يراهن عليها في مواجهته المعارضة.. حينها أخرج من جعبته: خيار الصوملة التي يبدأ بإقصاء الدولة – على علاتها في بلادنا- وفرض حكم العائلة جهارا، وتسليح العصابات والبلاطجة وتسليطهم على المواطنين؛ دون حياء من مبادىء الجمهورية والدولة الحديثة، وينتهي بتعطيل الدستور والقوانين وسيادة منطق القوة الغاشمة البربرية التي لا تخجل أن تحرم الشعب من أبسط مقومات الحياة مثل الكهرباء والمياه والوقود!


(2)
كان النظام – كله على بعضه- غارقاً في لجة من الغرور السياسي، والاعتداد بالقوة الغاشمة، والاتكاء على تجاربه في خلط الأوراق، والكذب، وفرض سياسة الأمر الواقع استغلالا لميزان القوة المختل لصالحه.. ولذلك فشل في تقدير وتفهم طبيعة الأحداث والتطورات وإمكانيات المتحالفين ضده تقديراً صحيحاً. أعماه بخور النفاق والتزلف من المرتزقة – وخاصة الجدد منهم الذين يخيفهم أن يفلت (رأس النظام) من حصارهم المضروب حوله فيخسرون امتيازاتهم؛ وبعضهم (يا دوب) بدأ يصلح أحواله المادية، ويتعود على نعمة السلطان ونفوذه- عن رؤية الحقائق واستشعار قوة الرفض الشعبي لسياساته.


هذه الحالة من الضياع والاطمئنان إلى الغد، وتجاهل ما يعتمل في الشارع من ضيق وتبرم؛ هي التي قصمت ظهر النظام قبل أن تقصمه الاحتجاجات والاعتصامات والانشقاقات الداخلية والمؤامرة الغادرة(!) وقديما قيل: من مأمنه يؤتى الحذر... وقد جاءت أو لاحت نهاية (النظام) من مأمنه؛ فهو ظن – في البدء- أنه قادر على تمرير مخططات إجراء الانتخابات وتزويرها كما يريد؛ اعتماداً على أن (المعارضة) لن تستطيع أن توقف الإجراءات بنضالها السلمي فقط وبانصراف الشارع اليمني المستقل عن المشاركة في العمل السياسي يأساً وإحباطاً! فلما وقعت واقعتا تونس ومصر هرولت السلطة للملمة الماء المسكوب في الرمل دون فائدة! وهاهو ذا (النظام) بعد خمسة شهور من الثورة الشعبية السلمية يفتقد حتى القدرة على (النخيط السياسي) وتهديد معارضيه بالديمقراطية والانتخابات الفورية.. ويعترف أكبر رمز سياسي باقٍ فيه بأن أكثر من خمس محافظات خرجت عن سيطرة الدولة.. ولو أنصف لقال إن كل محافظات الجمهورية صارت إما ثائرة أو نصف ثائرة!


فوارق شاسعة بين يمن الأول من فبراير ويمن يوليو 2011م.. وصورة بائسة للنظام لم يكن حتى صاحب تقويم زبيد يتوقع أن تحدث في إسرائيل أو أي بلد معادٍ تعود الفلكي أن يتنبأ له بالويل والثبور والزلازل والاغتيالات والثورات.. ولا كان رافعو التحذيرات من مصير الصومال والعراق وأفغانستان يتوقعون أن يحدث نصف ما حدث في البلاد خلال الشهور الماضية.. والأسوأ من كل ذلك أنه يبدو أن لا أحد في النظام يتعلم ويتعظ.. والذين يتعظون منهم لا يقدرون على الفعل، ويجمدون مثل الطيور أو الكائنات الحية التي تشاهد أضواء السيارات في الغابة للمرة الأولى في حياتها فتعجز عن الحركة لأنها عجزت عن فهم ما تراه.. وتكون النتيجة: الموت تحت العجلات!
خلال شهور الثورة الشعبية لم يفهم أحد في السلطة أن المطلوب:

تغيير النظام من ديمقراطية شكلية إلى أخرى حقيقية..
ومن دولة ظلم واستبداد إلى دولة عدل وحريات..
ومن حكم الفرد والعائلة إلى حكم القانون والشعب..


لم يتعظ أحد بعد كل هذا الذي جرى.. والدماء التي سالت.. والدولة التي تتهاوى.. والفوضى التي تعم؛ فقادة النظام ورموزه لم يتغيروا ولم يفهموا أنه لا بد من التغيير الحقيقي: عاجلا أو آجلا ولو ظلوا متمترسين في السلطة بالحديد والنار، ولم يفهموا أنه كان بإمكانهم أن يبدأوا بإجراء إصلاحات حقيقية في بعض المجالات؛ ولو لخداع بعثات تقصي الحقائق والوسطاء وامتصاص غضب الشعب.. ولكنها النهاية عندما تحل تعمى الأبصار والقلوب؛ فما زال الخطاب السياسي والإعلامي، وحقائق تحركات قوات النظام وأجهزته الأمنية يؤكد أنهم لم يفهموا أن المطلوب – عاجلاً أو آجلاً- أن يتصرفوا ويتعاملوا مع (الآخر) وفق الدستور والقوانين حتى ولو حدث تجاوز من الآخرين عليها لأنهم بذلك فقط يثبتون أنهم دولة وليس.. عصابة!


لازال كل شيء في النظام يؤكد أن (اليمن) ملكية خاصة للعائلة والحزب الحاكم – مع فارق العوائد على الطرفين طبعاً- ولا أحد منهم يفكر أن هناك شعباً لم يعد يتحمل حياة العبودية والاستغفال والكذب!
ما زال مرتزقة النظام يتحدثون عن السلام والحوار وكأن هناك من لا يزال يصدقهم، وهم الذين سلطوا أشرس أسلحتهم على الشعب دون أن تطرف لهم عين أو يهتز لهم ضمير!


وما يزالون يتحدثون عن (الشرعية الدستورية) وهم الذين داسوا الدستور بأقدامهم يوم حولوا الجمهورية إلى ملكية، والديمقراطية إلى مسخرة يستحوذون بها على السلطة ويورثونها لأبنائهم كالمتاع، ونجزم أن معظمهم لا يمتلك نسخة من الدستور، ولا رأته أعينهم فضلاً عن أن يكونوا قد قرأوه أو فهموه؛ وإلا كانوا قد امتنعوا عن ذكر (الدستور) وحرموا نطقه!

 

(3)
أكتب خاتمة هذا الموضوع بعد يوم من مهزلة الرصاص المصبوب ليلة الجمعة، وهي المهزلة التي بدأت بتحذير وزارة الداخلية لأنصار الرئيس بعدم إطلاق الرصاص ففهموها على حقيقتها بأنها دعوة إلى إشعال سماء صنعاء والمدن بالرصاص وإحراقها على رؤوس سكانها!


لا نقول إن النظام سقط ليلة الجمعة.. لأنه لم يعد قائما على شرعية منذ استباح قتل المواطنين، وتدمير بيوتهم ومزارعهم وهم لم يرفعوا سلاحا ضده، وأعلنوها من اليوم الأول بأنها سلمية حتى وقوات النظام ترميهم بالرصاص الحي وتقتلهم وقادة الدولة يتفرجون على المذبحة في شاشة التلفاز ثم يبررون المذبحة – كما برروا كل مذبحة قبلها وبعدها- بأن الضحايا هم الذين استفزوا القتلة ليقتلوهم!


كل هذا الرصاص والهمجية لمجرد إبداء السرور بظهور الرئيس حيا.. فكيف سيكون الأمر لو مات؟ هل سيقتلون الجنين في بطن أمه ويدفنون المواطنين أحياء في مقابر جماعية؟
ما حدث ليلة الخميس لم يخل من فائدة.. فالآن يعرف كل يمني ماذا سيحدث ومن يترصده في هذه الغابة التي يحكمها بقايا النظام الذي كان كذلك قبل أن يقرر أركانه أن يظهروا على حقيقتهم: مجرد عصابة تدافع عن مكاسبها؟
وعلى الباغي تدور الدوائر!
 

صحيفة الناس

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- النظام سقط في جمعة الكرامة ، والمطلوب الاجهاز عليه سياسيا وثوريا

مرا د العامري

لقد تغابى النظام عن مطالب الثورة : (تغيير النظام من ديمقراطية شكلية إلى أخرى حقيقية.. ومن دولة ظلم واستبداد إلى دولة عدل وحريات.. ومن حكم الفرد والعائلة إلى حكم القانون والشعب) وهو الان في عداد الموت السريري وفي اخر انفااسه والمطلوب الاجهاز عليه سياسيا وثوريا

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء