بطولة التضامن 2014

لعبة.. الصندوق!

(1)

أحد المعايير الأساسية للنهج الديمقراطي هو الوصول إلى السلطة والخروج منها بطريقة سلمية سهلة.. وهو ما يعبر عنه بالتداول السلمي للسلطة. والوصول إلى السلطة – في الغالب- سهل عبر صناديق الانتخابات النزيهة أو الطرق الأخرى مثل التوريث أو الترتيبات داخل حزب حاكم أوحد أو الانقلابات البيضاء.. وحتى الانقلابات العسكرية الدموية التي توصل شخصاً إلى السلطة تظل أقل دموية من محاولة إخراج (حاكم) يرفض أن يخرج من السلطة إلا بعد طلوع الروح – بمعنى الكلمة- ويستعد لذلك بإعداد الجيوش والأجهزة الأمنية بمسمياتها المختلفة التي يستخدمها لتحقيق هدف (منع التداول السلمي أو الدموي للسلطة)!

 

(2)
فكرة التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة هي الوسيلة الأقل خطورة التي توصلت إليها التجربة البشرية لمنع سقوط المجتمعات في هاوية الحروب الأهلية بسبب الصراع على السلطة. ومهما يحدث من خلافات بين الحكام والمعارضة.. ومهما تكن فداحة المأزق الذي تصل إليه العملية السياسية؛ إلا أن الانتخابات الحرة والنزيهة تكون (حلاً) يقبل به الجميع، ويحتكمون فيه إلى الشعب الذي يحسم الخلاف في إطار ممارسة سياسية سليمة خالية من التزوير أو الإرهاب أو استخدام إمكانيات الدولة لصالح سلطة أو معارضة.. فتأتي نتيجة صناديق الاقتراع تعبيراً صحيحاً عن الإرادة الشعبية ويقبل بها الجميع ويسلم بها الطرف المهزوم!


هذا الكلام السهل هو الذي نفتقده في اليمن – وفي غيرها من بلدان الديمقراطيات الشكلية- ونتجت بسببه هذه الأزمة الشاملة الخطيرة التي يمر بها اليمنيون.. وأسوأ ما فيها – أو من ضمن سيئاتها الكبرى- أن (النظام) برموزه يرفض أن يعترف بأن أصل الأزمة التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة هو انسداد آفاق التغيير السلمي عبر الانتخابات (النزيهة)، الأمر جعل شبح الحرب الأهلية يطل مع كل طلعة صباح وإقبال ليل!


لم يفهم النظام ورموزه ذلك؛ بدليل أن أسهل كلام يقولونه: صناديق الاقتراع هي الحل.. يقولون ذلك باستهبال يظنون به أن الناس لا يفهمون ولم تعلمهم تجارب عشرين عاماً من التزوير: أين يكمن الخلل والمرض الخطير الذي تعاني منه الانتخابات اليمنية؟


الانتخابات النزيهة نفسها تحتاج إلى شروط بدونها لا تكون لا حرة ولا نزيهة.. ونقصد بها توفير المعايير الأخرى للنهج الديمقراطي وهي:
- إطلاق الحريات العامة كاملة: سياسيا وإعلاميا ونقابيا وجماهيريا.. دون استثناء أو قيود.
- فصل الدولة عن الحزب الحاكم، ومنع استخدام إمكانياتها لصالح أي طرف وبأي صورة من الصور.
- ضمان حيادية القوات المسلحة والأمن، والمال العام، والوظيفة العامة.
- حيادية وسائل الإعلام الحكومية – إن وجدت- بصورة مطلقة.
- إدارة عملية الانتخابات بنزاهة وحيادية من الألف إلى الياء.


- استقلال القضاء استقلالاً تاماً يمكنه من فرض تطبيق القوانين تطبيقاً صارماً دون تمييز بين حاكم ومحكوم.
وكل هذه الشروط يجب أن تتوفر في البلاد ليس فقط في أيام الحملات الانتخابية بل بصورة دائمة وطبيعية وكاملة - ولفترة انتقالية مناسبة في مثل حالة بلادنا- حتى يمكن القول إن الانتخابات التي تجري تستحق أن توصف بأنها (نزيهة)، ويقتنع الطرف الخاسر فيها أنها جاءت معبرة عن الإرادة الشعبية الصحيحة، ومن ثم يقبل أن يحكم الحزب الفائز البلاد خلال المدة المحددة دستوريا وينفذ برنامجه الانتخابي ويمارس الخاسر دور المعارضة.. والحزب الفائز بدوره يدير البلاد وفق برنامجه الانتخابي ووفق الأسس العامة لدستور الدولة والمعايير المذكورة للنهج الديمقراطي حتى الانتخابات التالية؛ فإذا هُزم فيها سلم السلطة للمعارضة سلميا وإذا فاز واصل إدارته للبلاد.. وهكذا.


هذا هو الإطار العام للعلاقة بين السلطة والمعارضة.. ومن نافلة القول إن الذي يجري في بلادنا منذ عشرين عاما لا علاقة له بهذا الذي شرحناه، ولذلك فالذين يتحدون المعارضة بصناديق الاقتراع كبديل للاحتجاجات والاعتصامات عليهم أولاً أن يقنعوا الشعب بأن ما يتم في اليمن من ممارسات سياسية تلتزم حقا بمعايير الديمقراطية الحقة؛ بمعنى أن يبدأوا فوراً -ودون ابتزاز أو مقايضة أو حوار بيزنطي– بتجسيد هذه المعايير والشروط الضرورية، وبعدها فقط يمكن أن يتحدوا المعارضة بصناديق الاقتراع كطريق وحيد للوصول إلى السلطة!

(3)
الخروج من السلطة – ولو كان الوصول إليها شرعياً وصحيحاً- لا يكون بالضرورة وفق (صناديق الاقتراع).. هذا كلام يقوله الذين يديرون الانتخابات بالريموت كنترول من داخل أحزابهم وليس اللجان الانتخابية.. وهناك أمثلة عديدة على خروج رؤساء جمهورية ورؤساء وزارات من السلطة تحت ضغط الرأي العام - أو المعارضة– ولو لم يكونوا معبرين عن (أغلبية) في كل الحالات.. فالرئيس الفرنسي التاريخي (شارل ديجول) فضل الاستقالة – كما أشرنا قبل شهور- عندما وجد أن نسبة نجاحه في الاستفتاء على بعض سياساته ليست مرضية لكبريائه السياسي وتاريخه الوطني وتدل على وجود معارضة قوية لها.. والرئيس الأمريكي (نيكسون) خضع لضغط الرأي العام وقدم استقالته قبل انتهاء مدة رئاسته الثانية التي فاز فيها بأغلبية كبيرة جدا؛ بعد ثبوت تورطه في التستر على محاولة بعض أنصاره التجسس على مقر فرعي للحملة الانتخابية لمنافسه أثناء الانتخابات الرئاسية (قارنوا بانتهاكات الرؤساء العرب للدستور بأسوأ من مجرد التستر!)..


وفي الأنظمة البرلمانية جرى العرف أن يدعو رؤساء الحكومات إلى انتخابات مبكرة أو يستقيلوا من مناصبهم لصالح نوابهم في حالة حدوث إخفاقات اقتصادية أو سياسية أو أمنية؛ وفي بعض الحالات إذا أظهرت استطلاعات الرأي تدني شعبيتهم.. ولا يقول (واحد) من كل هؤلاء إنه يرفض الاستقالة لأنه رئيس منتخب، والشرعية الدستورية معه إلى آخر يوم من مدته! فطالما صار (الرئيس) مشكلة بحد ذاته فالحل هو رحيله وليس الإصرار على البقاء حتى.. موت الشعب أو إنفاق موازنة الدولة لحشد الملايين في الميادين والساحات وشراء الذمم لإثبات أن (الرئيس) يمتلك الأغلبية.. ولن يرحل!


صناديق الاقتراع النزيهة في ظل ممارسة ديمقراطية سليمة ونزيهة كانت كفيلة بألا يصل وطننا إلى حافة الهاوية لأنها كانت ستجعل الشعب هو صاحب القرار، لكن النظام يعرف أنه لن يصل إلى السلطة؛ فضلاً عن أن يبقى فيها إلى الأبد ؛في ظل انتخابات نزيهة.. ولذلك استمات دائما في أن تكون مزورة وتتم في أجواء غير ديمقراطية.. ويديرها ويتحكم فيها أمثال اللجان الانتخابية العليا التي عرفناها طوال مأساتنا المستمرة منذ فجر الوحدة!


ولكل ذلك؛ كانت الإصلاحات السياسية والانتخابية في مقدمتها هي المدخل الصحيح للإصلاح الشامل.. وكل دعوة تتجاوز ذلك مغالطة لم تعد تنطلي على الأطفال! وعلى الذين أدمنوا لعبة صناديق الاقتراع المزورة أن يكفوا عن التصرف مثل الأطفال الذين يتشبثون بألعابهم ويعاندون ويرفضون أن يفهموا أنها مزورة وليست حقيقية!

 

*عن الناس 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- صندوق الموت

ثئر من داخل الصندوق

لنتأكد من صدق كامك الذي ذهبت إليه في مقالك نحن بحاجة لأن نحتكم إلى الصندوق..والصندوق مع الأسف صار سبب بلاء اليمن وشعبها منذ أن ماتت بصندوق وضاح..

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء