468x 60

صور وتعليقات من اليمن

سئل شاعر اليمن الراحل الكبير، عبد الله البردوني، ذات مرة عن اليمن، فقال: اليمن كوجهي. وكان على وجه البردوني بقايا من مرض الجدري الذي أصيب به في طفولته الباكرة، واستمرت آثاره طول فترة حياته. كان شاعر اليمن وفيلسوفه يريد أن يقول إن اليمن عليل يحتاج إلى دواء تماما مثل وجه الشاعر الذي حرم الدواء في صغره فالتهم الجدري ضوء عينيه. وبعد البردوني وقبله نقلت صورة اليمن بكل تناقضاتها عبر الكثير من الكتب والمؤلفات والأفلام التي قام بها هواة ومغامرون عرب وغربيون. منهم الفرنسي أندريه مالرو الذي سقطت طائرته في صحراء مأرب دون أن يأبه لذلك، بسبب دهشته الكبرى التي تجسدت في برقيته الشهيرة التي بعث بها إلى باريس: «لقد اكتشفنا مدينة سبأ الأسطورية».

 

وفي كل المشاهد التي تنقل من اليمن تأتي الصورة مكتنزة بالتاريخ والخيال والأساطير عن البلاد التي خرج منها العرب والبخور والأشعار. غير أن الصورة اليمنية هذه الأيام تحوي في كثير من عناصرها معاني البؤس، وتنهمر مع ألوانها تداعيات التشنج والتخندق والكراهية. اللون الأحمر يتفجر من قلب الصورة، وينساب عبر حواشيها، ويحرص الرسام الذي أخرج الصورة للمشاهدين على أن يكون فيها غير قليل من التناقض الصارخ في الألوان والأحلام. صور كثيرة تكتظ بها الذاكرة والوجدان اليمني منذ ما يقارب ستة أشهر من المعاناة والآلام والآمال. قدر بعض البلدان أن تكون هكذا موبوءة بالصور، مكبلة بالجغرافيا، مثقلة بالتاريخ. لأن البلدان التي تفشل في الاستفادة من موقعها الجغرافي يتضاءل موقعها على الخريطة، والتي لا تستفيد من عظمة تاريخها تتحول إلى أسيرة لهذا التاريخ. وهذا هو حال البلاد التي تطل (في خريطة الجغرافيا) على بحرين وممر مائي مهم، وتطل (في خريطة السياسة) على معسكرين وممر ضيق للخروج من الأزمات.

 

انهمرت صور كثيرة خلال الفترة الماضية من مئات الشاشات عن اليمن: صور عشرات القتلى في يوم 18 مارس (آذار) الماضي، صور الدم الحار الذي انسكب على الأرض يوم الجمعة يجعل المشهد أشبه ما يكون بوردة كبيرة مضرجة باللون. صورة صنعاء وهي تحترق على مدار ليال وأيام، صورة مبنى «اليمنية» وهو ملفوف بمناديل النار في غاية الرمزية المفتوحة على أهل بلاد يخربون بيوتهم بأيديهم وقاذفات الصواريخ. صور عشرات القتلى في ساحة الحرية في تعز (التي لا بواكي لها) تبعث على الاشمئزاز، صور مماثلة من إب وعدن والحديدة وأبين وغيرها من المحافظات تأتي محملة بالرموز التي تختصر العلاقة الحميمة بين الرصاص والأجساد. هكذا تأتي الصورة اليمنية أوصالا ممزعة لا تشبها إلا أوصال صنعاء وغيرها من المدن اليمنية التي انشطرت إلى شطرين أو عدة أشطار. صور كثيرة لمقاتلين قبليين جاءوا إلى عدد من المدن ولا تدري أدخلوا لحماية الثورة أم لحماية القبيلة، صور ملبدة بالشعر الكثيف والحديد والرصاص. صور أخرى لمقاتلين آخرين يخرجون من عباءة التاريخ، محملين بأحلام العصور الأولى، أغلبهم ملثمون، يمتطون الجغرافيا، ويتأبطون التاريخ ويتأولون النصوص ويقاتلون أميركا في حدود اليمن الجنوبية. صور أخرى لمقاتلين آخرين تحت شعار كبير يهتف «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل» يخرجون أيضا من تعاريج تاريخية معقدة، يقاتلون أميركا، وينتقمون من «الشيطان الأكبر» بسفك دماء اليمنيين، ويمهدون للمهدي ويمضغون القات والأوهام.

 

وعلى ذكر «القات»، العشبة الخضراء، فإنه لا يجمع بين أهل ميدان التغيير وأهل ميدان التحرير والمقاتلين الذين يقاتلون أميركا في الجنوب والمقاتلين الذين يقاتلون أميركا في الشمال غير الإجماع على تلك العشبة السحرية الخضراء، حيث لم يعد شيء محل إجماع اليوم في اليمن الحزين.

 

صورة تشي غيفارا بدورها وصلت اليمن، غيفارا الثائر اليساري يكون أكثر إثارة عندما ترتفع صورته فوق صف من المصلين في صنعاء، غيفارا في صنعاء أحد القديسين الذين يبثون الأمل ويتوضأون للصلاة، روح غيفارا ترفرف في سماء صنعاء كما رفرفت في عدة سموات هنا وهناك. لم تخل الساحات بالطبع من صور لعبد الناصر والحمدي وغيرهما من الرموز. الشعوب عندما تختنق تلجأ لرموزها، تلجأ للصور لتخرج عباراتها أو عبراتها أكثر حميمية ووضوحا ودهشة. وبين دفتي الشاشة تحتشد صور لغالبية اليمنيين يجلسون على قوارع الأحلام، يبحثون عن عمل، أو ينظرون بأمل، أو يحاولون فهم ما يجري في البلاد التي بدأت تدور حول نفسها وتدخل مرحلة من الغموض. لست أدري من قال يوما: «عندما يعجز الشعراء عن الإبداع يلجأون إلى الغموض»، وهو قول ينطبق على السياسيين بشكل كبير.

 

صورة صاحب القصر في أول ظهور له توحي بكثير من المعاني والدلالات، إنها تعكس شيئا من مأساوية التراجيديا اليمنية بكل تناقضاتها. يتساءل المرء وهو يرى صورة صاحب القصر في المستشفى؛ أيشعر بالشفقة عليه من نفسه وممن هاجموه أم يشفق على البلاد منه وممن هاجموه؟ أهو الضحية أم الجلاد، أم أنه الجلاد والضحية في الآن ذاته؟ الصورة التي جاءت من ميدان التغيير وساحة الحرية محملة بدم فرسان بكر التحمت أخيرا بصورة «الملك كليب» المضرجة بدمائها داخل مضارب ربيعة. وبين الصورتين عشرات الصور المنهمرة تمطر الدم والخراب والسراب. تصوروا أن كل هذه الصور تأتي من اليمن! تأتي من صنعاء التي كانت قبل سنوات معرضا مفتوحا للصور النابضة باللون والحياة، صنعاء التي أدهشت شاعرها الكبير عبد العزيز المقالح، فأخرج صورها في لوحة فنية خالدة هي: «كتاب صنعاء»، صنعاء ذاتها التي أصبحت اليوم معرضا مفتوحا للنار والدخان.

 

ترى هل يعرف أهل اليمن القيمة الجمالية لليمن في الذاكرة العربية والعالمية؟ هل يدركون قيمة المخزون الثقافي لهذه الأرض التي لا يتوقفون عن تشويهها وملء لوحتها بكثير من الرماد وكثير من اللهب والغبار؟ عندما حلق أندريه مالرو، الأديب والسياسي الفرنسي الشهير، فوق سماء مأرب عام 1934، بحثا عن «مملكة سبأ المفقودة»، لم يتمالك نفسه بعد أن رأى بقايا المملكة العظيمة، ونسي أن طائرته تهوي إلى الأرض بعد أن نفد الوقود، ولم يكترث لموته المحقق، وكاد ينسى نفسه في غمرة فرحته وهو يكتب بعد ذلك: «اكتشفنا مدينة سبأ الأسطورية. عشرون برجا وهيكلا لا تزال قائمة. على الحافة الشمالية للربع الخالي». آهٍ أيها العزيز مالرو، لو ترى اليوم البلاد التي عشقتها كيف حالت بها السياسات! لو ترى مشاهد الصور المتدفقة من «مدينة سبأ» لتمنيت أن تصير أنت حطاما مع طائرتك التي دفنتها رمال الصحراء. محنة اليمن الذي أحببته أيها العزيز أنه «أرض جميلة، والقائمون عليها ليس لديهم ذائقة جمالية». فهل عرفت حجم المأساة؟!
 

الشرق الأوسط

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- الإنسان موقف

جريح الوطن

يا محمد جميح ساويت بين الضحية والجلاد .. إني أقدر شعرك وثقافتك ولكن ما يؤلمني بأن يصفوك بأنك من كبار المطبلين للنظام وأحد المزمرين القابضين فإذا ما دافع عنك أحد كشاعر ومثقف قيل عودوا لمقابلاته ومناظراته في المستقلة وقنوات أخرى وستزنون مقدار ثقافته وتزلفه .. أخي محمد إنك مثقف وتثقيقف الثقافة وتهذيبها تتم بالمواقف وما أجمل الموقف وأروعه حين يكون مع الشعب الذي أنت جزء منه وليس مع جلاديه .. أجعل لك موقف مع الشعب بدلا من تتويه موقفك مع أساطير التاريخ ورحلة أندريه مورو وبين وتشوهات وجه شاعرنا الكبير البردوني .. فقد ضاع موقفك مما أوصل البلاد إلى هذه الوضعية وصورها المشوهة التي حاولت استعراضها بهلامية التصوير واستدعاء التاريخ دون أن تضع النقاط فوق الحروف .. راجع نفسك فأنت أحد المثقفين اليمنيين وتقع عليك مسؤولية كبرى وخاصة في هذه اللحظة التاريخية الفارقة في حيات شعبنا .. فالتاريخ اليوم يسطر فساهم في سطوره بمواقف شجاعة لشاعر وكاتب .. دع أبناء قومي يقولون عنك مثقف صاحب موقف لا أن يشحوا بوجوههم عنك حين يروك على بعض الفضائيات ليقولوا دعوه أنه متزلف وقابض .. معذرة لقسوتي ولكن أشفق على مثقف مثلك

2- إلى جريح الوطن

منصف

يا جريح الوطن بطل مزايدات كل لقاءات الدكتور منذ اندلاع الثورة وهي مع الثورة وكل كتاباته مع الثورة ولكنك لا تريد يا حبوب ان تقرأ إلا ما يمشي مع هواك أخشى أن يكون في نفس حوثي لأن ما يعادي الدكتور إلا حوثي إيراني بعدما عراهم وكشف حقيقتهم

3- كلام جميل عن وطن عليل

ابوالنوادر

نحن لا نجهل تاريخنا ولا نتجاهل حضارتنا ولا نتعامى عن مخزونها الثراثي الذي يخرج من مقابرالأموات ويهاجر متسللا بطريقة غير شرعية كما يتسلل الأحياء أيضا لتخطي الحدود تحدثت عن صورة جميلة للأموات بصورة قبيحة للأحياء ورميت الصورة المكثفة والمشحونة بالقبح على أصحاب تلك الصورة الجميلة التي شهق لها عزيزك أندريه دون أن ينتبه فقد كان في حالة شده آسر لبريق المملكة بينما أكثر من عشرون أندريه اليوم يشيدون بالصورة الحضارية الناصعةللشعب اليمني التي بزغت كالفجر من ساحات الحرية والتغيير وكان لك أن تضع ذلك التكثيف الموغل بالثقافة لخدمة ذلك الذي لا يستحق التجاهلعلى الأقل فصاحب "كتاب صنعاء" قال شيئا عنه

4- كلام فضفاض

الغيور

مع تقديري الكبير لك يادكتور الاولى ان تصدعع بالحق وتلوم المسبب والمخرام ومن اوصل الناس والبلد الى هذه الحاله الشعب خرج وانتفض بعد صبر مرير على القهر والظلم وهو يرى ثراواته تنهب من عصابة لصوص وأبنأئه مشردون في اقطار الارض بحثاُ عن لقمة العيش من بعد أن رأى ابناء يجوبون دول الخليج لتسول وبيع الشرف من اطفال ونساء وبيع الكرامه والعزه والقبيله في دول الخليج ونفطنا وغازنا يتبخر وتعليمنا وصحتنا تنهار وأمننا ونياباتنا ومحكمنا تتعيش وتستثمر قضاياه كم نعدد من مصائب وطوام تبرر خروج الشعب للمطالبه بحقوقه وبالتتغيير فكيف تجعل من يطالب بالحق ومن ضيع الحق في خانه واحده

5- رد على المنصف معلق رقم 2

جريح الوطن

أخي العزيز الحركة الحوثية والحراك الجنوبي القضيتان اللتان تجهبذ فيهما الكاتب على قناة المستقلة وغيرها ما هما إلا نتاج لفعل ذلك النظام الذي أحرق الحرث والنسل .. لو أن هناك دولة بمعنى الكلمة لما ظهرت الحركة الحوثية ولا الحراك الجنوبي الذي جعل الظلم والقهر والتهميش بعض أبناء يطالب بفصل الجنوب عن الشمال ، وعند قيام الثورة رأى الناس بشاعة هذا النظام واعترفوا بأن الحركات التمردية سواء في شمال الشمال أو جنوب الجنوب ما هي إلا صرخات للتخلص من ظلم ذلك النظام وأن الحراك الجنوبي هو عبارة عن إرهاصات الثورة على النظام قبل قيام الثورة الشبابية بأعوام وفعلا مفكري وسياسي الثورة اعترفوا بالقضية الجنوبية التي قاومها الدكتور الجميح بكل قوة وصلافة دون أن ينصف ابناء الجنوب بكلمة حق ، كما أن الثورة اعترفت بما حاق بصعدة فسكان تلك المنطقة الذين يتبعون المذهب الزيدي هم زيديو المذهب الذي تعايش مع السنة سنوات طويلة وكما يقال بأن الزيدية هي أقرب المذاهب إلى السنة ، والحركة الحوثية ستتلاشى بقيام دولة عادلة ، بينما دكتورنا شن حملات شعواء على نتائج الأمور دون أن يمس المسبب ولو بكلمة ، بل توافق وتعاضد في طرحه مع علماء

6- إلى جريح إيران

منصف

يا جريح إيران لا تتعمق في التحليل يا حبوب أشم فيك رائحة الثعالب الإيرانية، انتوا دائماً تتخبوا وراء أسماء من مثل اليماني وجريح الوطن وغيرها. اطلع باسمك يا حبيبي وما عليك. الدكتور كان له شرف الذود عن عروبة اليمن ضد اتباع إيران، واما الآن فكل ما يكتب وكل مقابلاته هي مع الثورة، بس حقد الحوثيين عليه معروف السبب وهذا شرف له يا جريح شيراز. لا تنسى تسلم على عبده الحوثي يا حبوب شهر كريم

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء