468x 60

خواطر مسافر في قطار الثورة

تتكون القضايا المعقدة عادة من مجموعة متشابكة من البدهيات و الأفكار البسيطة، و يساهم الزمان أو المكان و أهلهما في تعقيدها إما بسوء التفسير أو سوء التطبيق، و يبدأ التعامل الصحيح معها من تفكيكها أولاً ثم النظر إليها من حيث المبدأ و الأصل حتى تتكون الصورة الموضوعية ثم يتم النظر فيما هو واقع و مقارنته بالأصل الذي يجب أن يكون، و عندما نستخدم هذه الطريقة في فَهم المشهد السياسي في بلادنا نجد أننا أمام ثورة من القضايا و ليس أمام حدث الثورة فحسب.


كثيراً ما نطلب من المختلفين مع هذه الثورة أن ينظروا إليها كقضية أكثر منها حدثاً، و أن ينظروا بموضوعية إلى أسبابها من القضايا لا الحوادث، و يصر أولئك على الهروب من القضايا التي أشعلت الثورة إلى اعتبار الثورة حادثاً عابراً، أو مجرد تقليد لما حدث في تونس و مصر و ربما ليبيا، و من أولئك من ينظر إليها كحادثة معقدة أو أنها بفعل فاعل له أطماع سياسية أو ثأر شخصي، و كأن ما سوى هذا من أسباب لا يستحق الثورة، و عندما تطلب من هؤلاء الطيبين أن يتخيلوا زوال الثورة أو عدم قيامها من الأصل: كيف ستسير الأمور .. أو كيف كانت ستسير؟، و هناك معطيات و تجربة تفيد بأن القادم أكثر قتامة، حتى أن بعض المتعاطفين مع الرئيس و نظام حكمه يترددون في الإجابة عن البديل في حال لم تقم الثورة أو فشلت، بل إن تعامل السلطة مع الثورة أثبت بأن الأخيرة تأخرت عن موعدها سنوات، بعد أن استفحل داء الفساد و انتشر سرطان المحسوبية في كل مفاصل الدولة و تحولت معاني الولاء الوطني و انحرفت بوصلة الدولة الوطنية، شجع ذلك غفلة الناس أو تغافلهم عن هذه التطورات الخطيرة بدعوى أن السياسة رجسٌ من عمل الشيطان، حتى و قع الفأس في الرأس، و شعر الناس اليوم بأنهم مرغمون على الاهتمام بتقويم مسار الدولة، بعد أن كان ذلك نوعاً من الترف السياسي و النزهة الديمقراطية في مراكز الاقتراع، و بدا أن البلاد بحاجة إلى عملية جراحية معقدة برغم بساطة أسبابها و بدهية مشروعيتها!.


كان بعض المختلفين مع الثورة ممن يراها حدثاً يتربص انتهاءه و يعود الحال –السيء- كما كان، لكن ما حدث خلاف ذلك، تأكيداً لما أشرنا إليه من كون الثورة قضية لا حدثاً، و القضايا لا تموت، و لا يخنقها الوقت كما كانت تعتقد ثعالب السلطة، و لا تثنيها القوة و القتل كما كانت تعتقد ذئاب السلطة، ولا يمحوها التضليل و الكذب!


لقد أصبح من سمات الثورة السلمية في بلادنا أنها متجددة برغم ما مر بها من الوقت و الفرص، و هذا ما كنت أفكر به و أنا أستمع لكلمة القاضي حمود الهتار و من بعدها كلمة الدكتور وسيم القرشي في إحدى الفعاليات العيدية اليمنية التي احتضنتها العاصمة المصرية، و كان الجمهور متفاعلاً بحماس تردد القاعة صداه.


و عندما قابلت عدداً من السياسيين و الثوار في أول عيد لمصر الثورة حمدتُ الله في سري أن صفة ثالثة أضيفت لليمنيين في مصر و هي الثورة، بعد العلاج و الدراسة، و هناك من جمع الأولى و الثانية كما في حالة السياسي الاشتراكي علي الصراري –شفاه الله- فضلاً عن بعض مصابي الثورة ممن يتلقون العلاج و كلهم شوق للعودة إلى الساحات، أما من جمع بين الثورة و الدراسة فأكثر من أن أحصيهم عدداً، و الحق أن اليمني لا ينفك –و لا يجب أن ينفك- عن هموم شعبه و قضايا وطنه، أسوة بمن سبقه من الثوار الأوائل في منتصف القرن الماضي، ممن كانت غربتهم منطلق ثورتهم ونضالهم المشروع ضد الاستبداد و الاستعمار، و لا أريد أن أكرر ما كتبته في مقالة سابقة عن "المغترب الثائر"، يقيناً بأن القاريء الكريم بالإشارة يفهمُ.


تنويه:
سنحاول بإذن الله تعالى في مقالة قادمة التفاعل مع الصدى الذي أحدثته المقالة السابقة عن "السلفيين"، حيث لا يسمح الوقت و الظرف بذلك الآن، مع خالص التقدير لكل المختلفين و المتفقين و المحايدين.
 

المصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- رائع

ابو عمار

ليس لي تعليق اخي الكريم فانا من (المتفقين) مع ما تطرح ولكن فقط اردت ان امر هنا في موضوعك للشكر على كلامك الرائع

2- الثورة متجددة

محمد

نعم الثورة متجددة وجاءت لتقلع سلطة الفساد من الجذور . مقالك عن السلفيين اعجبني جدا احييك ...........استاذ مراد

3- سيجمعنا مع مصر اسقاط النظام

اسد الصحراء

شكرا لك يا بن اسماعيل في شي رابع سيجمع بين اليمن ومصر بإذن الله العلاج الدراسة الثورة اسقاط النظام

4- هذا هو الاامل في الثورات

علي صالح

لامل في الله اولا ثم في شباب الثورات الشباب المتفتح المتجدد في افكاره المبدع في في تصرفاته ولذلك حتى لو اتى من لا خير فيه وانضم الى هذه الثورات المباركه فلا مكان له الا ان يظل متخفيا في جحرا كاظب لكن انتهى وقت الكتابه على الماء وجاء وقت الكتابه على الصخر والنقش على الجدران الصلبه من شباب مثقف متعلم منتج نسئل الله ان يبارك فيه وفي جهوده وشكرا لك اخي على الموضوع الجيد موضوع الساعه

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء