يرفض السلطة يقيم في القصر

 كان صدام حسين معلماً في فن رفض السلطة؛ فخُلع منها كضرس مسوس، أما زين العابدين بن علي فظل متخفياً خلف متارس أمنية منيعة؛ ما لبثت ان بدت نهاية الأمر مهجورة، وحوصر حسني مبارك 18 يوماً من نهاية حكمه أمام العالم؛ منشغلاً في الاستغراق في نحت بدائل لفظية لم تغنه ولم تحرر نظامه في المحصلة الأخيرة من قبضة الشباب الذين اتخذوا قرار الثورة متحملاً النتائج. قذافي ليبيا، هو الآخر، لم يعد ما يمكن أن نقدمه هنا عن بشاعته أكثر مما شرحته الفضائيات الأرضية والسماوية، وكيف آلت به المصائر المحتومة. ولن نستثني أسد سوريا الذي يجري استئصال مخالبه تدريجياً.


اللحظة العربية الراهنة تنسحب على واقعنا اليمني أيضاً، ليس لأننا نعيش نشوة الربيع العربي فقط، ولكن لأن نظام علي عبد الله صالح دائم الرفض ويعج بالرافضين من الأولاد والأقارب والمقربين. وببساطة لأنه لم يستطع ان يلتقط لحظة التفاعل مع توجهات الأحزاب السياسية في اللقاء المشترك على سجيتها منذ بداية الحوار2007، ويعتمدها أو يناور بها- مثلاً- بشكل جدي لتضييق الخناق على القوى المتربصة المنفلتة الفاسدة والعابثة ربما داخل الأسرة الحاكمة قبل غيرها، أو في مفاصل حزبه السمين؛المتخم من ثروة الوطن، المتلاعب بالبلاد وبأرواح وحقوق المواطنين والمجتمع بأسره، والعمل على تصفية بؤرها، محاولاً إرساء أساس مكين لإعادة تشكيل العملية السياسية الديمقراطية، لا كتجميع لقوى متنافرة التوجهات والإرادات، وإنما كإطار للتفاعل والتضامن والعمل الموحد على أساس برنامج ديمقراطي اقتصادي سياسي، يستوعب التناقضات المحيطة، ويجسد الطموح المشترك ببناء يمن واحد سعيد، يقبل بالتنوع في إطار اليمن الواحد والتفاعل الجاد، حتى بما تلا حرب صيف 94 وتبعاتها.


وفي الحقيقة الماثلة الآن تلك محطات تبخّرت، لأن السقوط صار ماثلاً، والرجل يرفض السلطة منذ زمن إلي اللحظة، ويتحدث عن النزوة والشبق. كما يحاول جاهداً- ويفشل- تخصيص الثورة تارةً بإلحاقها بأولاد الأحمر وأنصارهم، وأخرى بمن يصفهم بالمنشقين عن مؤسسة الجيش على رأسهم اللواء محسن. فيما يتناسى هو أن كل هذه الساحات تحفظ تماماً من دشن الثورة ومن التحق بها ومن يساند، ولا أحد يتجاهل أنها لم ولن تكون ثورة على المقاس، تحضن من تحب وتلفظ من تكره؛ هي في الأصل ثورة الشعب اليمني بمختلف الأطياف وفي مقدمتهم الشباب الحر الذي قرر الخروج متخلياً عن أجمل سنينه، واستشهد في عز ربيع العمر من أجل حياة كريمة؛ من اجل اليمن الذي جعله هذا النظام فريسة لنزواته الشخصية الضيقة. صال وجال ونسف اغلب الفرص المتاحة للنهضة الممكنة. مثل هذا الحديث الآن لا يمكن بدون تحقيقه وضع حد للحالة الراهنة التي تنهك قوى البلاد ومواطنيها وتبدد الطاقات. يستلزم الإبقاء على مستوى الدفع الايجابي للعملية السياسية وقواها، اليوم قبل الغد، يجب نقلها إلى حياة الناس، والارتقاء بها الى مستوى تطلعاتهم التي باتت منذ سنوات أسيرة أبسط متطلبات الحياة الطبيعية، من مياه شرب وكهرباء ولقمة العيش الكريم، والأمل باستعادة الثقة بالقيم الوطنية الخلاقة التي عصفت بها شهية الأسرة وجاهليات المقربين من يحاولون جر البلاد إلى العنف.


إن جذب ما تبقى من الأوساط الشعبية والشبابية الى المشاركة النشطة في عمليات التغيير والبناء والتصدي للمفاسد والتحديات التي يحاول هذا النظام كبحها؛ خير من استخدامهم في القنص والتقتيل والنهب. قصف المنازل وتشريد الساكنين، بقصد إغراق البلاد في دوامة المواجهات المسلحة لا يمكن له ان يبعث على الترحم على هذا النظام ومخلفاته الإجرامية. صحيح أننا نحتاج قبل كل شيء الى شطب نظام المفاسد بالرحيل الفوري للرئيس والشلة والحزب عن السلطة وعن القصر، ومن ثم انتقال السلطة إلى نائبه ليتسنى لكل القوى السياسية وفي مقدمتها الساحات المحافظة على ما تبقى من شكل الدولة، والانتقال من الشعارات والدعاوى الشعبوية الضيقة الى التطبيق العملي الواسع.


لكن إذا ما قرأنا الصورة الواضحة بإطارها الصريح لن يعود هذا النظام إلي حكم هذا الشعب الثائر، كما لن ينجح في خلق عدوه الذي سيحاربه؛ لا في الساحات ولا خارجها. الجميع بات مدركاً وفق ماذا يعمل و ما هي الأدوات المستخدمة لكل يوم جديد في عمر هذه الثورة السلمية الناضجة. وبات الجميع في المرمى المباشر للعالم: القناص والضحية. في الإطار لم يعد ممكناً استمرار الأوضاع المأساوية لجمهرة واسعة من أبناء الشعب على ما هي عليه، من دون ان يصيبها اليأس واللامبالاة من تلذذ النظام بالعقاب الجماعي الشاق، وذلك بشكل أساسي ما يشعر به الناس على مختلف مستوياتهم. فالشباب داخل الساحات يشبعون جوعاً وعوزاً وانسلاخاً عن منازلهم وأسرهم وهم يفترشون ما يشبه العراء أحياناً ويتابعون الأناشيد التي يتغنون بها، منذ تسعة أشهر، رفضوا العودة اللا كريمة الى ديارهم. والمهجرون في الداخل والخارج ينتظرون الفرج أيضاً، وخيبة الأمل تسد عليهم منافذ الخلاص، وهم يزدادون ضيقاً وتبرماً من الشبهات وضعف الولاء الذي رجمهم به هذا النظام المتعنت غير مرة. ويجري التعامل معهم على أساسها، فمثل هذا المفهوم كان السبب في انهيار شبه الإجماع الوطني الذي كان مفترضاً تحقيقه منذ جمعة الكرامة بعد سقوط النظام الإجرامي بفعلته القاتلة، والانطلاق منه في الحراك العام لتعبئة الرأي العام في البلاد والانحياز الى اليمن الجديد.


من العيب علينا ان لا نأخذ بالاعتبار حالات السقوط الاجتماعي والتشتت السياسي الذي يراد له أن يسم أهلنا في كل شبر من هذه الأرض بغية التركيع ليس إلا.


إن المهدور في «صفقة فساد» وزاري واحدة قد ينتشل آلاف اليمنيين التواقين للعودة الى حياتهم من وطأة المحنة التي يرزحون تحت ثقلها، كان في الأول والأخير سببها هذا النظام، فلماذا تقابل الدعوات في المنازل والساحات، في الداخل والخارج، في كل هذا اليمن للأخذ بأيديهم الى صيحة في القفار. إن بإمكان اللحظة الراهنة ان تصبح قوة دفع نموذجية لإخراج دعوات «التوقيع على المبادرة» من مجرد عقد اللقاءات والمؤتمرات والتمنيات من القوى الخارجية قبل الداخلية، الى استنهاض جماهيري يحسم خيارات الثورة الشبابية السلمية بما ينبغي ان تكون عليه، لا بما يراد لها ان تبقى ثعابين الفللا الفارهة من نزعات ضيق أفق مناطقي قذر، ومخططات كريهة تفكك ما تبقى من وشائج المجتمع، وتدمر قيم المواطنة الحرة.
 

المصدر أونلايـن

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- رافضي بن رافضي

العزي

والله ما عاد تفرق مع هذا الرافض للرفض نفسه اذهبوايا احرار اليمن واقتلعوا هذا الطاغيه من بدروم معسكر السواد كم تستمر هذه الثورة سلميه

2- اقلام ابداعية

عبد الإله حمود

اقلام ابداعية تسلم اخي

3- القاتل مرفوض

شميري مهاجر

هذا القاتل مرفوض والله ماعاد تحكم اليمن ياعلي طالح لو تشرق الشمس من مغربها وانت حافظ على ارصدتك او حافظ على ماتبقى من ماء وجهك لو تبقى اصلا ماءياعفاش عادك للآن تفكر انك تتنازل على الحكم او لا تتنازل بعدكل هذاالدم والعنف بس صبرك قربت ايامك

4- النجوم اقرب

بشير الخير

عا يرحلو كلهم واولهم جهال الشيخ والمفاسد علي محسن اما الرئيس القائد اب اليمن وهذا بلده النجوم اقرب لكم يا ارهابيين

5- على مهلك

صابر عبد الحكيم

سيزول هذا الغم خلوه على مهله ايش بايفعل بيقتل الشعب كله الدعاء الدعاء اشهر حرم وهو يقتل ويحرق البلاد

6- علي عفاش لديه ناسه في الإصلاح

ابو إسماعيل

عا يرحلو كلهم واولهم جهال الشيخ معظم قيادات الصف الاول وقليل من قيادات الصف الثاني من حزب الاصلاح تعتبر من القيادات الفاشله والناهبه لخيرات الجنوب . وإذا كان هذا الحزب (...) يريد والشباب المخلص المنتمي إليه ان يحكمو اليمن ويلقون و يجدون قبول لدى الشعب فعليهم فورا إبعاد كل قياداته المعفنه والتي لاتستحي في إستخدام الدين الطاهر لاغراض شخصيه أنانيه.. اهم صفات معظم قيادات الصف الاول وقليل من قيادات الصف الثاني من حزب الاصلاح يشكل عام ومختصر كالتالي 1 اللف والدوران مثل علي عبدالله صالح واعوانه 2 الانانيه وحب الذات الزايد عن حده 3 لايمتلكون اي برنامج عملي هادف يودي الى بناء الوطن والمواطنيين 4 يقولون للناس شيء ويبيتون لهم امر آخر 5 الوجه الاخر للعصابه الحاكمه 6 غير مخلصين للوطن وليست لديهم الإستعداد للتضحيه من اجل الوطن والشعب. 7 يطعنون في الظهر. والدليل على ذلك قتلهم وتصفيتهم لي 150 كادر جنوبي بعد الوحده بفتره بسيطه (حادث سياره , شجار ومشاده كلاميه مع مواطن.... والخ) وما خفي كان أعظم

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء