أرحب ونهم وبني جرموز ..حكاية الدم والدمار والنزوح

منذ وقت مبكر أدرك صالح ونظامه الأهمية الاستراتيجية والعسكرية لمديريات أرحب ونهم وبني الحارث كونها من مناطق الطوق التي تعتبر بمثابة السياج الواقي للعاصمة من الناحية الشمالية والشرقية، وانطلاقاً من هذه الأهمية بادر النظام إلى تحصين نفسه من خلال استحداث مواقع عسكرية وحرص على أن تتمركز فيها قوات الحرس الجمهوري التي يقودها نجله أحمد.


ومؤخراً رفد هذه المواقع بوحدات وألوية من قوات المشاة جبلي التي أنشئت مؤخراً وعهد بقيادتها إلى نجله الصغير خالد، وهذه المواقع هي موقع الصمع ويتمركز فيه اللواء 83 حرس واللواء الثالث مشاه جبلي وأحد ألوية الدفاع الجوي، وموقع الفريجة ويتمركز فيه اللواء 62، وموقع بيت دهرة ويتمركز فيه اللواء 63، فضلاً عن مواقع أخرى في نهم هي موقع الفرضة ونقيل ابن غيلان والتي سقطت قبل أكثر من 6 أشهر في أيدي قبائل نهم الموالية للثورة.


ولأن المهمة الأساسية لهذه المواقع هي مساندة نظام صالح في حال تعرضه لأي خطر من خلال قربها من العاصمة وإشرافها عليها وقدرتها على التدخل السريع لحماية معقل الرئيس صالح، فقد تصدرت هذه المواقع منذ تصاعد موجة الاحتجاجات في البلاد لمهمة تضييق الخناق على قبائل أرحب ونهم المؤيدين للثورة وتعمدت إعاقة حركتهم بين مناطقهم والعاصمة صنعاء حتى لا يتمكنوا من المشاركة في الاحتجاجات.

 

 واستحدثت القوات الموالية لصالح نقاط تفتيش عسكرية في الطرق التي تربط أرحب ونهم بالعاصمة، وأهم تلك النقاط هي ما بات يعرف بنقطة الموت التي أقامها اللواء 62 على مقربة من معسكر الفريجة، حيث أقدم أفراد هذه النقطة على قتل الشاب حازم المراني في 30 مارس أثناء عبوره النقطة.


وقبل هذا كانت قبائل أرحب قررت الاعتصام سلمياً أمام بوابة معسكر الفريجة حيث يتمركز اللواء 62، بعد تسرب المعلومات عن أن قوة كبيرة من هذا اللواء تستعد للتحرك نحو العاصمة لإنقاذ نظام صالح من تداعيات الثورة الشعبية السلمية وإجهاضها، وخاصةً بعد انشقاق الفرقة الأولى مع عدة ألوية أخرى وإعلانها تأييد الثورة السلمية وحمايتها، حينها كانت حاجة النظام إلى قواته في الصمع والفريجة قد أضحت ملحة، ولأن قبائل أرحب كانت في طليعة المؤيدين للثورة فقد أسسوا ساحة اعتصام أمام معسكر الفريجة استقر فيها أكثر من 1000 شخص في أكثر من 30 مخيماً، ونجح أبناء أرحب فعلاً في عرقلة تحرك أفراد وآليات اللواء، واستمر أبناء أرحب في اعتصامهم السلمي، مع حرصهم كما يقول النائب منصور الحنق شيخ قبائل أرحب على فتح قنوات حوار وتفاوض مع قادة تلك الألوية لغرض تخفيف الاحتقان ، كما طلب مشائخ ووجهاء أرحب ضرورة رفع تلك النقاط وأن تلتزم تلك القوات بالبقاء في مواقعها وألا تتحرك في أي اتجاه، إلى أن قام عناصر الحرس في نقطة الموت هذه بقتل نقيب معلمي أرحب وأحد وجهاء عزلة شعب الشيخ عبد الحميد شبرين، الذي اغتيل أثناء محاولته والمئات من أبناء أرحب الدخول إلى العاصمة لمشاركة الثوار الاحتفال بعيد الوحدة الواحد والعشرين أي في 22مايو، إلا أن الجنود رفضوا السماح لهم ونتج عن ذلك استشهاده.


 بعد ذلك قررت قبائل أرحب الاحتشاد ليكون لهم رأي وتصرف تجاه استفزازات نقطة الموت هذه، فكان أن اجتمع الآلاف من أبناء شعب وبقية عزل أرحب في سوق جامعة أرحب واتفقوا على أن يرفعوا هذه النقطة بكل الوسائل، وأثناء عودتهم إلى منازلهم وخاصةً أهالي قرى شعب، فوجئوا بإطلاق نيران الرشاشات الثقيلة والخفيفة وكذا قذائف الآر بي جي على موكبهم وباتجاه مخيمات الاعتصام، ونتج عن ذلك سقوط 8 شهداء وجرح العشرات وتدمير 8 سيارات بالكامل، بالإضافة إلى إحراق كامل المخيم ونهب محتوياته من قبل جنود الحرس في الفريجة، عقب ذلك تطور الأمر عندما بدأت ألوية الحرس في فريجة والصمع تقصف قرى شعب وهي «البلد والروضة والقصبة وبيت العذري الأعلى وبيت العذري الأسفل والأودية وقرى أخرى " وأحدثوا فيها دماراً واسعاً.


وبعد مجزرة نقطة الموت وجدت قبائل أرحب نفسها أمام مواجهة غير متكافئة مع قوات نظامية عالية التجهيز قدر البعض أنها تشكل ما نسبته40% من إجمالي حجم قوات الحرس الجمهوري، حينها يقول أبناء أرحب أنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على خوض مواجهة بالرغم أنها غير متكافئة لكنها خيار إجباري دفاعا عن أنفسهم.


وفعلاً بدأت المواجهة بين قبائل أرحب وقوات الحرس في الصمع والفريجة وبيت دهرة تزداد شراسة لتدخل في خطها مواقع عسكرية أخرى هي مواقع الجميمة وخُشم البكرة والتي ساندت قوات صالح من خلال القصف الصاروخي، بالإضافة إلى تدخل الطيران من وقت لآخر لقصف مواقع القبائل الموالية للثورة وخاصة في قرى شعب وشراع وزندان وبيت الحنق وبني جرموز ويحيص والمنطقة الواقعة شرق الصمع حيث تتمركز مجاميع من مسلحي القبائل، وخلال هذه المواجهات حاول أبناء أرحب أكثر من مرة اقتحام موقع الصمع كان أبرزها المعركة التي حصلت مساء الخميس الموافق 28 يوليو الماضي، ونتج عنها سقوط أكثر من 25 قتيلاً من أبناء أرحب وعشرات الجرحى، وفي هذه العملية نجح عشرات المسلحين من أبناء أرحب في اقتحام معسكر الصمع الأكثر تحصيناً، وفعلا كانوا على وشك أن يفقدوا قيادة اللواء الثالث مشاة جبلي واللواء 83 حرس جمهوري القدرة على التصرف، وعلى وقع المفاجأة سلم العشرات من ضباط وأفراد المشاة جبلي أنفسهم لمسلحي أرحب، إلا أن تدخل الطيران الحربي غير مسار المعركة وجعل رجال القبائل ينسحبون من الموقع، وفي هذه العملية سقط عشرات الجنود ما بين قتيل وجريح.


بعد هذه العملية كانت وتيرة الهجمات قد ارتفعت إلى مستوى يصفه أبناء أرحب بالهستيري، حيث استخدمت قوات صالح مختلف أنواع الأسلحة في ضرب قرى ومناطق أرحب ابتداءاً بقذائف عربات الـبي تي والبي إم والرشاشات الثقيلة، ومروراً بالمدفعية والدبابات، وانتهاءً بصواريخ الكاتيوشا ومؤخراً دخلت صواريخ الغراد فضلاً عن قصف الطيران الحربي الذي نفذ عشرات الغارات منذ بدء الحرب على أرحب.


من جانبهم سعى أبناء أرحب إلى تضييق الخناق على قوات الحرس في الصمع والفريجة وفعلاً تمكنوا من السيطرة على مواقع حساسة مكنتهم من ضرب الألوية المتمركزة في هذه المواقع في مقتل، ومن أهم المواقع التي يسيطر عليها أبناء أرحب هي موقع المروزة المشرف على معسكر الفريجة وموقع تبة واصل على مقربة من الصمع، من جانبها حاولت قوات الحرس طيلة الأشهر الماضية استعادة هذين الموقعين من أيدي أبناء أرحب إلا أنها كل مرة كانت تتراجع بعد أن يُكبدها رجال القبائل خسائر في الأرواح والعتاد.


 منتصف رمضان المنصرم كان أبناء أرحب على موعد مع مجزرة جديدة حينما قامت قوة مكونة من 10 مصفحات عسكرية تابعة للواء 62 حرس بمحاولة اقتحام لموقع المروزة، وفعلاً حينها استولت عليه، بعد سقوط 9 قتلى وأكثر من 14 جريح من أبناء أرحب، إلا أن القبائل استعادت السيطرة عليه مؤخراً.


المهم أنه منذ أواخر مايو الماضي كانت ولا تزال قرى أرحب وخاصةً ألبوة وسلمان والأودية وبيت العذري وسمنة وبيت الحنق ويحيص وزندان وشراع وهِزم كانت جميعها بسكانها ومنازلها ومزارعها وآبارها هدفا لنيران قوات الحرس والتي لم تستثن الأطفال والنساء والشيوخ ما حدث في محطة الوقود بالقرب من قرية الدرب يوم 29/أكتوبر، عندما سقطت قذيفة مدفعية أطلقت من معسكر الفريجة باتجاه المحطة مما أدى إلى استشهاد 3 أطفال وجرح 10 آخرين.


وخلال الشهر الماضي وبالتحديد من تاريخ 22/10 حتى 14/11/2011م سقط 20 شهيداً من أبناء أرحب فقط بينهم 3 أطفال وامرأة مسنّة، بينما بلغ عدد الجرحى 71 بينهم 8 أطفال و3 نساء.

كما دمرت قوات الحرس خلال هذه الفترة 31 منزلاً، ومسجدين، فضلاً عن تدمير 12 محلاً تجارياً في 9 منها نتيجة القصف المباشر و3 حريق.
كما قصفت قوات الحرس مبنى كلية التربية بجامعة أرحب، وكذلك قصفت محطة وقود بقرية الدرب مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال.


واستهدف القصف أيضاً 2 آبار ارتوازية و17 سيارة وناقلة مما أدى إلى تدمير بعضها كلياًَ، بينما ارتفع عدد الأسر النازحة إلى حد الآن إلى 1750 أسرة.


وبهذه الإحصائية يرتفع عدد الشهداء الذين سقطوا في أرحب وحدها منذ اندلاع المواجهات مع الحرس إلى 142 شهيداً و383 جريحاً، بالإضافة إلى أضرار بالغة أصابت آلاف المنازل وكذا المزارع وغيرها من المصالح الخاصة والعامة.


ويبقى أن نذكر بما حدث مؤخراً عندما هاجم أبناء أرحب أمس الأول الأحد الجزء الشرقي من الصمع، حينها سقط قتلى وجرحى في صفوف قوات الحرس على رأسهم رئيس عمليات اللواء الثالث مشاه العقيد الركن عبد السلام محمد السفياني.

 

نهم شاركت أرحب السبب والنتيجة
في نهم تبدو الصورة مشابهة حد التطابق لما هو عليه الوضع في أرحب حينما قررت قبائل نهم منع قوات الحرس من التحرك باتجاه العاصمة، حيث اعترضت قبائل نهم المساندة للثورة منتصف إبريل الماضي قافلة عسكرية مكونة من أكثر من 70 عربة وناقلة جند كانت في طريقها إلى حضرموت كما ورد حينذاك، لكن اتضح فيما بعد أن وجهتها كانت منطقة فرضة نهم والنقيل كتعزيز للمواقع الموجودة هناك، ونجح أبناء نهم في السيطرة على كامل القوة بعتادها وتم تسريح الجنود، عندها جن جنون قوات صالح وقام الطيران الحربي بقصف قرى نهم وكذا المواقع الموجودة هناك، بعد ذلك نجح أبناء قبائل نهم في السيطرة على 3 مواقع عسكرية تابعة للحرس هي كامل القوات المتواجدة هناك وهي موقع فرضة نهم وموقعين آخرين في نقيل ابن غيلان، وسقط خلال هذه المعركة أكثر من 25 شهيداً وعشرات الجرحى، وبدأت بعد ذلك مرحلة المواجهة مع قوات اللواء 63 حرس الواقع في بمنطقة ثومة في بيت دهرة مديرية بني الحارث على خط التماس مع المواقع التي سيطر عليها الثوار في الفرضة والنقيل، حيث كانت قرى نهم المطلة على موقع بيت دهرة في مرمى استهداف قذائف المدفعية وصواريخ الكاتيوشا التي كانت تُطلق من معسكر بيت دهرة، وهذا ما جعل قبائل نهم الموالية للثورة تسعى باستمرار لاستهداف المعسكر ومحاولة الاستيلاء عليه.


وقد نجحت قبائل نهم الموالية للثورة في اقتحام موقع بيت دهرة أواخر سبتمبر الماضي مخلفةً وراءها عشرات القتلى والجرحى في صفوف الجنود كما قُتل خلال العملية قائد اللواء 63، بالإضافة إلى استيلاء أبناء نهم على معدات وعتاد عسكري من اللواء بعد أن أعطبوا بعض المعدات والآليات الكبيرة قبل أن ينسحبوا منه.


ومنذ بداية الحرب التي تشنها قوات الحرس على قبائل نهم أو بالأصح المواجهات بينها فإن حصيلة الخسائر البشرية قد بلغت حوالي 38 شهيداً وأكثر من 80 جريحاً، كما نزحت جراء هذه الحرب مئات الأسر إلى الكهوف والمناطق المجاورة، بالإضافة إلى تضرر عشرات المنازل وتعرض الأراضي الزراعية للإهمال جراء عمليات الاستهداف المستمرة للمزارعين.


بني جرموز ضحية موقعها
دخلت عزلة بني جرموز وهي إحدى عزل مديرية بني الحارث خط المواجهة بين قوات الحرس المتمركزة في الصمع والفريجة وكذا بيت دهرة وبين قبائل نهم من جهة وقبائل أرحب من جهة أخرى، وقد جعلها موقعها بين الجبهتين مسرحاً دامياً للمعارك، وتكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، حيث سقط من أبناء عزلة بني جرموز وحدها حتى الآن 16 شهيداً وأكثر من40 جريحاً، من بين الشهداء 5 أفراد من أسرة واحدة هي أسرة ناجي دهرة الذي سقطت على منزله قذيفة أودت بحياته مع أربعة آخرين، أما بالنسبة للأسر النازحة فقد بلغ عددها أكثر من 400 أسرة، بينما تعرضت المنازل والمزارع لأضرار جسيمة.


ومنذ بداية المواجهات بين قبائل أرحب ونهم وبين قوات الحرس كانت قرى بني جرموز بمديرية بني الحارث واقعة تحت طائلة القصف من كل اتجاه، سواءً من بيت دهرة أو من الصمع والفريجة، أو من مواقع خشم البكرة والجميمة في بني حشيش، وتعرضت ولا تزال قرى غولة القاضي، وغولة ساعد، وقرية الغربي، وبيت الحسام، والقُصير، والهجرة، والخَبشة وبيت دهرة، والحَرَّه، والنبي أيوب، ومَراع لعمليات قصف مكثفة تزداد شدتها أثناء الليل بل أصبحت قوات الحرس في الصمع والفريجة وبيت دهرة ترى في بني جرموز مكاناً للثأر في كل مرة تتعرض فيها لضربات موجعة من قبل قبائل نهم أو أرحب. وضع بني جرموز يختف قليلاً كونها لم تكن جزءاً من المشكلة بل وضعتها ظروفها الجغرافية موضعاً لا تستطيع فيه الحياد.
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء