بطولة التضامن 2014

أغلى توقيع في تاريخ اليمن

(1)

دخل توقيع الرئيس صالح على المبادرة الخليجية (التاريخ) بوصفه أغلى توقيع في تاريخ اليمن؛ كلف البلاد والعباد قدرا هائلا من الخسائر المادية والمعنوية؛ وقتل وجرح آلاف المواطنين، وأهرق سيلا غزيرا من الدماء الطاهرة؛ بل باعتراف (صالح) نفسه فإن اليمن ستحتاج عقودا عديدة لإصلاح الخراب الذي حدث خلال الشهور العشرة الماضية!

 

واحد من الأسئلة التي ترددت و(صالح) يوقع المبادرة؛ هي: هل كان هذا التأخير والمماطلة والتسويف في التوقيع ضروريا؟ أم أن الرجل كان يمكنه التوقيع منذ الموعد الأول.. أو على الأقل يطلب وضع آلية زمنية لتطبيق المبادرة فورا؛ إن لم ينتبه إلى أهمية ذلك من قبل؟

 

(2)
رفض التوقيع على المبادرة الخليجية خلال الشهور الستة الماضية ثم التوقيع عليها الأسبوع الماضي ولكن بعد تخريب البلاد؛ يؤكد ما هو معروف أن (صالح) هو رجل تكتيكات وليس صاحب رؤية إستراتيجية. ومتابعة لأدائه السياسي في مواجهة الثورة الشعبية ضده تكشف ذلك بوضوح؛ فعلى سبيل المثال كان (صالح) هو الذي طلب تدخل دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية للتوسط بين السلطة والمعارضة.. ثم عندما تقدم مجلس التعاون بالمبادرة الخليجية فوجيء بالنص على تخليه عن السلطة، ثم قبلها بعد تردد قصير وبحماس كبير؛ ظنا منه أن المعارضة لن تستطيع قبولها خوفا من حدوث انشقاقات بين مكوناتها كما بدا حينها، فلما وافقت المعارضة على المبادرة الخليجية؛ وقع النظام في مأزق حرج ظل طوال الشهور السابقة وهو يحاول الخروج منه دون فائدة حتى وجد صالح نفسه في الأخير يجلس على كرسي في قصر بالرياض ليوقع عليها وعلى ما يمكن وصفه بأنه: نهاية غير سعيدة لحكمه بعد أن فشلت كل محاولاته لإفشال الثورة بالعنف والقتل والتآمر عليها من الداخل والخارج!

 

البعد التكتيكي للممارسة السياسية لصالح أخفق في هذه المرة إخفاقا كبيرا وإن كان مغموسا بدماء أبناء شعبه؛ ليس فقط لأن المحددات الإقليمية والدولية تغيرت عما كان الأمر عليه في السابق ووافقت على تنحي صالح استجابة لمطالب الثورة؛ ولكن لأن الخصم في الجانب الآخر كان – أيضا- غير معهود لا في تكويناته، ولا في أساليبه، ولا في خبراته في دقائق التعامل السياسي والنفسي مع الرئيس، وفي قدرته على قراءة أفكار الرئيس وتوقع خطواته وقراراته في مواجهتهم.. فتكوينات المعارضة الرافضة لاستمرار نظام صالح ضمت للمرة الأولى أبرز الأحزاب السياسية وأكثرها خبرة وشعبية وتأثيرا في الشارع اليمني، ومجموعات من أبرز مشائخ اليمن وقبائلهم الموالية لهم، وقطاعات مهمة في الجيش اليمني..

 

والأكثر أهمية هو المجاميع الشبابية الهائلة التي أضافت للمعارضة زخما شبابيا قويا، ومنحت الثورة أفقا واسعا من الآمال، ومخزونا غزيرا من الحيوية والصبر على المكاره والعداء. ومع كل ذلك كانت أهداف الثورة المعلنة عنصرا حاسما في المواجهة لتركيزها على الأسباب الحقيقية للاختلالات التي تعاني منها اليمن دون تورط في الانجرار إلى مربعات سياسية خاطئة، ومطالب غير وطنية تفرق ولا توحد، ويستفيد منها في العادة القابض على السلطة!

 

ولا يعني ذلك أن (الرئيس) لم يكن مدركا لخطورة وعمق هذا التحالف الشعبي العريض الذي اصطف ضد استمرار نظامه، لكنه بحكم تكوينه السياسي والنفسي وقيادته لنظام شمولي الجوهر - وربما بحكم أن استمرار بقائه بعد 33 سنة أمر مضاد للسنن– فشل في تقدير الموقف تقديرا صحيحا، وفضل أو استسهل أن يواجهه بأساليبه التكتيكية البالية، ومعتمدا على مجموعة من أسوأ السياسيين والإعلاميين والعسكريين والمشائخ هم خلاصة سنوات التخريب النفسي والأخلاقي والقيمي الذي تم تنفيذه – على الأقل- خلال السنوات العشر الماضية لتمهيد الطريق أمام مشروع توريث السلطة من الأب إلى الابن، وهو مشروع يستلزم أن تكون أدوات السلطة ورجالها من نوعية أصغر حجما وأقل طموحا، وفي بعض الحالات ذات خصائص مسفة ومتجردة من الحصانة الأخلاقية في ممارسة العمل العام، ومن النوعية التي وصفها الشعر المتنبيء بأنها (وتكبر في عين الصغير صغارها).

 

ولا شك أن أي سلطة سياسية مهما كانت تجربتها في الحكم ينوء كاهلها بمثل هذه المجموعة من السيئين، وخاصة إذا كانت تواجه إصرارا شعبيا لا مثيل له على الصمود والإقدام والتضحية بأغلى ما يملكه الإنسان من تحقيق الأهداف المنشودة في التغيير الشامل الذي يبدأ من أصل الداء.

 

(3)
لكل ما سبق؛ يمكننا القول إن (صالح) لم يحسبها (صح)، ورهن عقله وأذنيه للمجموعة التي أحاطت به، وهي المجموعة التي رأت أن حاضرها، ومستقبلها، والامتيازات التي تتمتع بها من ثروات البلاد (أو المال الحرام وفق التعبير الشهير عن الرئيس) مرتبط ببقاء الرئيس في السلطة ولو على أشلاء.. اليمن واليمنيين! وهي راهنت - كذلك- على طبيعة متأصلة في نفوس الحكام تجعل خروجهم من السلطة إلى الحياة الطبيعية أشبه بل أشد من الخروج من الجنة إلى النار.. حتى يقال إن خليفة عباسي- في طور الضعف السياسي للخلافة العباسية – أجبره أخوه على التنازل عن الخلافة له، ثم رأى أن يستقر في دمشق لكن الخليفة الجديد رفض طلب شقيقه، فعاد الخليفة السابق وطلب السماح له بالذهاب إلى البصرة فرفض طلبه بعلة أن البصرة (وبيئة).. فقال الخليفة السابق: إن ترك الخلافة أوبأ منها!

 

للتذكير فقط؛ توعد الرئيس التونسي المخلوع قبيل هروبه بمحاسبة الذين حجبوا عنه الحقائق، وقد شاع في مصر وليبيا أن الأولاد والأصهار والأعوان هم الذين أشعلوا بتصرفاتهم الرعناء نيران الغضب الشعبي ضد الأنظمة والرؤساء حتى أوردوهم المنفى أو السجن!


الملحوظ الآن أن النظام يريد أن يوهم العالم أنه سعيد بالتوقيع على المبادرة، وأنها نصر مبين حققه الرئيس وإنجاز جديد من إنجازاته التاريخية!


حسنا.. سيحتاج التوقيع إلى إثبات أنه إنجاز تاريخي بالتزام النظام بكل نقاطه، والمهم هو الكف عن قتل المواطنين بواسطة القوات المسلحة والأمنية الموالية للنظام، وتسليط البلاطجة عليهم يقتلونهم كما يقتل الصهاينة الفلسطينيين بدم بارد!


الآن.. لم يعد هناك مبرر لوجود قوات النظام في الشوارع، ولا مبرر لخوضها حروب صليبية ضد مناطق أرحب وتعز ونهم وغيرها، ولا مبرر لاستمرار تجييش البلاطجة، وتحريضهم على التجمع مسلحين في الشوارع، ومهاجمة المعتصمين والمشاركين في المسيرات السلمية!


سلوك أنصار صالح في الجيش والأمن والحزب الحاكم وأجهزة الدولة ومؤسساتها هو الذي سيثبت أن توقيع الرئيس على المبادرة إنجاز تاريخي أم أنه خطوة تكتيكية لمعاودة الانقضاض على الثورة، وتفجير حرب أهلية تبرر نكوص صالح عن المبادرة الخليجية بحجة أن التطورات أثبتت مقولة: مالنا إلا.. علي!

 

* نقلا عن صحيفة الناس
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- مقال رائع

فايز الشمري

مقال رائع جدا .... الاستاذ ناصر يحي من أفضل الكتاب في اليمن

2- ما لنا بعد الله إلا الحسم الثوري

معجب بكتاباتك يا أ. ناصر

أنا من المعجبين بكتابات أ. ناصر الرائعة فهو موفق في تحليلاته ونقده للأحداث. وأضيف فأقول: لو رأيت هذا العفاش ينتحر أمامي لظننت أنها لعبة من ألاعيبه. وهذا ليس إشادة له بذكائه. بل هو بيان لمدى حقيقته الإجرامية وكيف كان يدير البلاد بهذه العقلية الإجرامية التي تدل على أن صاحبها ليس رئيس دولة -ولا يستحق هذا المنصب- بل هو رئيس عصابة نهب وسرقة لثروات اليمن وسعادته ومستقبل أبنائه . ولو كان فيه خير لوظف هذا التكتيك لمصلحة الشعب ولكان زعيما بحق ولدخل التاريخ من أوسع أبوابه ولكان هو وأولاده وعائلته حتما أول المستفيدين من ذلك. لكن الله أعمى بصائره وانساق وراء أطماعه وأحقاده الأسرية القديمة للعبث باليمن ومقدراته بطريقة انتقامية من ماضيه المشرد. ولذلك فقد دخل التاريخ من أوسخ أبوابه. ولذا فأنا أؤكد أن المبادرة ليست هي المخرج لليمن مما هي فيه بل المخرج هو الحسم الثوري مهمى كانت التضحيات. وكم كنت أتمنى أن يكون هناك نص في من يترشح للرئاسة مستقبلا أن يكون من والدين غير منفصلين حتى لا يأتينا رئيس آخر مليء بالأحقاد والعقد فينتقم من الشعب كله كما فعل العفاش المجرم.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء