468x 60

اليمن ليس بحاجة إلى سمكة!!

بغض النظر عن اتفاق أو اختلاف تقييم فرقاء الساحة اليمنية لحكومة الوفاق الوطني؛ إلا إن الجميع يقرون ويستشعرون إن هذه الحكومة شكّلت لحظة فارقة في الزمن السياسي المألوف، والذي تمدّد بقوة دفعه الخاص خلال عقود ثلاثة من حكم الزعيم الأوحد، كما أن هذا التشكيل جاءَ ليتوّج كفاحاً سياسياً مريراً خاضه أحزاب اللقاء المشترك، الممتدين ضمناً وأساساً في ساحات التغيير. كما جاء التشكيل تُرجماناً لنقطة محورية في المبادرة الخليجية، التي بدأت تأخذ مجراها منذ أن وقّع الرئيس صالح عليها في العاصمة السعودية الرياض وبحضور خليجي أوروبي ودولي عزّز الحل السياسي، بل جعله برنامج عمل تنفيذي زمني لا بد منه، ومدخل لشرعنة الشرعية الجديدة المستندة على المبادرة أولاً، والقرارات الأُممية ثانياً، وما يتبع ذلك من تعديلات دستورية، وآليات عمل جديدة، وفق إدارة مغايرة للدولة اليمنية.

 

ذلك ما أقر به الرئيس في اجتماعه الأخير مع قيادات المؤتمر الشعبي العام، وترافق معه إقراره الناجز بالتسليم السلمي للسلطة، مع حديث ضافٍ لنائب الرئيس المُخوّل بصلاحيات الرئيس، لتكتمل بذلك حلقات المشهد السياسي الانتقالي على المستوى النظري، ولينتظر الجميع إصلاحات ما بعد التوافق الحكيم الذي كان لا بد منه.


حكومة الائتلاف الوطني برئاسة المعارضة تنناصف الحقائب الوزارية، ويظهر في المشهد وجوه صالحة، وربما بعض الوجوه الكالحة، لكن السائد في الحكومة أنها لم تعد تُشابه تلك الحكومات التي كانت تخرج في رابعة من ليل أو نهار لتحمل بصمة الرئيس صالح، ومنطقه الخاص في قراءة التوازنات الممتدة من القبيلة المشوّهة، وحتى البنك المركزي المُستباح، وصولاً إلى الجماعات الصغيرة المنتفعة تحت مظلة التعددية والديمقراطية التي تفصّلت على مقاسات السطان وبتقديراته الشخصية المحضة، وبقبول صامت مُهادن من طرف كثرة كاثرة من قيادات وقواعد المؤتمر المغلوبة على أمرها طوعاً وارتهاناً وقبولاً لأسباب لسنا بصددها هنا.


لكن هذا التعميم لا يلغي البتة مأثرة تلك القيادات المؤتمرية التي ترجّلت من سفينة الفوضى والفساد لتسجل مواقف وطنية مشرفة منذ ما قبل الربيع العربي، وبصورة أخص بعد جمعة الكرامة، يوم أن تحوّل العنف المؤسسي ضد الجماهير إلى مناسبة استثنائية لتعمْلق مكانة ومركزية ساحات الحرية والتغيير في عموم المدن اليمنية، لنشهد ملْحمة تاريخية فريدة التجاوز لعموم الساحات العربية، تنظيماً وسلماً، وتماسكاً .. ملْحمة أظهرت حكمة اليمانيين، وقدرتهم على شطب الصورة النمطية الجائرة التي كانت تسم اليمانيين في مختلف أرجاء العالم.


النضال السلمي، ووحدة الهدف، والتماسك، والصبرعلى المكاره، وادارة ساحات التغيير بروحية تجاوزت بمراحل مؤسسسات الدولة المنخورة بالتفلت، وسرقة الأموال العامة؛ كل هذه المحطات شكّلت صورة الساحات وأبعادها الأخلاقية الملْحمية التطهُرية الناجزة.


اليوم تغير المشهد، ومن يراقب عن كثب مُستنداً إلى لغة الإشارة ومنطق الاتصال غير اللفظي الذي بدا واضحاً في الجلسة المؤتمرية الأخيرة، سيكتشف دون أدنى ريب أن المؤتمريين الأكثر رجاحة في العقل، وتجربة في السياسة، لم يعودوا قادرين على التسليم الاختياري بمستقبل يزيد تهميشهم تهميشاً.


وبهذه المناسبة أتذكر النصيحة الحكيمة للشهيد الكبير جار الله عمر قبل حرب 1994 المشؤومة والتي اطلعت عليها في وثيقة سياسية ضافية للراحل الكبير، مطالباً فيها الحزب الاشتراكي اليمني بالرهان على المستقبل، والتخلّي عن تقاسم السلطة، والالتحاق بالمعارضة المعانقة للشارع اليمني وأمانيه وآماله العريضة، استناداً إلى تجربة الحزب ومكانته الكبيرة في الحركة السياسية الوطنية اليمنية ووحدويته، وإنجازاته الاجتماعية الباهرة التي كانت تشكل ملمحاً من ملامح البهاء التاريخي لدولة محدودة الموارد تمكّنت من اجتراح توحيد 21 سلطنة ومشيخة وإمارة يمنية جنوبية، كما تمكّنت من تأمين الغذاء والكساء والدواء لمواطنيها، ونالت مكانة اعتبارية رفيعة في الأوساط العالمية شرقاً وغرباً برغم ارتباطها الإيديولوجي بالمنظومة الاشتراكية العالمية، وكانت عملتها ساطعة الحضور في سلة العملات الصعبة العالمية، ووثائقها الصادرة من أصغر مكتب في أقصى محافظة ومديرية تنال تقدير واعتراف العالم برمته، ولم تكن تتوسّل القروض والمساعدات التي تحولت إلى مسبّة تلاحق اليمنيين منذ ما بعد عام 1994 المشؤوم.


دولة اليمن الديمقراطية التي اعتبرت الوحدة قدس أقداس المشروع الوطني والشعار المركزي لها، حررت المُهمشين من سُبات غفلتهم وجهالتهم، ليصبحوا مواطنين يلتحقون بركب الكرامة الذاتية، والعطاء المثابر، فكان منهم المهندسون والإداريون والإعلاميون، وقضت تلك الدولة العلامة على الفوارق الطبقية الجائرة، فتأنْسن الوجود بالاكتفاء، وغاب التسول والمرضى الحائرون، وأثبت اليمانيون أنهم قادرون على فعل الكثير الكثير متى ما ارتبط الأمر برؤية سياسية لصالح الجماهير، وبغض النظر عن الشعارات والعناوين، فالحكيم الصيني دينغ تسياو بنغ قال : ليس مُهماً ما لون الهرَّة، بل المُهم أن تُجيد اصطياد الفئران.


وبمواجهة ثقافة التسوّل واليد الصُغرى الممدودة دوماً يقول الصيني الحكيم: «لا تعطني سمكة، بل علّمني كيف اصطاد السمكة»، والشاهد أن اليمن ليست بحاجة لا إلى سمكة، ولا إلى من يعلم شعبها كيف يصطاد السمكة.


اليوم يواجه المؤتمر الشعبي سؤالاً مُشابها لذاك الذي واجههه الاشتراكي بُعيد الوحدة، مع فارق جوهري أن الاشتراكي لو كان خرج من السلطة للمعارضة لكان خرج دون المقدمات الوافرة اليوم، والعكس صحيح بالنسبة للمؤتمر الشعبي العام الذي بوسعه التطهر من أرجاس السلطة الفاسدة المفسدة، ليكون عنصراً فاعلاًً في بناء وطن جديد يتخلّى عن السيئات ويُبقى على الحسنات. تماماً كما كنا نحلم ذات لحظة تاريخية عندما تمنّى الجميع التخلّي عن سيئات النظامين السابقين على الوحدة، والإبقاء على حسناتهما، لكن ذلك تحول إلى تعميم قسري لنظام الجمهورية العربية اليمنية، بل زاد عليه بالتخلّي المنهجي عن حسناته السابقة على الوحدة.


وبالمقابل أرى أن على اللقاء المشترك أن يوسع قواعد المشاركة السياسية، وأن يفتح خط حوار لا ينقطع مع جيل الشباب، والجماهير الغفيرة من أبناء الشعب القابضين على جمرة القضية المشروعة، مُطالبين عن حق بالتغيير الملموس، وتحويل الأقوال إلى أفعال، واعتماد مرئيات ثورة التغيير السلمية بوصفها البرنامج السياسي الأشمل الذي يتحلّق حوله الجميع، ويتّسع للجميع.


ليس من خيار أمام شرفاء الوطن وحكماء اليمن سوى تدشين عهد جديد، بملامح ومواصفات مغايرة جذرياً لما شهدته البلاد طوال متاهات الغِنى الفاجر والفقر الأسود، وليس عيباً أن يكون البعض قد انخرط في خطيئة التداعي الحر مع المفاسد، ولكن الخطأ كل الخطأ البقاء في مربع المياه الآسنة الذي آن الأوان لردمه انتصاراً للمستقبل والحكمة اليمانية التي أخرجت البلاد والعباد مما هو أسوأ.


الأيام القادمة حُبلى بالانتصارات المؤكدة، وأمام الجميع فرصة تاريخية لتحويل التراجيديا الماثلة إلى نصرٍ مؤزرٍ ضد الذات قبل الآخر، وضد البؤس قبل الخصم.
 

المصدر أونلايـــن

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- في الصميم

جميل الحمـادي

احسنت ايها الاستاذ ،خطاب للعقل ومناسب للمرحلة .شكرا للمصدر ،

2- د.عمر،، أعزك يا رجل

azal

دولة اليمن الديمقراطية ال............ليصبحوا مواطنين يلتحقون بركب الكرامة الذاتية، والعطاء المثابر، فكان منهم المهندسون والإداريون والإعلاميون،...... ومنهم هذا الدكتور الفذ، رئيس تلفزيون عدن سابقا،،، أشهد للجنوبيين بالاحترافية والمهنية العالية،،، وهذا إنصاف للدولة التي رعتهم بغض النظر عن مآسيها في المجالات الأخرى

3- مقال رائع

محمد علي مهدي

نتمنى أن ينصت عقلاء المؤتمر لرؤيتك الرائعة .. عليهم فك الارتباط عن الرئيس صالح وفي المقابل الاتجاه نحو الشارع .. المؤتمر يمتلك كوادر مؤهلة ووطنية كثيرة ولديه عمق شعبي لو استغله لكان رهان المستقبل .. شكراً للكاتب الذي عندما تقرأ له تجد شيئاً جديداً يضيف إليك !!!

4- شكرا لك استاذنا الفاضل، ما قلته خارطة طريق

عبدالرحمن حيدرة

الثورة قامت ولا بد ما تنجز وتحقق ما قامت من أجله..لضروف اليمن التي كلنا نعرفها لن تسير الأمور فيها مثلما عليه الحال في تونس أو مصر ..أو سورية أو غيرها ..ولكن ستسير حسب إرادة الشعب اليمني .. الشعوب هي من تقرر مصيرها ..والشعب اليمني ثار وخرج للشوارع ولا زال ..وعينه على دولة يحكمها القانون، والنظام ..خالية من الفساد والخراب ..وهذا ما بداء فعلا ..ورحلة الألف ميل تبداء بخطوة ..!

5- اليمن غنية

معزب بن زرنوق

اليمن غنية بارضها ورجالها تحتاج فقط الى حكم عادل ورشيد يدير البلد بامانة وكفاءة واول خطوة منع القات وحذر حمل السلاح .

6- ان من البيان لسحر

م/نجيب الشجاع - اليمن

كم انا فخور وانا اشاهد هذا الرجل العملاق على الشاشات أو اقرأ له مقال , ارى فيه الرجل الحكيم صاحب النظرة الثاقبة العميق في التفكير يجسد الحمكة اليمانية فهو متوازن وغير متسرع وغير لحظي لايؤمن بالربح السريع , وما احوجنا لهذا الفكر الرزين الفكر الذي يبني ولايهدم يقرب ولايفرق ارى ملامح اليمن الجديد ورب الكعبة كما ارى النور وانا اكتب هذه الكلمات فما اروعك يايمن بعد رحيل الفكر الفاسد , وان غداً لناظره قريب وما النصر الا من عند الله.

7- حافه السلاطين

درويش

ياصديقي العزيز , ماخطيته جميل , وولعك بالجميل لا ينضب , لاتفتر ولا تكسل وفلسفتك التي اعتز باني سمعتها بصوتك حيث كنت شبل بزئير اسد , هادئ متأني مساوم مقاوم , بغض النظر ياصديقي فانت ترصد تفاعلات انسانيه صادقه عامه وتاريخ حاضر وماضي ينتسب لكل جغرافيا , وشذا انتماءك هو من يشدك لبقاء انفك ممرغ في عبقه الاصيل , وتعيش وتحن مثل كل انسان بالغ يحن لماضي عتيد , حتى وان كان ضجر الشيخ عثمان او وزاره الثقافه وهدار المرحوم حسين السيد ينفي الشخص الممل اصلا, عموما قلت كلام عام جميل يخدم من يتحسس , ولكن هل يجب عليك عزيزي ان تتحمل هموم جميع العرب والمسلميين بملياره والنصف في الوقت الذي يمكن لك ان تركز بمساعده الاقربون , لكي تستطيع ان تقفز من طوبه العدميه في البناء بفعل الارث القبلي المخيف , لطوبه اكثر ثبات قادره للتحقيق تساعدك في نشر افكارك لاحقا وتقصر مسافته , نصيحتي لك ان لاتدخل زحمه السوق وانما قف خارجه وساعد داخليه بنصحهم وماقد يصادفوه كي لايجرفك السوق , مريديه وبائعوه .

8- دكتور عمر عبدالعزيز

رياض

بحق انك رائع يا دكتور عمر كثر الله من امثالك اتمنى في المستقبل القريب ان اشاهدك على القنوات المحلية و انت تتحدث الى الشعب كما عودتنا من خلال اطروحاتك الرائعة في القنوات المختلفة. نسأل الله العلي القدير ان يمد في عمرك و ينفع بك.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء