468x 60

اليمن.. وداعاً للصورة النمطية

تكمن حكمة التوافقية السياسية القائمة في اليمن، في كونها توافقية في اتجاه التغيير، ومركزها المواطنة لا الطائفة أو القبيلة أو العشيرة، كما حدث عند بعض العرب الذين توافقوا على قاعدة وأد المواطنة، واستبدال المؤسسة بالقياسات الطائفية والدينية المقيتة، كما حدث في لبنان والعراق.

 

مازال لبنان ملغوما بالطائفية السياسية الناظمة لأمر الحكم والحكومة من القمة للقاعدة، وما زال العراق يئن تحت وطأة التوافقية الطائفية المُخاتلة، التي أعادت إنتاج التفجيرات الإجرامية الغامضة، التي يعيد تدويرها بعض سدنة النظام الطائفي ممن يتمنطقون نياشين الدولة وألقابها، فيما يتعاملون مع بعضهم البعض كما لو أنهم مجرد قراصنة بحار اعتياديين.

 

توافقية الحالة اليمنية تختلف لسبب واحد، كونها تُمسك بجمرة المواطنة الناجزة المُجيّرة على التغيير، والتغيير هنا ليس أمراً إجرائياً يتم بناءً على الرغبات والنماذج الذهنية السابقة على الفعل، بل من خلال الإرادة السلمية المقرونة بالدأب والصبر، والمُصابرة التي تجلّت مدرستها الملْحمية الكبرى في ملايين اليمانيين المعتصمين والمتظاهرين سلميا في 17 مدينة وناحية، بل وفي إدارة ساحات التغيير تمويناً وعلاجاً وتكافلاً، حتى أن القلة الناشز من البلاطجة لم يجدوا أدنى فرصة للاعتداء على الملكيات العامة والخاصة، ولم يفلحوا في استفزاز المحتجين المسالمين وإخراجهم عن المنهج الذي ارتضوه سلماً وتمسكاً بقضيتهم العادلة.

 

ذلك هو المُنجز العظيم للثورة الشبابية اليمنية التي أشعلت فتيل الأمل، ووضعت الجميع أمام استحقاق جوهري لا مفر منه، تمثّل ويتمثّل في الصيغة التوافقية القائمة، والمقرونة بقدر واضح من السفر صوب المستقبل. وهي صيغة تمّتْ أولاً وثانياً وثالثاً بإرادة يمنية مؤكدة، حتى وإن أسهم في بلورة ملامحها ورعايتها الإقليمان المجاوران عربياً وعالمياً، من خلال المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

 

قد يعتقد البعض أن التفاؤل الماثل فائض عن الحاجة، وقد يتأسّى آخرون بما جُبلنا عليه على مدى عقود من متاهات التنافي العدمي، والانغماس في الواحدية المسترخية عند قبور ظلاماتها، لكن تلك المرحلة قد انجلتْ، رغم الضباب الكثيف والمرئيات غير الواضحة. اليوم تنتصب أمام الجميع حقيقة موضوعية غير منكورة، تتمثل في حكومة وفاق وطني، ومجلس عسكري توافقي، وروافد داخلية ترعى هذا الحل وتُسيّجه بالتحمل والصبر، وتُسارع في التغيير الإيجابي المقرون بإرادة نافلة عند الجميع، فالعملة اليمنية التي انهارت على مدى أشهر الضنى والتعب تستعيد وهجها بين عشية وضحاها، وخدمات المياه والكهرباء والنفط تعود بتواتر يومي صاعد، والغارقون في الفساد والإفساد يستقيلون ويتساقطون بطريقة حرة.

 

استقراء المشهد اليمني واستسبار أبعاده، يكشف ذلك الضياء القادم من أعماق العتمة واليأس.. ذلك التماسك الحكيم الذي وضع اليمانيين في المكان الذي يستحقونه، تكاملاً وبحثاً عن مخارج وحلول سلمية.

 

أثبت الشعب اليمني للقاصي والداني أنه أبعد ما يكون عن تلك الصورة النمطية الظالمة، التي ظلت تلاحق المشهد السياسي المجتمعي على مدى عقود طوال من الإخفاقات والأخطاء والخطايا غير المنكورة، واجترح المحتجون الثائرون سلسلة من المآثر الجديرة بالتأمل، فملايين المدججين بالسلاح والقادرين على مقارعة أي سلطة غاشمة، يتخلُّون طواعية عن مناجزة القوة بالقوة، وملايين المواطنين المنتشرين في أربع أرجاء البلاد يعيدون تدوير حياتهم اليومية على قاعدة التعاون والتكافل والتراحم، وعشرات آلاف الأطباء والممرضات ينتشرون في ساحات الاعتصام ليحيلوها إلى مستشفيات متحركة فاعلة، وأصحاب الصيدليات والمتاجر والمطاعم يسهمون في إنعاش الإدارة اليومية لهذه الساحات، بعد أن تخلّت الدولة عن واجبها في رعاية المواطنين. وفي المقابل تبارى المبدعون لإضفاء البهجة على هذا الخيار المستقبلي، الذي يعد بأيام زاهية في بلد كان سعيداً قبل أن تطاله معاول الهدم للمُفترين على حكمة التاريخ والجغرافيا.

 

لقد شكّلت ساحات التغيير السلمي مُقدمة ناجزة للإبقاء على تماسك الدولة، وشرْعنة الشرعية المتجددة، بوصفها السبيل الوحيد للذهاب إلى الحلم الألفي الفاضل الذي كان ومازال هاجساً، واستحقاقاً، ومنطق عمل وحياة.

 

عن البيان.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- شكر وتقدير لشباب ثورة اليمن

امين محمد

شكرا للدكتور عمر عبد العزيز , على هذا الموضوع والتحليل الموضوعي لعملية التغيير التي اصبحت فرضا وواجب كل الوطنيين سوا عسكريين أو مدنيين والفضل يعود لله ثم لشباب اليمن الذي قدم التضحيات بالارواح والدماء الطاهرة التي روت تربة الوطن الغالية ولتكن هذه الدماء الزكية دعوة الى من تبقى في صف الاسرة التي حكمت فترة 33 عام من المعاناة والظلم وقهر الرجال الذي لاينكرة عاقل في اليمن ولتكن تضحيات هؤلا الشباب أعادة لكرامة وطن وكرامة شعب فهل من عاقل يسمع ويقراء ويفكر ويخرج هذا البلد والشعب من نفق الاسرة المظلم , شكرا لشباب الثورة اليمنية ورحم الله كل شهداء الثورة الخالدة والعظيمة التي لم يحس بعظمتها سوى العظماء من الرجال الصادقين.

2- مصطلحات جوفاء

رصين الرصين

التنافي العدمي .. الواحدية المسترخية مقزز هو ولع بعض الكتاب بمصطلحات جوفاء تحتاج أن توقف القراءة لتفهم معناها مطلوب تبسيط العبارة والابتعاد عن التقعر في التعبير هذا هو النفيهق الذي نهانا عنه سيد الفصحاء رسول الله صلى الله عليه وسلم

3- شكر للدكتور

يمني في الكويت

الف شكر علئ كلامك الرائع وشكرا علئ احاسيسك الرائعه تجاه شعبك

4- شعب اليمن عظيم

صورة ناصعة مشرفة

مهمى حاول الأقزام أن يظهروا الشعب اليمني بمظهر الهمج والمتسولين والمتهربين إلى دول الجوار طلبا للعيش حتى ولو كان على حساب آدميتهم وكرامتهم. لقد أثبت الشعب اليمني بما يختزنه تاريخه من حضارة عظيمة تمتاز بالشورى واحترام آدمية الإنسان أنه جدير بتلك الحضارة وذلك التاريخ. حاول العفاشيون إماتة كل جميل في هذا الوطن حتى باتت عبارة ممجوجة تتكرر في بعض وسائل الإعلام العربية وغيرها: " اليمن السعيد غير سعيد " هذه الصورة الدخيلة على وطننا وشعبنا ويمننا الحبيب أراد لها الظلاميون العفاشيون أن تكون واجهة ليمن الحاضر والمستقبل. وشعارا له. لكن إرادة الله ثم إرادة الثوار والشعب من ورائهم قضت أن تغسل هذا العار الذي ألحقه به النظام العفاشي البائد وأصبح العالم ينظر للشعب اليمني بالنظرة اللائقة التي يستحقها والتي تنبثق من حضارته القديمة وتمسكه بدينه وكرامته. وداعا وإلى غير رجعة لتلك الصورة النمطية العفنة التي أرادت خفافيش الظلام أن تكرسها عن الشعب اليمني الحر وشكرا للكاتب.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء