468x 60

كمائن التحوّل والقلق الانتقالي!

ما من شك في أن ما تعيشه بلادنا اليوم هو طريق الذهاب إلى سنوات المستقبل الواعد، أو العودة إلى سنوات الماضي البائد. ومن هنا فإن صراع البناء ومعوقاته قد بدأ في التشكل مع أولى مراحل الانفراج السياسي الذي كان مشروطاً بتنحي الرئيس صالح، هذا التنحي المزَمّن سيكون مقدمة لفترة انتقالية مليئة بالفراغات الخاصة ببدائل مراكز القوة والنفوذ، أو إعادة صياغتها، في حال لم يتم الإجماع على دولة مدنية حديثة، وهذا الإجماع -في تصوري- متعذّر؛ إن بسبب تراكمات الماضي، أو بسبب أنّ كل جماعة غير مقتنعة بحجمها الحقيقي، وتريد الحضور في المشهد السياسي كأغلبية، بما يعني أن صراع الإرادات الذي رجّح كفة الثورة سينتقل إلى نتائج الثورة بصورة أخرى، هي التي دفعت بالأشقاء والأصدقاء للإسهام في صياغة الحل السياسي الذي يمكن أن يقلل من آثار النتائج كما خفف من شدتها.


 مما سبق نجد أن بعض القوى والتيارات وحتى الشخصيات بدأت تتلمس وضعها في العهد الجديد إما بالضغط السياسي، أو بفرض الأمر الواقع كما تفعل جماعة الحوثي التي انتقلت –بقدرة قادر- من مربع ما يسمى بالدفاع عن النفس إلى ما يمكن تسميته بمربع الإعجاب بالنفس، عبر التوسع المتمنطق بـ "جغرافيا الفكرة" والمتحمس لـ "فكرة الجغرافيا"، بالإضافة إلى بعض التحركات الانفصالية المدفوعة بالانزعاج من المبادرة الخليجية والمستعدة للارتماء في أحضان أي قوة إقليمية أو دولية تساعدها في فرض خيارها داخل المشهد الجنوبي، وهو ما قد يعزز التقارب الحوثي- الانفصالي وفقاً لمصادر التأييد والدعم، ووصولاً لتحقيق رغبة تقاسم جديد يعيد صياغة يمن قديم، عوضاً عن التقارب الحوثي- الحراكي الذي يتعاضد من أجل توفير الحد الأدنى من الطموحات السياسية عبر فيدرالية قسرية لن تتجاوز غير أحرفها الثلاثة الأولى، ولن تكون فيدرالية بالمفهوم السياسي الناضج لأنها مسكونة بمفهوم التغلب وسط الأرض والجمهور، وليس بلُغة برامجية ونُضج سياسي، ومن وسط اليمن هناك حماسة فيدرالية يتزعهما الشيخ البرلماني سلطان السامعي، يمكن أن تشكل هذه الحماسة إضافة مهمة إلى التقارب المشار إليه آنفاً، ليصبح تحالفاً ثلاثياً منسجماً، بصرف النظر عن صحة ما يقال بوجود هذا التحالف الثلاثي فعلاً، الذي يجمعه "غرام فيدرالي" ومعارضة شديدة للمبادرة الخليجية!.


أما موضوع جماعات العنف و"تنظيم القاعدة" في هذه المرحلة –موضوع حديثنا- فسيزداد خطورة، لسببين رئيسيين: الأول حالة الانفلات الأمني الذي واكب الثورة وأسهم في ترتيب جماعات العنف لصفوفها وتمدد نفوذها، والسبب الآخر: حالة الفراغ الانتقالي الذي ستنتهي به الثورة، ومن المؤثرات القوية لذلك فداحة التلاعب الرسمي بموضوع القاعدة في عهد صالح مع العلاقات المشبوهة بالجماعات المسلحة القريبة أو البعيدة من القاعدة، وكما أثّر ذلك في السبب الأول؛ فسيؤثر تأثيراً بالغاً في السبب الثاني، ولا يمكن قراءة التطور الأخير المتمثل بإعلان وصول القاعدة إلى وسط مدينة رداع بمحافظة البيضاء بمعزل عن هذا التأثير، مع أن هذا التطور لم يكن إلا صفحة في سجل "التواجد النوعي" للقاعدة في محافظة البيضاء!.


سيظن البعض أن مثل هذا الحديث يصب في خانة الترحُّم على عهد علي عبد الله صالح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، والأمر عكس ذلك تماماً، ففي عهد صالح وبسياسته وأحياناً برعايته تأسست كل شرارات القلق الانتقالي الذي تعيشه بلادنا اليوم، وأصبح من اليسير جداً فَهم ما كان يعنيه وهو يتحدث عن أن اليمن قنبلة موقوتة وأن الذي سيتسلم السلطة من بعده هم القاعدة، وأن اليمن سينشطر أكثر مما كان عليه، ونحن جميعاً ندرك أن المرحلة الانتقالية التي ستحمل أهداف الثورة إلى بر الأمان هي من أخطر المراحل.


برغم ما قطعتْه الثورة الشبابية الشعبية السلمية من مشوار صمودها إلا أنها ما تزال مُهددة بالفشل، عندما تفسد ثمارها وتخيب نتائجها، ويصدق فيها قول شاعرنا الرائع قاسم الشهلي: إن لم نُعَوَّضْ بالأمراض عافيةً... ما الربح في بيع أمراضٍ بأمراضِ؟!، وتحتفظ الذاكرة اليمنية – شمالاً وجنوباً- بتجارب فاشلة في الفترات الانتقالية والتحوّلات المهمة، ليس أول تلك التجارب ما حصل بعد الوحدة من احتقان سياسي عجزتْ الحوارات والوساطات عن كبح جماحه، وانتهى بنشوب حرب صيف 1994، وليس آخر تلك التجارب مرحلة ما بعد تلك الحرب التي كانت لأجل الوحدة، كما أراد لها اليمنيون في جنوب الوطن وشماله، لكن النظام الفاسد جيّر الانتصار لنفسه وبدأ يبسط خُططه الشريرة في إشغال الناس بالفوضى والنهب والسلب، ويتفرغ هو لبناء مجده الشخصي والعائلي مع احتساب نصيبه في تلك الفوضى، إلى أن أصبحت تلك الحرب المشؤومة كارثة ولعنة تلاحق كل يمني!.


وهذا كله يحتم على العقلاء مضاعفة الجهود في نشر الوعي الوطني بخطورة المرحلة وأهمية بناء الدولة بناءً صحيحاً بعيداً عن سياسات الماضي وحساباته، ويضع أمام الجميع أولوية الحوار الوطني والبِناء التنموي، ما لم فإن كمائن العبَث التي نَصَبتْ نفسها في طريق المستقبل المنشود ستعود بنا من حيث أتينا، وبدل أن نظل كما نحن، سنعود للوراء عشرات السنين، وذلك لن يكون بإذن الله.
المصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- تحليل بعمق

رضوان البعداني

شكرا اخي الكاتب .. فقد عبرت عن مايدور فعلا نعم المرحلة القادمة هي عبارة عن حرف تي .؟؟ إما الى اليمين والاستقرار والازدهار ،،، او الى اليسار والفوضى والحروب فحري بكل العقلاء ان يخلعوا كل مذاهبهم السياسية ويتجهو لاختيار الطريق الذي يحفظ لنا اليمن من كل الشرور

2- ما يمدح العروس الا امها

السحم دحم بوه

الى المعلق رقم واحد ما يمدج العروس الا أمها.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء