عقب صدور الحكم على الرئيس المصري السابق حسني, لفت انتباهي خبر يفيد بأن تكاليف تجهيزات استقباله بغرفة العناية الفائقة في مستشفى السجن بلغت 5 ملايين جنية.
وهناك طائرة خاصة تقله من وإلى المحكمة وأطقم طبية على مستوى مهني عالي تهتم وتتابع حالته الصحية, وظروف احتجاز استثنائية (إيجابية) ترافقه بسجنه وتكاليفها ملايين الجنيهات من خزينة الدولة وأموال الشعب المصري.
حقوقيا وقانونيا وقبل ذلك دينيا, يتوجب توفير الرعاية الصحية اللازمة لمبارك كأي إنسان وليس فقط أي مصري, لكن المشكلة في استمرار تكبيد الخزينة العامة لبلده خسائر باهظة جراء ذلك ولا نعلم حجم خسائر أخرى يتسبب بها الآخرون, نجلاه ووزير داخليته ومساعدوه وصديقه حسين سالم.
كل ذلك رغم ان مبارك والعادلي ومساعديه كانوا لا يوفرون القليل جدا منها, ولا يكبدون خزينة بلدهم, التي نهبوها 3 عقود, خسائر مماثلة للسجناء السياسيين بذات السجن وغيره، سواءً كانوا إخوان مسلمين أو يساريين وقوميين أو ليبراليين وكتاب ومثقفين وغيرهم.
الامر لا يتوقف عند ذلك, فهناك أرقام كبيرة كتكاليف للقاعة التي اعلن منها الحكم بالسجن المؤبد لمبارك والعادلي وبراءة الآخرين, مع استنفار 20 الف جندي لحمايتها, غير المصابين باشتباكات الغاضبين من الأحكام المخففة وانصاره.
ويعلم الله وحده حجم الخسائر التي ستلحق مصر وخزينتها في قادم الايام لرعاية رئيسها المخلوع صحيا وحمايته أمنيا ونظر الطعون وقضايا أخرى ضده وحاشيته.
بالمعايير المادية, البعض منا يقول ان خلع رئيس سابق في بلدان الربيع العربي بطرق أخرى كما حدث في تونس وليبيا واليمن, كان أوفر ولم يكلف خزائن تلك البلدان, بعد الخلع, بالإصرار على العدالة مثلما يحدث في مصر مع استمرار شعور الضحايا وأقاربهم والقوى الثورية والمصريين جميعا بعدم تحقق العدالة وتدليل مبارك ونجليه وحاشيته بأحكام براءة او مخففة.
ومع رفضي القاطع لخيار الليبيين بالخلاص من زعيمهم السابق معمر القذافي بعد خلعه بتلك الطريقة البشعة واللاإنسانية, إلا ان اليمنيين بمنح الحصانة لرئيسهم السابق لم يوفروا على خزينة بلدهم العامة الكثير من الخسائر.
لقد كانت تونس هي النموذج الأفضل في الخلع والخلاص بعد ان كان لها الفرادة والتميز في انطلاق شرارة ثورات الربيع العربي وان لازال الكثيرون يطالبون بتسليم بن علي لمحاكمته, وأرى ان الله كفى التونسيين شر الخسائر والرعاية والحماية ونفقات المحاكمة للرئيس السابق.
ففي اليمن, فإن ما كنا سنخسره مقابل إجراء المحاكمة للرئيس السابق ومعاونيه والمتهمين بارتكاب جرائم ضد المتظاهرين والمعتصمين سلمياً, ها نحن نخسره في تكاليف الاعتداءات على ابراج وخطوط نقل التيار الكهربائي من مأرب إلى صنعاء وما يترتب على تفجيرات أنابيب النفط في صافر والغاز في شبوة وأنواع أخرى من الامور المتسببة بالخسائر العامة والخاصة.
بالنسبة للرعاية الصحية للرئيس السابق وضحايا جريمة النهدين من مسئولين في الدولة والتي وقعت العام الماضي في مثل هذه الايام, فتكاليفها مستمرة وفواتيرها تدفع من خزينة الدولة اول بأول ليس في ألمانيا والولايات المتحدة فقط, ولكن حتى في المملكة العربية السعودية, أثق ان خزينتنا العامة تعجز عن تجاوز النخوة والاكتفاء بما تكرمت به حكومة المملكة.
ما يتعلق بموضوع الحماية, هناك إلى الآن أكثر من 30 لواء تابع للحرس الجمهوري والقوات الخاصة وغالبية قوات الامن المركزي وشرطة النجدة وجهاز الامن القومي تعمل على حماية الرئيس السابق بمختلف الصور وشتى الاشكال والطرق والاساليب, من الابرة حتى الطائرة, ومن المعلومة والتحري الاستخباراتي إلى فضائية الزعيم وصحيفته وصحف حزبه ومواقع وصحف لا تعد ولا تحصى متخمة أكاذيب وإفتراءات وأخبار مفبركة وتسريبات قذرة.
وباختصار, فلا الطريقة اليمنية وما فيها من حكمة وتدخل خارجي أفادت خزينتنا واوقفت خسائرنا لأجل الرئيس السابق وحمايته ورعايته وتدليله, ولا الطريقة المصرية أثمرت ووفرت على الخزينة العامة وحققت العدالة والديمقراطية وحافظت على استمرار خديعة استقلالية مؤسستي الجيش والقضاء.
حسم الاشقاء الليبيون أمرهم على طريقتهم رغم رفضنا لها, وفعل رئيس تونس السابق بشعبه خيراً بفراره إلى جوارنا, ويعلم الله كيف سيخلع إخواننا في سوريا طبيب العيون وأركان نظامه وكيف سيخلصون منه, فيما يبدو اننا وأشقاءنا المصريين سنظل نحصي خسائرنا لسنوات أخرى من أجل خاطر عيون «من خلعناهم بالتلاتة» كما يتحدثون بلهجتهم الشعبية العذبة.
شكر
لم يحظ مقال كتبته بالاهتمام كشأن مقالي الاسبوع الماضي عن «عدم مسئولية حزب الاصلاح عن تصرفات وتصريحات منتسبيه قيادات عليا أو سفلى, وضرورة محاسبته على قرارات مؤسساته ومواقف هيئاته».
وأشكر من تواصلوا مؤيدين لمضمونه, وهم كثيرين, خاصة الاصلاحيين, أو من عاتبوا بأدب على ذكري لأسماء بعينها.
لكن عتبي على من علقوا في المواقع الالكترونية والفيسبوك, وهم قليلون جداً مقارنة بالمؤيدين, والذين توزعوا مابين من اعتبروني (بأسماء مستعارة) شيطاناً رجيماً تطاول على مقدسات دينية ورموز ثورية, وآخرين يرون الاصلاح شيطاناً يريدون رؤيته بحسب قناعاتهم المسبقة و«لا يعجبهم عجب ولا الصيام في رجب».






.gif)



إرسل لصديقك