رئيس مختلف

قد يجد المصريون أنفسهم هذه المرة أمام رئيس منتخب يختلف اختلافا جذريا فى شخصيته وأدائه وخلفيته الثقافية والاجتماعية عمن سبقوه من الرؤساء على مدى أكثر من نصف قرن.. ربما يكون أكثر شعبوية واقترابا من البسطاء من أبناء الريف، وأكثر بعدا عن الإغراق فى المظاهر والرسميات. مع خلفية علمية وحضارية أتاحتها له دراسته وعمله فى الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر دول العالم تقدما عمن سبقوه. فهو يرفض إعلانات النفاق والتهنئة، ولا يقيم وزنا لما تفرضه أجهزة الأمن من إجراءات مشددة للحراسة دأب عليها الرؤساء والمسئولون.. عندما اعتادت طوابير الشرطة أن تقف بالساعات فى انتظار مرور موكب المسئول أو انتظار وصوله من المطار. وهى مظاهر سخيفة لا تجدها إلا فى بلادنا!

هذه أمور قد نتعود على التعامل معها ببساطة دون تعقيدات على المدى الطويل. حين كانت أجهزة الأمن تقيم حاجزا بين الشعب والحاكم، وتضفى عليه هالة من القداسة بحجة حمايته والدفاع عن حياته. وتتسبب بذلك فى تعطيل المرور وتعقيد حياة الناس.

وإلى أن يؤدى الرئيس الجديد اليمين الدستورية ويشكل حكومته على أساس الوحدة الوطنية التى وعد بها، سوف يظل عرضة لكثير من التساؤلات والرسائل والمقترحات.. كل واحد يحاول أن يقدم نصائحه وإرشاداته ويفرض شروطه على الرئيس الجديد. السياسيون لهم رأى. والمثقفون لهم رأى. والصحفيون والكتاب لا يكفون عن تذكير الرجل بأنه جاء إلى السلطة باسم الشعب. وأنه مسئول عن إقامة الدولة المدنية التى يحصل فيها المصريون على ما يستحقونه من عيش كريم. أما المرأة فلا يعجبها بساطة زوجة الرئيس ولا تعرف الجماعات النسائية كيف تتعامل معها؟! أما المثقفون، فعلى الرغم من أن بعضهم يأخذ على الدكتور مرسى أنه لا يحيط علما بتاريخ مصر القديم.. ولم يذكر فى خطابه اسم أحد من كبار الفنانين والمبدعين، إلا أنهم يتوقعون أن يجرى مصالحة وطنية وبناء دولة ديمقراطية حديثة، تنهض بالاقتصاد على نحو يحقق الحرية والعدالة ويضمن حقوق المرأة وحرية الأديان.

تتكرر هذه المطالب فى كل مناسبة. وتتربص قوى عديدة بما سيتخذه الدكتور مرسى من خطوات. وترى أن أى محاولة «لأخونة» الدولة وفرض الأفكار الإخوانية على الشعب المصرى، سوف تواجه بمقاومة عنيفة.

وفى مقابل ذلك، هناك قوى بالفعل وقبل أن تبدأ حكومة مرسى أولى خطواتها، قوى تضع العراقيل وتغرس الأشواك والشكوك فى مسار النظام الجديد. وللأسف فإن هذه القوى ينتمى بعضها إلى صفوف الجهاز القديم للإخوان. وتتحدث عن الدكتور مرسى بنفس الطريقة التى يتحدثون بها عن جماعة الإخوان «المحظورة» فى عهد الحزب الوطنى. فالرجل فى رأيهم لا يمثل نقطة ارتكاز يمكن الاستناد إليها تبرر حصوله على الأغلبية العددية التى حصل عليها. ويحاول البعض أن يجد أوجه شبه بين الجماعة والحزب الوطنى.. خيرت الشاطر فى مقابل أحمد عز فى نظام مبارك بسيطرته على المال ولجنة السياسات. ومحمود عزت يلعب دورا مشابها لدور عمر سليمان. وعبدالرحمن البر دوره شبيه بدور فتحى سرور. وهكذا.

ويبدو أن الهدف من هذه التشابهات هو اضفاء صفات تقلل من قيمة الرئيس الجديد محمد مرسى الذى لا يستطيع فى رأيهم أن يبرم أمرا بمفرده حتى وإن أراد. ولكنه لابد أن يستأذن من هم أعلى منه مرتبة قبل أن يصدر أى قرار.. وبعبارة أخرى فالغرض من ذلك هو تأكيد الشائعات التى ترددت عن أن مرسى يتلقى أوامره من خيرت الشاطر أو من بديع. وأنه ليس مستقلا فى قراره ومشيئته.

هذه الأقوال تتردد بكثرة بين الذين يبحثون عن مبررات الفشل القادم، قبل أن يبحثوا عن مبررات النجاح. ويعتقد البعض أن مصر لم تعرف على مر تاريخها القريب غير رؤساء بدأوا متواضعين، ولكنهم بعد فترة تجمعت حولهم عناصر الفساد وقادوا بلادهم إلى كارثة.

وهنا لابد أن يقال إن شعب مصر لن يسمح بتكرار تجربة مبارك وانحرافاته وفساد المحيطين به. ومن ثم أهمية وضع الدستور والالتزام الدقيق بالفصل بين السلطات، والعمل بكل السبل على تحقيق استقلال القضاء، باعتباره أهم العناصر التى تمثل حائط الصد ضد الاستئثار بالسلطة. وإخضاع الحاكم لرقابة الشعب ممثلا فى البرلمان. وهذا ما يدعونا إلى المطالبة بالتعجيل بوضع نهاية للفترة الانتقالية، والإسراع فى صياغة الدستور وإجراء انتخابات تشريعية.. بغير ذلك سوف يظل الوضع قلقا غير مستقر. ولن يجدى معه تغيير الرياسات أو تبدل الحكام!

عن الشروق المصرية

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب

اضغط للمزيد

استفتاء