مدن الوهم

أعلنت مجموعة استثمارية سعودية تدعى «جسور الخير»، عن اعتزامها العام المقبل إنشاء أكبر مشروع استثماري في تاريخ اليمن بتكلفة تصل إلى 20 مليار دولار.


والأرقام الفلكية لا تقف عند التكلفة، بل تمتد إلى المساحة التي تبلغ 25 مليون متر مربع، وسنوات المشروع التي قدرت بـ10 سنوات.


وجزء كبير من المشروع سيقام من خلال ردم البحر.


والمشروع كوكتيل مشكل سياحي عقاري وأيضا صناعي، اذ يشمل جزر تقام عليها ابراج سكنية وبحيرات اصطناعية ومصانع لإنتاج المواد الأولية وفي كل المجالات – بحسب تصريح رئيس المجموعة ويدعى «جمال باخشوين»، الذي غازل اليمنيين بالحديث عن الثورة الشعبية، حيث قال ان مجيئهم الى اليمن بسبب ما أحدثته الثورة الشبابية واعدا الشباب بان يكون لهم النصيب الأوفر في المشروع.


وسبب هذه المغازلة أن الشركة لن تدخل سوى بنسبة 25 بالمائة من المشروع، و75 بالمائة ستطرح للاكتتاب العام على المواطنين اليمنيين.


في الواقع لا اعرف سببا يجعل مسؤولي هيئة الاستثمار اليمنية تهلل لهكذا مشاريع وهي تعرف أن مشاريع كثيرة من هذا النوع أعلنت وأحدثت ضجيجا ثم طواها النسيان.


والمواطن اليمني عند كل استثمار جديد يسمع عنه بأرقام فلكية، لا يملك سوى ان يردد «نسمع جعجعة ولا نرى طحينا».


انها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها عن أكبر مشروع استثماري في تاريخ اليمن.


في 2009، أعلنت شركتا دانة غاز ونفط الهلال في دولة الإمارات العربية إنهما وقعتا مذكرة تفاهم لبناء «مدن للغاز» في اليمن.


وقالت ان مدن الغاز هي مجمعات صناعية تعمل بالغاز وتضم مصانع للبتروكيماويات والصناعات التحويلية الثقيلة.


وأكدت أن المشروع يمكن أن يجتذب استثمارات تتراوح بين 15 مليار إلى 20 مليار دولار تقريبا على مدى 25 إلى 30 عاما.


وعلى ارض الواقع لا شيء سوى «مدن الوهم».


قبلها وفي عام 2008، أعلن رجل الاعمال السعودي طارق بن لادن، عن اعتزام شركته تنفيذ مدينة استثمارية على مياه البحر الأحمر تربط القارة الآسيوية بالأفريقية بكلفة 200 مليار دولار.


ولاحقا عقدت الشركة السعودية مؤتمرا صحفيا في جيبوتي وأكدت انها تخطط لإنشاء مدينتي النور في المستقبل على ضفتي البحر الأحمر في اليمن وجيبوتي، وربطهما عبر طريق وجسر بحري هو الأطول في العالم والذي يبلغ حوالي 28.5 كلم.


وقال مدير الشركة ان مدينة النور ستلد مائة مدينة اخرى «سنبدأ من هنا من جيبوتي لنبني مدينة النور التي سنبني بعدها مائة مدينة نور».


لا تقف الشطحات عند هذا الحد بل تصل الى حد الصفاقة، قال مدير الشركة إن المشروع سيوفر مليون فرصة عمل في اليمن و500 ألف فرصة عمل في جيبوتي، وقال إن المشروع استقطب سيولة بلغت قيمتها 50 مليار دولار من مستثمرين خليجيين واجانب، وبين أن مشروع جسر النور سيكلف 22 مليار دولار.


ويطلبون من الحكومة اليمنية فقط مساحة 1500 كيلو متر مربع على الساحل الجنوبي الغربي لليمن، وتحديدا على باب المندب لإنشاء جسر ومدينة اقتصادية وميناء، ويطلبون ان لا تخضع مدينتهم للقوانين اليمنية وان يتم حمايتها من خلال افراد للأمن وحرس حدود تستقدمهم الشركة.


لا أعرف هل وافق بعض مسؤولينا على عرض الشركة، ما اعرفه أن الحكومة لم توافق حينها وان المشروع مات لكن هناك من يحاول إعادة إحياءه هذه الأيام مستغلا الوضع المضطرب الذي تعيشه اليمن.


حتى لو كانت هذه اليمن شركة خاصة تتبع عائلات معينه، لا أتصور ان هناك من سيوافق على مشاريع استثمارية تبيع الأرض والتاريخ والبحر والموارد بثمن بخس أو بغير ثمن سوى العمولات.


وقبل مشروع الجسر الأطول في العالم، تابعنا مشاريع قالت انها ستكون الأكبر والأضخم في تاريخ اليمن ، منها مشروع «جنان عدن» لصاحبه النائب البرلماني صالح بن فريد العولقي، والذي اعلن عنه في مؤتمر فرص الاستثمار 2007 بتكلفة 4 مليارات دولار، واتضح لاحقا ان الأرض المحددة للمشروع موضع نزاع ولازالت القضية في أدراج المحاكم.


وهناك مشروع السفير عبدالولي الشميري، الذي أعلن عام 2008، وأطلق عليه «فردوس عدن» بتكلفة 10 مليارات دولار، وانتهى المشروع ولم نسمع عنه أي جديد.


قالت الشركة حينها «إن الدراسة جاهزة وإن العمل بدأ بالفعل في تنفيذ المشروع على أرض الواقع وسيقام على مساحة 16 مليون متر مربع في منطقة تدعى رأس عمران الواقعة على خليج عدن، وقالت ان المشروع سيوفر 15 الف فرصة عمل».


ربما تكون فرص العمل التي قالت فردوس عدن انها ستوفرها مقبولة مقارنة بفرص العمل التي ستوفرها مدينة النور وهي مليون فرصة عمل لليمنيين.


بين كل هذا الوهم، هناك مشاريع كنت شخصيا متحمسا لها واعتقد أنها سترى النور، منها مشروع شركة تعمير الإماراتية بإنشاء مدينة سكنية في اليمن، حيث تم الإعلان في عام 2006، عن البدء في تنفيذ المشروع من خلال شركة «تعمير اليمن» التي تأتي كشراكة إستراتيجية بين شركة تعمير وبنك التضامن الإسلامي الدولي ومجموعة شركات هائل سعيد أنعم وشركاه.


ومات مشروع تعمير، رغم ان طرفي الشراكة يتمتعون بالثقة والمصداقية، وقال لي رجل أعمال ان السبب هو ان الشركة حددت ارض المشروع في منطقة عصر والصباحة بصنعاء لكنها لم تجد أرضا كافية لإقامة المشروع فمعظم الأراضي يملكها مواطنون، ثم اختيرت منطقة الجند بمحافظة تعز كموقع للمشروع لكنها اصطدمت بعقبات كثيرة منها عدم توفر المياه اللازمة لقيام المشروع بالإضافة إلى أن الأرض لم تكن كافية.


أيضا ماتت مشاريع «أبراج صنعاء» للقدرة القابضة الإماراتية ومشروع لشركة أعمار.


ربما كانت بعض هذه المشاريع حقيقية وقابلة للتنفيذ وانتهت بسبب الفساد وعراقيل عديدة أدت إلى إحباط المستثمرين وهروبهم، لكن المؤكد ان المشاريع التي تعلن عن أرقام فلكية، ليست سوى وهم.


إنها مشاريع غير عملية وغير واقعية ولا أراها أكثر من شطحات لا تدري الهدف من إعلانها.


لا املك أن أقول لمسئولي هيئة الاستثمار سوى ان أي مشروع يحمل ارقام فلكية، لن يكون سوى وهم، ولهيئة الاستثمار ومسؤولي حكومتنا اهديهم أغنية الفنان محمد عبده «وهم»، عليهم أن يسمعوها قبل الموافقة على مشاريع لن يكون لها على الأرض مكان.


«وهم وهم، كل المشاريع وهم».

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- اجلوا مو عد قيام الساعه- وتعوذوا من الشيطان

الشيخ عميسان

الكثير من علماء الساعه يتشاءمون من تطور اليمن وبناء المدن والنطاول في البنيان لان تقدم اليمن علامه قيام الساعه = نطالب بالتأجيل لكل مشوع يا محلا العصيد والسلته ونحمد الله

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتابات

اضغط للمزيد

استفتاء