مشروع قانون «القات» يقسم البرلمان اليمني إلى نصفين

مشروع قانون «القات» يقسم البرلمان اليمني إلى نصفين

انقسمت قاعة مجلس النواب يوم أمس الى قسمين. ولم يكن الاصطفاف مع أو ضد، هذه المرة سياسيا.

 

كان النواب، أمس، أمام مشروع مثير للجدل، ولـ«السخرية»، من جهة توقيته.

 

تقدمت لجنة الصحة العامة والسكان مشروع قانون «معالجة أضرار القات بالتدرج والتعويض». ولجنة الصحة جميعهم أطباء، والدكتور نجيب سعيد غانم هو صاحب هذه الفكرة.

 

تعرض المشروع، الذي وقّع عليه اكثر من 90 نائبا، وأبدى نواب محافظة حجة اعتراضا شديدا عليه. بالمقابل، رحب عددا من النواب، الذين لا يتعاطون القات، بهذا المشروع ودعموه بقوة. لكن، لا يبدو، ان المشروع سينجح طالما وفكرته غير واقعية، طبقا لقول النائب عبده بشر، الذي اعترض، لكون مثل هذه الظواهر سبق وان صدرت بها قوانين عبثية،مثل قانون مكافحة التدخين، مثلا.

 

معظم اعضاء لجنة الصحة، لا «يخزنون»، وحتى الراعي نفسه لا يتعاطى القات. لكن الغالبية الساحقة داخل القاعة يشترون القات، وبينهم نواب يمثل القات بالنسبة لهم مصدر ثراء.

 

الجلسة، كانت واضحة. وكان اول المعترضين على المشروع القاضي العلامة أحمد عبدالرزاق الرقيحي، رئيس لجنة تقنين الشريعة. وقال الرقيحي، وهو نائب وقور ومتقدم في العمر: « طرح هذا الموضوع في هذا التوقيت بالذات خطأ». وأضاف القاضي الرقيحي، محذرا: « هذا الموضوع سيفتح بابا لا يغلق، على مجلس النواب بين الناس».

 

وتساءل الرقيحي، وكثيرون يوافقونه: « كيف تحضر في أذهان البعض هذه المواضيع الآن، والبلاد معجونة بمشاكل كبرى». مضيفا: « هل هذا الموضوع يمثل أولوية عندهم؟ هل الأولوية لمشاكل الكهرباء والتقطعات، واختلال الأمن، وغيرها أم لمناقشة موضوع القات». القاضي الرقيحي، وهو نائب قدير «يفذح بقليل» كأي رجل كبير من أهل صنعاء القديمة.

 

العلامة الرقيحي يتكلم بلهجة صنعانية رقيقة، وكان مستاء، ويشير بيده اليمني نحو لجنة الصحة:» دلا دلا.. بالتدرج وبالتالي هي أحسن، مش في هذا الوقت». ولفت الرقيحي الى مشاكل المخدرات وتهريب الحشيش: «ايهما اولى، هي والا القات؟».. واذ ناشد اعضاء المجلس تاجيل هذا الأمر، الى وقت لاحق ومناسب، أرشدهم الى القاعدة الفقهية المعروفة: «ترك ما لا بأس به، حذرا مما به بأس».. ثم جلس القاضي الرقيحي، متنهدا كأبٍ مغلوب: « فتح هذا الموضوع نكسة على المجلس».

 

وجاء صوت من الضفة الأخرى، غير «مخزن»، النائب عبدالعزيز جباري، وبدأ كلامه مستغربا، من طرح القاضي الرقيحي، مع «احترامي وتقديري»، كما قال.

 

ولم يكتفِ جباري بتسمية المشروع التي حددته اللجنة، إنما طالب بأن «نسمي هذا القانون بقانون مكافحة آفة القات». وليس «معالجة أضراره». وقال جباري، منتقدا وبشدة المخزنين، بأن القات «آفة، مثله مثل المخدرات». وأكد بصوت أعلى: « يجب أن ندخل في القانون بأن القات مخدر». وهنا ضج اصحاب الفريق الآخر، معترضين، وكان نواب حجة يضربون بأيديهم على الألواح الخشبية بشدة، وخصوصا نائب مدينة المحابشة، القاضي عبدالرحمن المحبشي، الذي كان نهض يصيح غاضبا: «هذا كلام جور.. جور». ويطلب نقطة نظام ليرد على جباري. والقاضي المحبشي ينتمي الى دائرة 95% من مواطنيها يرزعون القات ويتاجرون به، وهو من كبار المزارعين في محافظة حجة، مثله مثل أي مواطن،ومورد كبير للقات، كما يحكى عنه.

 

كان غاضبا، بالفعل، وكان نواب من حضرموت وعدن متحمسين لفكرة القانون، رغم انهم يبدون حالة عدم الاكتراث، كعادتهم. أما جباري، فواصل هجومه ضد القات، وسط الضجيج، وكانت مطرقة رئيس الجلسة محمد الشدادي تدق بقوة: « لحظة يا زملاء.. التزموا باللائحة، الهدوء لو سمحتم».

 

وجّه جباري، ولم يهتم كونه ينتمي الى مدينة ذمار، حيث اكبر أسواق القات العنسي والآنسي والرداعي من كل نوع، وجّه عددا من التهم الى القات كـ«آفة». قال ان هذه الشجرة دمرت حياة اليمنيين، وانها «مخدرة، خبيثة، شوهت اليمني، واستنزفت الماء وجابت الأمراض والعلل والفقر، وحولت الشباب الى شوية مطنننين». وكان نواب من حجة والحديدة يحدقون اليه بـ«ضيق» . ونائب «مودية» غاضبا هو الآخر.

 

أيادٍ كثيرة ارتفعت تطلب الرد، وبإلحاح شديد. كان عبدالرحمن المحبشي غاضبا جداً. ولكن محمد الشدادي أعطى الكلمة لسنان العجي، وهو نائب لا يتعاطى القات، كما أكد ذلك. ويبدو أن الشدادي تجاهل الأيدي التي ارتفعت تطلب نقطة نظام، لكأنه أراد ذلك. اما الراعي رئيس المجلس، الذي تعمد إنزال هذا المشروع في جدول الأعمال، فقد نزل من الشرفة بهدوء صوب البوفية، تاركا امر ادارتها لنائبه الشدادي، ربما كي يترك الناس تتابع نجيب غانم، اذ يقدم مثل هذه المشاريع في هذا التوقيت، تحديدا، وكتلة الإصلاح التي كان الراعي يتوقع انها ستدعمه.

 

سنان العجي، وهذه هي المرة الأولى، اتفق مع جباري، وقال: «انا مع ما ذهب اليه الزميل عبدالعزيز.. القات كارثة، وهو مصنف عند عدد من دول العالم بأنه مخدر، وممنوع تعاطيه، ويجب علينا ان ننزع هذه الشجرة الخبيثة».. لحظتها صاح نواب حجة ونائبان من ذمار: « قلنا شي معاكم عقول!».

 

لم يكترث سنان العجي لاعتراضهم، واضاف: «يجب مكافحة هذه الآفة بكل الوسائل، ونحن اليوم في امس الحاجة لاستصدار مثل هذه القوانين.. القات دمر حياتنا..كبد البلاد خسائر مالية كبيرة». وكان نائب قضاء الشرفين يصيح: «هذه مبالغة»، يصيحون لكأن هذا القانون سينجح بالفعل.

 

عدد العجي اضرار القات، وحمله مسؤولية كل ما يجري في البلد. وكان كثيرون يعترضون بجد.

 

وقال سنان إن التقارير الطبية تثبت هذه الحقيقة، «وان الانسان اليمني مشوه بفعل القات، بل وحجمه ضعيف بسببه ايضا». لكن نائبا من الحديدة كان واقفا عند مدخل البوفية، التفت: «حيد سعمانا وأنا مخزنو، انتو امراض انتو». وانصرف.

 

انقسم النواب الى كتلتين بالفعل. وانشقت كتلة الاصلاح هذه المرة. فالنائب المعروف محمد الحزمي، طالب بإحالة المشروع من حيث المبدأ الى اللجنة الدستورية «للنظر في سلامته القانونية». واذ تردد الحزمي قليلا بشأن رفض المشروع. انتقد جوانب إجرائية في المشروع، إذ إن النقاش بهذه الطريقة يخالف نصوص اللائحة، التي اشترطت أن لا يناقش الا بعد مرور 48 ساعة من تقديمه. لكن الحزمي حاول ان يوضح حقيقة، رغم انه يتناول القات، قال: « من حيث الفكرة أنا معها، لكن مش بهذه الطريقة».

 

وهنا اعتلى الدكتور نجيب غانم مقدم المشروع، المنبر، ليقول :«تشتوا تلغوه الغوه، تشتوا تقروه قروه.. انتم اخبر والرأي لكم».

 

لم تهدأ القاعة، ضجيج هنا وهناك، و3 من نواب حجة، غادروا غاضبين، لأن رئيس الجلسة، لم يسمح لهم بالكلام، وبقي المحبشي في مكانه مصراً على طلب الحديث..

 

وجاء دور نبيل باشا، الذي لا «يخزن» إطلاقا. وطلب باشا، في مستهل كلامه من رئيس الجلسة ان يعيد النظام اولا الى القاعة.. وقال من حيث المبدأ :«أنا مع المشروع».. ثم وجه باشا شكراً خاصاً الى الدكتور نجيب غانم. مضيفا: « هذه الشجرة وراء ما وصلنا اليه من مشاكل». ثم اضاف، ليشرح التحديات والمعوقات الكبيرة التي تعترض تطبيق وتنفيذ مقتضيات هذا القانون.

 

ولفت نبيل باشا الى امور اجرائية، يجب على مقدمي المشروع التنبه اليها، ومن بينها ان هذا المشروع يصطدم بقوانين نافذة. وقال نبيل باشا: « الدستور يحضر اية تشريعات قانونية تهدف الى إلغاء ضريبة، وهذا المشروع يتضمن مواد تلغي ضريبة ايرادية مهمة في البلاد». لكن باشا ارشدهم الى أن «يوقع 20 نائبا على المشروع كي يتجاوز هذه العقبة».وشدد نبيل باشا على انه مع المشروع، ولكن «اذا استوى الشروط والاجراءات القانوينة». ولفت نبيل باشا، الى مشروع قانون «حضر التدخين في الأماكن العامة» الذي اقره المجلس، ولكن لم يلتزم به أحد، حيث نجد «ان هناك اعضاء مجلس نواب يدخنون داخل هذه القاعة».

 

عبدالرحمن الأكوع تحدث أمس أيضاً. وقال ان الفكرة جيدة، «لكن يجب على اصحابها التأكد من أن الشريحة المستهدفة: شريحة كبيرة جدا. ولا يمكن ان يتحقق النجاح دون ان نوجد البدائل».

 

واضاف الأكوع: «يجب على الدولة أن تشجع زراعة الخضار والفاكهة وتدعم المحاصيل الأخرى، لا يوجد سوق مركزي للخضار والفاكهة، توجد أسواق مجزأة ومتوزعه وغير منظمة». وكي ينجح المشروع، مطلوب ايضا أن تنشأ « مراكز اجتماعية على مستوى البلاد، وأن تنشأ أندية ومنتديات ومتنفسات وحدائق وملاعب، خصوصا في الريف لأن الريف اليمني مهمل، والريف هو المزارع والموردين للقات، وبالتالي كيف يمكن ان تكون هذه الفكرة واقعية». وتساءل الأكوع: « مطلوب بدائل.. مراكز استخدام الكمبيوتر والانترنت ومسابح ومتنفسات واسعة وأن تدرس الظاهرة ومشكلاتها بطرقة علمية ومنهجية واقعية». وطلب الأكوع من اللجنة ان تراجع القانون من جديد.

 

وجاء دور عبدالرحمن المحبشي، الذي كان يتصبب عرقا، اذ أصر على الرد..

 

المحبشي قاضٍ بشوش وصاحب مزاج، يعتمر تقبيعة القضاة ويجلس في قلب القاعة امام الكاميرا بشاربين ولحية محذفة من الأطراف ومصبوغة. وأحيانا، يرتدي القاضي المحبشي بدلة حديثة وكرفته، ويمشط رأسه، ثم «يزكن على مصور التلفزيون قبل أن يأخذ مكانه». ثم يستعد للكاميرا عندما تميل نحوه.

 

أمس، وبخلاف المعتاد، لم يستعد النائب عبدالرحمن المحبشي سوى للرد على منتقدي شجرة القات، والمطالبين بنزعها. كان غاضبا بالفعل، وكان يقف بين الحين والآخر يطلب الكلام بإصرار. وكان يشير باصبعه الى رئيس الجلسة :«خيرة الله عليك .. اديني الكلمة». وأخيرا جاء دوره.


وقف المحبشي متدفقا ضد المشروع ومحذرا: «احنا في حال وفاق، وهذا المشروع يضر بالتوافق، وهو مرفوض، مرفوض، مرفوض جملة وتفصيلا». واذ أيد ما ذهب اليه ىالقاضي الرقيحي والأكوع، انتقد المحبشي مقدمي القانون، قائلا: «هذولا مابش معاهم عمل.. هذا المشروع الهدف منه جمع المال وتمزيق الشمل واثارة مشكلة في البلاد». وقال ايضا، وبلهجة اهل المحابشة: «هذا المشروع بايفجر قنبلة في البلاد، ويجب أن يرفض ويتوقف فورا لأن الشعب اليمني في حال وفاق».


رغم ان نجيب غانم وضح بان ماذهب اليه نبيل باشا صحيح، الا أنه رئيس لجنة الصحة، أكد لهم بأن الموقعين على المشروع ليسوا 20%: «إنما اكثر من 90 نائبا موقعين عليه». رغم ذلك طعن ممثل مديرية صعفان في البرلمان، عبده بشر في جوانب اجرائية عدة في القانون. وقال بشر: «اولا.. يجب ان لا يتصادم مع قانون الضريبة، وثانيا يجب أن يسلك الطرق القانوني واللائحي السليم، وثالثا هذا المشروع غير واقعي ولا يستند الى دراسة جدوى علمية وموضوعية سليمة».


في الاتجاه ذاته، قام الشيخ محمد الحميري مزكيا كلام عبده بشر. ومذكرا اعضاء اللجنة بأن المستفيدين من شجرة القات مئات الآلاف من الأسر، وليسوا «مجموعة مخزنين في شقة». مضيفا: «يجب أن تكونوا واقعيين». ثم تساءل: «اولا هل هناك دولة قوية ستطبق هذا القانون أم انه سيضيف اليها اعباء فوق الأعباء وبالتالي سيخلق مشكلة اقتصادية واجتماعية في البلاد.. ماهي البدائل بالفعل».


جدال ساخن بالفعل. وتدخل رئيس كتلة المستقلين بمقترح وسط. قال الشيخ علي عبدربه القاضي: «هيا لا كن اسمعوني ياجن». واضاف، واحمد محمد الخولاني يشوش عليه، اذ يقعد بجواره، ويبدو من رافضي فكرة المشروع،لأنه يمثل مدينة ذمار في المجلس.


عموما واصل القاضي علي عبدربه كلامه، مقترحا بعض الحلول، هي: «أن تشكل لجنة برئاسة وزير الزراعة وعضوية الاتحاد الزراعي ووزراء الاعلام والمالية، وتدرس الظاهرة دراسة علمية معمقة وتطرح بدائل واقعية، ثم تقوم بمسح مزارع القات على مستوى الجمهورية لأن مزارعيه ومتعاطيه يمثلون الغالبية الساحقه من السكان، وليسوا قلة». وكان المحبشي والخولاني القاعدين جنبا الى جنب الى يمين رئيس كتلة المستقلين، يتمتمان: «لا لا.. لا». ويهزان رأسيهما، والقاضي تكلم ويدفع بيده كتف الخولاني قائلا: «خلني اكمل يا خولاني». والاخير يستغرب.


كانت جلسة ظريفة بالفعل، لكن مهمة. وكان مشروع القانون مثيرا للضحك لدى موظفي المجلس، الذين قال أحدهم ساخرا: «تخيل عندما يجوا العصر الى مبنى اللجان يناقشوا مشروع القانون وهم مبجمين، سيكون الأمر اكثر إضحاكا».



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك