محافظة الرئيس في قبضة اللجان الشعبية

محافظة الرئيس في قبضة اللجان الشعبية

تأسست اللجان الشعبية في مدينتي زنجبار وجعار قبل خروج أنصار الشريعة من المدينتين بفترة طويلة، بيد أن ولادتها الحقيقية كانت بعد خروج جماعة أنصار الشريعة منتصف يونيو من العام 2012.

 

ومؤخرا أصبحت هذه اللجان هي الحاكم الفعلي المسيطر على معظم مديريات المحافظة، وتتلقى دعما كبيرا من الدولة، كما أصبحت المستهدف الرئيسي من عناصر تنظيم القاعدة في أبين..

 

من هو مؤسس اللجان الشعبية؟

يعد الفدائي الشاب عبداللطيف السيد هو الأب الروحي للجان الشعبية في محافظة أبين، وخاصة في مدينتي زنجبار وجعار. قام بتأسيس اللجان الشعبية بمبادرة شخصية وكان يشن هجمات منفردة ضد القاعدة قبل خروجها من زنجبار. بعدها تجمّع حوله مجموعة من شباب أبين عقب أن ذاعت شهرته أرجاء المحافظة، كما صرح هو بذلك.

 

يعتبر السيد ممن يطلق عليهم «السادة الأشراف» في أبين، ويقال إن أصوله تعود إلى محافظة الحديدة، وقد ارتبط بعلاقة مصاهرة مع آل فضل، حيث تزوج من قبيلة المراقشة كبرى قبائل آل فضل.

 

يتميز رئيس اللجان الشعبية عبداللطيف السيد بشجاعة نادرة وقوة شخصية، حسب ما يروى وعُرف عنه. وبسبب مجاهرته بمعاداة «القاعدة» تعرض لأكثر من ثلاث محاولات اغتيال، كان آخرها في 22 سبتمبر الماضي أثناء تواجده بمحافظة عدن في حي الشابات بمديرية خور مكسر.

 

ولعلّ الحقيقة التي مازالت بحاجة إلى توضيح في شخصية عبد اللطيف السيد أنه لم يكن يوماً مع القاعدة، كما روّج البعض، ممن اعتبروه قيادياً في التنظيم وانشق عنهم. والواقع أن سيطرة القاعدة وقوّتها في البداية أجبرته على التزام الصمت وعدم الجهر بعداوتها ومخالفتها في كثير من الأمور. ومما يؤكد ذلك أن السيد لم يبايع زعيم القاعدة في أبين أبو علي الحضرمي كما هو حال أعضاء التنظيم، مما جعله محل شك وريبة من قبل عناصر القاعدة في أبين. بل يتحدث عناصر القاعدة في تلك الفترة (كما سمعت بنفسي شخصياً) بأن مسألة طردهما (هو وسامي ديان) من أبين كانت مسألة وقت ليس إلا، وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.

 

بداية تأسيس اللجان الشعبية

كانت الولادة الفعلية للجان الشعبية في أبين - كما أشرنا سابقاً-  بعد خروج «أنصار الشريعة» من المحافظة، حيث قامت بحفظ الأمن وتسيير شؤون المحافظة في ظل غياب كلي للدولة في أبين. بل مما يحسب للجان الشعبية – كما يؤكد العديد من السكان - أنها أجبرت الجيش على المحاربة الجدية للقاعدة بعد الانتصارات التي حققتها بمساندة القبائل في أبين ضد القاعدة.

 

وبعد خروج القاعدة من زنجبار، تولت اللجان الشعبية مهمة الحفاظ على الأمن وحماية المرافق الحكومية من النهب التي قد يطالها بسبب فراغ المحافظة من القوات الأمنية.

 

يعد الفدائي الشاب عبداللطيف السيد الأب الروحي للجان الشعبية في مدنيتي زنجبار وجعار

وخلال فترة وجيزة استطاعت أن تفرض الأمن وحماية ممتلكات المواطنين وخاصة في مدينة زنجبار نتيجة عدم عودة مواطنيها من عدن بسبب تدمير منازل معظم المواطنين هناك، وهذا شكل مصاعب جمّة ومشاقاً لا حصر لها نتيجة الإمكانات الشحيحة لأفرادها في تلك الفترة كما يؤكد الكثير من أفرادها.

 

تجاوزات اللجان الشعبية

بعد خروج «أنصار الشريعة» من زنجبار في 12 يونيو 2012، زرت مدينة جعار، وهناك كانت المفاجأة: لقد سمعت المواطنين يصفون عناصر في اللجان الشعبية بأنهم «مجموعة من اللصوص وقطّاع الطرق»! كان ذلك بسبب النهب الكامل للمرافق الحكومية في المدينة، والتي ظلت طوال حُكم أنصار الشريعة كما هي باستثناء المقار الأمنية.

 

توجّهنا إلى قيادات اللجان وطرحنا عليهم تلك الاتهامات التي يكيلها المواطنون ضدهم، فكانت الإجابة: «إن جماعة أنصار الشريعة خرجت من جعار السادسة صباحاً بصورة مفاجئة، ولم ينتبه أعضاء اللجان لذلك إلا قريب الظهر حينها قامت بالانتشار الكامل في المدينة، واعترفوا بأن بعض أفراد اللجان شاركوا بعملية النهب مع المواطنين، ولكنها حالات فردية وقد تم إيقافهم» حد قولهم.

 

ولكن تجاوزات عديدة من قبل اللجان الشعبية وقعت بعد ذلك، وخاصة بعد التفجير المروّع الذي استهدف مخيم العزاء في منطقة المشروع شمال مدينة جعار الذي أقامه قائد اللجان الشعبية عبداللطيف السيد لأبن أخيه هاشم عارف السيد الذي توفي متأثرًا بإصابته في اشتباكات بمدينة جعار.

 

وهز الانفجار الذي وقع منتصف ليل السبت 16 رمضان 1434هـ الموافق 4 أغسطس 2012 مدينة جعار، وراح ضحيته 52 قتيلاً وحوالي 60 جريحاً، وقد قتل في الانفجار ثلاثة أشقاء لعبداللطيف السيد، بينما أصيب شقيقهم الرابع عبدالسلام بإصابة خطرة، إضافة إلى مقتل ثلاثة أشقاء هم: علي وفضل وفتحي الحوشبي ورابع ابن شقيقتهم. وكان ضمن القتلى مسؤول محلي في مديرية خنفر واثنان من مرافقي وكيل محافظة أبين أحمد الرهوي.

 

ورغم بشاعة المجزرة والإدانة الواسعة التي تبعتها (دولية أو محلية) إلا أن اللجان الشعبية ردت بطريقة متشنّجة وغير عقلانية على تلك الحادثة المؤلمة، حسب بعض السكان. وبحسب مصادر محلية فقد تم تصفية كثير من المشتبهين بل والأبرياء خارج إطار القانون. وكان مقتل مزهر ومحمد جمال أولاد الدولة بصورة بشعة بعد الحادثة خير شاهد على ذلك. كما تقول المصادر.

 

لم يتوقف مسلسل الانتقام عند ذلك الحد. بل تبعه تصفية العديد من المشتبهين بدون تقديمهم للمحاكمة، مما ولد حقداً كبيراً ضد أفراد اللجان الشعبية من قبل ذوي القتلى، واستهجاناً عاماً من قبل مواطني أبين.

 

لقد أدت تذمرات المواطنين بقائد اللجان الشعبية عبداللطيف السيد إلى الاعتراف بتلك التجاوزات دون تحديد الجناة مع تقديم الوعود بمحاسبتهم، وبرر تلك التجاوزات بأن جريمة مخيم العزاء كانت مروعة وأفقدت اللجان صوابها.

 

ورغم توقف الانتهاكات والتجاوزات بعد ذلك من قبل اللجان الشعبية إلا أن محاولة اغتيال قائد اللجان الشعبية عبداللطيف السيد نفسه، مساء السبت 22 سبتمبر 2012م، والتي تعد الرابعة في مسلسل محاولات الاغتيال لقائد اللجان الشعبية، إلا أنها الأخطر، كان لها دور في فقدان اللجان الشعبية صوابها ومعاودتها ارتكاب تجاوزات مرّة أخرى.

 

وأفاد سكان محليون بمدينة جعار بأن مجموعة تزيد عن 8 أشخاص من أفراد اللجان الشعبية بالمدينة قاموا صباح اليوم التالي من محاولة اغتيال السيد بمداهمة منزل عائلة عبدالجبار ومطعماً ومحلاً للاتصالات تعود لملكية العائلة، والعبث بمحتوياتها، بعد أن اشتبهت اللجان بأن أحد أبناء عائلة عبدالجبار هو من قام بتنفيذ العملية الانتحارية التي استهدفت زعيمهم.

 

ولم تقتصر ردة فعل اللجان على ذلك فقط، بل قامت باعتقال بعض مواطني المدينة للتحقيق معهم.

 

وبعد حوالي شهر من محاولة الاغتيال تلك، كشفت وزارة الداخلية أن منفذ العملية من أبناء مديرية البريقة بمحافظة عدن، غير أن اللجان أو الدولة لم تقدم تعويضا لعائلة عبدالجبار. ليس ذلك فقط بل حتى لم يقدم لهم مجرد اعتذار. كما تقول مصادر محلية.

 

لجان شعبية من الأطفال

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو 2000م، الاتفاقية الخاصة بحقوق الأطفال، والذي يمنع الحكومات والجماعات المسلحة من استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة في أي شكل من أشكال الصراع المسلح. ووقعت أربع وتسعون دولة على البروتوكول الاختياري التابع للاتفاقية منها اليمن.

 

لكن يبدو أن هذه الاتفاقية تتوقف عند حدود اليمن، ففي أبين تقوم اللجان الشعبية بتجنيد الأطفال تحت سن 18 سنة. وهذه الحقيقة لا تخطئها العين، ويكفي أن تقوم بجولة في مدينتي زنجبار وجعار لترى الأطفال وهم يتمنطقون السلاح بفخر، فيما بعضهم يتحكم بك في نقاط التفتيش.

 

وفي حرب لودر مطلع أبريل 2012 حينما كنا نرى الأطفال وهم يحملون السلاح، كان يتم تبرير ذلك بأن حصار القاعدة لمدينة لودر جعل كل سكان المدينة في حالة استنفار دائم، ولكن سمعنا بعد ذلك أنه تم رفع أسماء لوزارة الدفاع بكل من شارك في حماية المدينة لترتيب أوضاعهم ومنهم أولئك الأطفال، البعض يرجع اهتمام اللجان الشعبية بتجنيد الأطفال إلى الالتفاف على مخصصاتهم أو إعطائهم نصفها فقط، دونما إشراكهم في أي أعمال قتالية أو أمنية.

 

هيكلة اللجان الشعبية

اللجان الشعبية في أبين فكرة رائدة وجريئة، ويراها البعض بمثابة الوجه الآخر للسلطة المحلية، ولكن بعض المتابعين يرون أن تسليم محافظة أبين للجان الشعبية كان مقابل تخلي الدولة عن مسؤولياتها الأمنية والخدمية في المحافظة إثر خروج مقاتلي القاعدة منها، لذلك فإن عودة الأجهزة الأمنية إلى المحافظة يبدو حلماً بعيد المنال.

 

وكيل محافظة في أبين: اللجان الشعبية في أبين تحتاج إلى هيكلة لمعرفة عدد أفرادها والمخصصات التي تصرف لها.. والمهام المناطة بها

وتدور معلومات أن اللجان الشعبية هي من تعرقل ذلك، هكذا يعتقد البعض في أبين، ولعل حادثة طرد كتيبتين من الأمن المركزي من قبل اللجان الشعبية قبل حوالي شهرين بذريعة أن أحد الجنود قام بنهب أحد المنازل في زنجبار، يبدو تبريرياً مضحكاً. حسب أحد المصادر.

 

اللجان الشعبية في أبين تحتاج إلى هيكلة لمعرفة عدد أفرادها والمخصصات التي تصرف لها والمهام المناطة بها، حتى لا يتحول دورها إلى دور عكسي - بحسب محمد صالح هدران وكيل محافظة أبين الأول، في حوار أجرته معه صحيفة «الأمناء»، والذي أضاف: «لا يوجد لها أي نظام يحدد مهامها ومسؤولياتها وآلية عملها. أما بخصوص علاقتها بالأمن والإمكانيات المصروفة لها فهناك اختلالات شابت تشكيلها وتسيير عملها حيث تصرف مرتبات لأفراد وهميين وغير موجودين في الواقع» - حد قوله.

 

وبشأن الأسماء الوهمية، كشفت بعض المصادر الإعلامية أن هناك أكثر من عشرين ألفا من الأسماء الوهمية تتبع اللجان الشعبية في محافظة أبين.

 

أما بخصوص الدعم المقدم للجان الشعبية فهو «بلا حدود»، لكن لم تعرف أرقام معينة، ويعد الحديث عن هذه الأمور خطاً أحمراً. لكن معلومات غير مؤكدة أوردتها وسائل إعلام في وقت سابق قالت إن إحدى دول الجوار تقدّم مليار ريال شهرياً للجان الشعبية، هذا غير ما تقدّمه وزارة الدّفاع، وبعض الدول الصديقة الداعمة لمحاربة «الإرهاب». لكن لم يتسن التأكد من ذلك من مصادر مستقلة.

 

وأياً تكن الحقيقة يطالب المواطنون في أبين بإلحاق أفراد اللجان الشعبية بوزارة الدّفاع وإلزامهم بلبس زي موحّد، وصرف جميع مستحقاتهم وتأهليهم من جميع الجوانب، حتى لا يلتحق بهم من ليس منهم، ومحاسبة كل من حصل منه تقصير أو تجاوز من أفراد اللجان الشعبية ضد المواطنين في أبين. خاصة وأن تجاوزاتهم طالت المحافظ نفسه عندما تم محاصرته في منزله بسبب إيقاف رواتب 280 منهم. وهو إجراء قام به المحافظ عندما حاصر أفراد اللجان رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة عند زيارته الأخيرة لزنجبار وطالبوه بسرعة إعادة إعمار المحافظة. وهو ما جعل المواطنين يشعرون بالريبة من تصرفات بعض أفراد اللجان، وأنها قد تتحوّل إلى غول يلتهم المحافظة، طالما وأنهم لا يحترمون من هم أعلى منهم منصباً ومكانة. حسب بعض المتحدثين من السكان.



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك