الرحلة المأساوية للريال اليمني

الرحلة المأساوية للريال اليمني

انخفضت قيمة الريال اليمني، وأصبح يمثل ما يقارب 6 % من قيمته عام 1990، حيث انخفضت قيمته إلى 214 ريالا للدولار، بفارق 202 ريال عمّا كانت عليه في 1990م، وزاد راتب الجندي أكثر من 14 ضعفا من 2300 ريال إلى 35000 ريال خلال الفترة نفسها، وتعتبر هذه الزيادة غير حقيقية؛ لأن القيمة الفعلية للراتب انخفضت ما نسبته 14 %  من 190 دولارا إلى 136 دولارا.

 

- تاريخيا

يعتبر الريال اليمني العُملة النقدية الوطنية للجمهورية اليمنية. فبعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، قامت وزارة الخزانة آنذاك بصك الريال الجمهوري، كأول عُملة وطنية في أواخر عام 1963. كما أصدرت مجموعة من المصكوكات كان يطلق عليها "البقشة"، وكان الريال يساوي 40 بقشة.

 

 وفي الجنوب، بعد قيام ثورة 14 أكتوبر1963، أُنشئت مؤسسة النقد للجنوب العربي، التي وضعت الدينار اليمني للتداول في شهر نيسان 1965 كأول عُملة وطنية خاصة بجنوب الوطن.


وفي مايو 1990، اعتبر الريال والدينار وحدتي العُملة الرسمية لليمن، وأن كلا منهما قابلٌ للتداول ووسيلة دفع بقيمة تبادلية 26 ريالا للدينار.

 

 واستمر الدينار والريال يتداولان معاً حتى عام 1996، حين سُحب الدينار من التداول خلال فترة 3 أشهر في أعقاب صدور ورقة الـ 200 ريال في مارس 1996، ومنذ 11 يونيو 1996 أصبح الريال العُملة الوحيدة لليمن.

كانت قيمة الريال في بداية الستينات أكبر من قيمة الدّولار، وبعدها أصبح كل دولار يساوي ريالا وربع. وفي الفترة من 73 – 82، استخدم البنك المركزي آنذاك نظام سعر الصرف الثابت عند 4,5 ريال لكل دولار.

 

وبدأ الريال يفقد قيمته تدريجيا منذ 1983م حتى 1989م، فكانت السلطات النقدية تقوم بتخفيض قيمة الريال، وعلى فترات متباعدة، حيث تراجعت قيمة الريال إلى أكثر من 90 % خلال تلك الفترة. فقد بلغت قيمة الريال أمام الدولار 9,70 ريال للدولار.

 

- بعد قيام الوحدة

ومع بداية 1990م، ارتفع سعر صرف الدّولار مقابل الريال، حيث وصل إلى ما يقارب 12 ريالا للدولار، واستمر الريال في الانخفاض وبصورة كبيرة حتى وصل إلى ما يقارب 140 ريالا للدولار مع نهاية 1994م، حيث انخفضت قيمة الريال وأصبح يمثل ما يقارب 10 % من قيمته 1990م. ومن الأسباب التي أدت إلى تدهور قيمة الريال اليمني تخلّي البنك المركزي عن دوره في توفير النقد الأجنبي لتمويل احتياجات التجارة لعدم قُدرته على ذلك. وأدت عوامل عدم الاستقرار النقدي والمالي وانخفاض التحويلات والمساعدات بسبب أزمة الخليج وعدم الاستقرار السياسي إلى تفاقم فائض الطلب على العُملات الأجنبية وزيادة المضاربة بالدولار وهروب رأس المال الوطني إلى الخارج بالإضافة إلى انتشار ظاهرة زيادة الطلب على الدولار وبالتالي تدهور أكبر في قيمة الريال اليمني، وتعتبر هذه المرحلة من أسوأ المراحل التي مرّ بها الاقتصاد الوطني.

 

ومثل انخفاض سعر الريال وتدهوره أهم سمات هذه المرحلة، حيث تدنّى مستوى دخل الفرد  وصاحبه ارتفع جنوني في الأسعار مع زيادة معدلات التضخم، وزيادة حجم البطالة، حيث كان راتب الجندي في الجيش والأمن في عام 1990م 2300 ريالا، أي ما يعادل 190 دولارا، وأصبح 4000 ريال في 2004 أي ما يعادل 28,57 دولارا.

 

وواصل الريال انخفاضه حتى وصل إلى 160 ريالا للدولار خلال 1995م، خصوصا بعد قيام البنك المركزي باتباع نظام سعر الصرف الحُر (التعويم) مع التدخل من وقت لآخر في محاولة للحفاظ على استقرار سعر الريال والحد من تدهوره. وأصبح راتب الجندي 31 دولارا، حيث كان الراتب 5000 ريال تقريبا، وأصبحت الزيادة تمثل ما نسبته 117 %، لكنها زيادة وهمية. فبالأساس أصبح الراتب لا يمثل إلا 20 % تقريبا من قيمته الفعلية 1990م. هذا الأمر زاد من مُعاناة الناس ووسّع دائرة الفقر والفقراء، حيث انخفضت قيمة الريال وأصبح يمثل 9 % تقريبا من قيمته عام 1990.

 

واستمر الريال في الانخفاض حتى وصل إلى 180 ريالا للدولار عام 2000، بعد خضوع سوق الصرفة لعملية العرض والطلب، حيث انخفضت قيمة الريال وأصبح يمثل 8 % تقريبا من قيمته في عام 1990.

 

وأصبح راتب الجندي ما  يعادل 55 دولارا، حيث كان 10000 ريال تقريبا، وأصبحت الزيادة تمثل ما نسبته 100 %. فقد زاد الراتب بنسبة 17 % زيادة فعلية عمّا كان عليه في عام 1995.

واستمرار انخفاض قيمة الريال إلى أن وصل إلى 184 ريالا في الأعوام (2000 - 2003م)، وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في الأسعار.

 

- منذ 2005 - 2112م..

استمر الريال في الانخفاض حتى وصل إلى 200 ريال للدولار عام 2005، حيث أصبح راتب الجندي ما  يُعادل 110 دولارات، حيث كان 22000 ريال تقريبا، وأصبحت الزيادة تمثل ما نسبته 120 %، وبزيادة فعلية عمّا كان عليه في عام 1995م بنسبة 25 %.

 

وكان راتب الموظف في القطاع المدني حوالى 2800 ريال، أي ما يعادل 140 دولارا في 2005. حيث انخفضت قيمة الريال وأصبح يمثل 6 % تقريبا من قيمته عام 1990.

 

وشهد استقرارا عند حاجز 200 ريال للدولار مع تقلّبات بسيطة وصلت في أواخر 2009م إلى 205 ريالات للدولار.

 

وفي يوليو 2010، شهد الريال أسوأ أزمة، إذ تدهورت قيمته بصورة مفاجئة وسريعة، حيث تجاوز سعر صرف الدولار حاجز الـ 250 ريالاً، خلال أسبوع. ثم تراجع إلى 240 ريالاً، مسجلاً بذلك صعوداً مقداره 14ريالاً وبنسبة 6,2 % مقارنة بسعر 226 ريالاً أواخر مارس. وبذلك يكون الريال اليمني قد فقد نحو 20 % من قيمته خلال الستة الشهور الأولى من 2010، حيث انخفضت قيمته وأصبح يمثل 5 % تقريبا من قيمته عام 1990.

 

وباحتساب أن سعر الصرف استقر عند 226 ريالا للدولار وراتب الجندي وصل إلى 25000 ريال أي ما يعادل 111 دولارا، فيما كان راتب الموظف المدني 32000 ريال ما يعادل 142 دولار.

 

- خلال أحداث الثورة الشبابية الشعبية

يعتبر 2011م الأسوأ على اليمنيين في شتّى المجالات، وبالأخص القطاع الاقتصادي وقطاع الخدمات. شهد الريال خلال أحداث الثورة الشبابية الشعبية تقلّبات كانت الأحداث السياسية تتحكم فيها، حيث تجاوز سعر الصرف 147 ريالا للدولار، ثم تراجع ليستقر عند 240 ريالا للدولار، وبذلك أصبح راتب الجندي 32000 ريال تقريبا ما يعادل 133 دولارا، وأصبح راتب الموظف المدني 35000 ريال تقريبا، ما يعادل 145 دولارا، حيث انخفضت قيمته وأصبح يمثل 5 % تقريبا من قيمته في 1990م.

 

وشهد العام 2011 ارتفاعا جنونيا في الأسعار، وقلّة القدرة الشرائية للمواطن، وانعدام فرص العمل، وتسريح عمّال القطاع الخاص، مما أدى إلى زيادة العاطلين عن العمل وزيادة معدل الفقراء، وأصبح أكثر من 50 % من السكان تحت خط الفقر، وأغلب الناس بلا دخل ما عدا موظفي الجهاز الإداري للدولة، وقليل من موظفي القطاع الخاص.

 

- حكومة الوفاق

شهدت القيمة الشرائية للريال اليمني مقابل الدولار  في سوق الصرف المحلي استقرارا منذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني. حيث استقر سعر الصرف عند 214 ريالا، حيث انخفضت قيمته وأصبح يمثل 6 % تقريبا من قيمته في عام 1990، وارتفعت معها رواتب الموظفين، حيث وصل راتب الجندي إلى 35000 ريال تقريبا ما يعادل 163 دولارا. وشكلت الزيادة في راتب  الجندي أكثر من 14 ضعفا بالصيغة الحسابية، لكن بالقيمة الفعلية والقوة الشرائية انخفضت قيمة الراتب 14 % عمّا كان عليه في 1990م، بزيادة عمّا كان عليه في 2005م بنسبة 48 %.

 

وأصبح راتب الموظف المدني 40000 ريال أي ما يعادل 186 دولارا، وبزيادة عمّا كان عليه في 2005م بنسبة 32 %.

 

- رأي اقتصادي

ويرجع مصطفى نصر -رئيس مركز الدراسات للإعلام الاقتصادي- أسباب استقرار العُملة إلى السياسة النّقدية الجيّدة إلى حد ما، التي انتهجها البنك المركزي خلال الفترة الماضية عن طريق الحد من تصدير العُملة الأجنبية، وكذلك مراقبة سوق الصرافة والحد من التلاعب.

 

مشير إلى أن الدور الذي قامت به البنوك الإسلامية عن طريق ضخ الكثير من العُملة الأجنبية  عبر إصدار الصكوك الإسلامية، بالإضافة إلى المنحة السعودية التي قُدّمت للحكومة اليمنية، والتي تقدر بمليار دولار، ساهمت في حالة استقرار الريال مقابل الدولار.

 

معتبرا أن انخفاض قيمة الريال مقابل الدولار خلال السنوات الماضية كانت لأسباب غير طبيعية عن طريق المضاربة. ونجح البنك المركزي خلال هذه الفترة في الحد من هذه الأحداث، بالإضافة إلى الاستقرار السياسي، ابتداءً من توقيع المبادرة الخليجية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإجراء الانتخابات الرئاسية وشعور الناس بحالة من الاستقرار، أدت إلى خلق نوع من الثقة.

 

واستبعد أن ينخفض الريال خلال الفترة المقبلة، متوقعا أن يظل الريال محافظا على مستوياته الحالية مع تذبذبات بسيطة ارتفاعا أو انخفاضا، ولكن الأرجح أن يظل في مستواه الحالي.

 

- تحت الصور

 

أدى انخفاض قيمة الريال إلى الزيادة في الأسعار وارتفاع نسبة التضخّم، ما أدى إلى إصدار أوراق نقدية جديدة ذات قيمة شرائية كبيرة (500 ريال و1000 ريال) هذا بدوره ألغى أوراق نقدية ذات قيمة منخفضة مثل: "ريال، خمسة ريالات، عشرة ريالات، عشرون ريالا".



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك