أضحت جملة «صنع في الصين» نغمة عابرة للقارات أكثر مما هي عليه وجبة ماكدونالز الأميركية

أميركا منقسمة.. وتتقشف

مبنى الكونجرس الامريكي

(هذه المقالة مكرسة لانطباعات وتحليلات مصدرها زيارة لأربع ولايات أميركية هي واشنطن دي سي وكاليفورنيا وويسكونسن وجورجيا من 20 أكتوبر حتى 10 نوفمبر 2012 عبر برنامج الزائر الدولي الذي تنظمه وزارة الخارجية الأميركية والملحقية الثقافية في السفارة الأميركية بصنعاء).

 

ما من فرصة مثالية لرؤية الأميركيين يتصرفون على سجيتهم أفضل من زيارة مدينة أميركية حيوية مثل سان فرانسيسكو أواخر أكتوبر الماضي.

 

ففي هذا التوقيت كانت حملة انتخابات الرئاسية الأميركية في ذروتها قبل أسبوع واحد من يوم الاقتراع، وأحرز فريق سان فرانسيسكو جينتس بطولة العالم للبيسبول ثم حلً عيد الهالووين.

 

تستقبل الولايات المتحدة الأميركية زائريها بحذر رسمي وأجواء متثائبة كأنها قد استكانت للهم الاقتصادي الذي رضخت له القوة الاقتصادية الأولى في العالم، متخلية عن  كبريائها المكلفة.

 

في مطار واشنطن دالاس حيث يصل غالبية المسافرين إلى العاصمة الأميركية عبر أوروبا، تتجسد أميركا المتوجسة من الأجنبي القادم، كأبرز إرث نفسي لهجمات سبتمبر الإرهابية، في تلك الطوابير الطويلة التي ينتظم فيها مئات القادمين بانتظار إتمام الإجراءات الأمنية الصارمة أو الكلاب البوليسية الضخمة وهي تتفحص القادمين بهمة مخيفة.

 

كان الخريف قد نثر أوراق الكرز في واشنطن العاصمة على امتداد الأرصفة المحاطة بمعالم المدينة الممزوجة بذائقة فرنسية وتصميم يقتفي الطراز اليوناني. وتتضافر مشاهد عدة لتسوغ للزائر تشكيل انطباع بأن القوة العظمى التي تصارع الأزمة الاقتصادية قادمة على خريف آخر يزور الإمبراطوريات المجهدة.

 

ترميمات وأعمال صيانة متعددة لشوارع ومبان في واشنطن تجري ببساطة وتقشف واضحين فيما تستحوذ السيارات الأوروبية واليابانية على طوابير السيارات في سائر المدن الأميركية، وهنا فقط في أميركا يتسنى لصائدي المفارقات ضبط علامات متعددة للتقشف في موطن الرأسمالية الأكبر وحارس قيمها.

 

ومع أن المناظرة الثالثة التي جرت يوم 23 أكتوبر بين المرشح الديمقراطي باراك أوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني كانت مخصصة للسياسة الخارجية إلا أن المرشحين مالا قليلاً للجدال في الشأن الاقتصادي؛ ذلك الهم المقيم لدى الأميركيين منذ بدء الأزمة الاقتصادية.

 

قال أوباما «إحدى التحديات التي واجهناها في البلدان التي حكمناها (أفغانستان والعراق) خلال السنوات الأخيرة أننا حاولنا بناءها وأهملنا اقتصادنا وقطاعنا التعليمي وقطاع الطاقة أيضاً. لا يمكن أن نعطي دروساً في العالم دون أن نطبقها في بلادنا».

 

واستطرد يرد على رومني الذي روج لزيادة الإنفاق العسكري وهاجم سياسات خصمه العسكرية متهماً إياه بتقتير الإنفاق على القوات المسلحة وإضعاف النفوذ الأميركي حول العالم «العالم يحتاج إلى أميركا قوية (..) لكن من المهم أن نعيد بناء أميركا وهذه خطتي: لنعد أولاً الوظائف الصناعية إلى بلادنا وهذا ما فعلته حين ساعدت صناعة السيارات ويجب أيضاً أن نفعل كل ما ينبغي كي نخلق فرص عمل للغد لا سيما في مجال الطاقة».

 

نغمة عابرة للقارات

أضحت جملة «صنع في الصين» نغمة عابرة للقارات، ربما أكثر مماهي عليه وجبة ماكدونالز الأميركية وباقي صناعات الشركات الأميركية العابرة للقارات.

 

أضحت جملة «صنع في الصين» نغمة عابرة للقارات ربما أكثر مما هي عليه وجبة ماكدونالز الأميركية

وأفضل مجس لقوة الصين الاقتصادية الناهضة ستكون السوق الأميركية حيث تهيمن الصناعات الصينية لتغطي سائر استخدامات الأميركيين في وقت يزداد الاشتباه الأميركي في أن الصين مصدر لهجمات الكترونية، تخترق بيانات الأميركيين بما فيها رسائل كبار الموظفين وتسرق كماً هائلاً من المعلومات.

 

لوجبة الغداء نكهة مختلفة داخل مطعم بسبويس آند بويتس، حيث تجلس على الجانب الآخر من الطاولة مسؤولة برنامج الشرق الأدنى وشمال إفريقيا وجنوب ووسط آسيا في مكتب الزائرين الدوليين إليزابيث جوميز وموظف آخر من الخارجية الأميركية.

 

والحديث الذي سيدور على هامش الغداء هو ما سيضفي على اللقاء طابعاً آخر بعد أن قال لنا الأميركيون إن المسؤولين الحكوميين يتحدثون بلا تحفظ حين يشتركون في لقاءات يضمنون عدم نشر ما يدور فيها ولنا أن نسألهم عما نشاء.

 

كان يدافعني شغف لأسمع ما يقوله الأميركيون عن الصين وكان في متناولي على الطاولة كوب ماء مطبوع على أرضيته بخط واضح «صُنع في الصين» فرفعته أمام ناظري إليزابيث وزميلها وسألتهما: «الصين حاضرة هنا بكثافة، هل تتوجس أميركا من هذا، وكيف هي نظرتها للصعود الصيني؟».

 

وجاء الجواب ضحكة عميقة من السيدة التي تستشرف عقدها الخامس وضحكة مماثلة من زميلها ثم عبارات لا تختلف كثيراً عما يجري على ألسنة الدبلوماسيين من الكلام.

 

لكن ما لم يقله موظفا الخارجية في الصين خلال ذلك النهار قاله مرشحا الرئاسة في المساء في أثناء مناظرتهما الثالثة التي خُصصت للسياسة الخارجية، إذ شن مرشح الحزب الجمهوري ميت رومني هجوماً شديداً على الصين وتعهد بانتهاج سياسة حازمة في التعامل معها إذا فاز بالانتخابات.

 

وحاول باراك أوباما أن يكون أقل حدة في الحديث إلا أنه لم يجد بداً من مجاراة رومني ما دام حديثه موجهاً إلى ناخبين يريدون أميركا قوية. قال أوباما وهو الذي بدا متسامحاً بالمقارنة مع منافسه كلاماً محتداً بشأن الصين التي «تغرق أسواقنا بالإطارات الصينية الرخيصة» ليخلص إلى أنها «خصم لكن في الوقت نفسه شريك محتمل إذا اتبعت القواعد».

 

أضاف أوباما: سنصر على أن تلعب الصين بنفس القواعد التي يلعب بها الآخرون.

 

اضغط على الصورة لمشاهدتها بصورة أكبرأما رومني فشن هجوماً حاداً، قائلاً «إذا كنا نبحث عن علاقات مع الصين فيجب أن تسير (العلاقات) في صالحنا. لقد لاحظت خلال السنوات الماضية إغلاق شركاتنا لأن الصين لا تلتزم بنفس القواعد المنظمة. هم يقدمون بضائع رخيصة بطريقة أكثر تنافسية ونحن نخسر الوظائف».

 

وأردف المرشح الجمهوري: هم يسرقون اختراعاتنا ويخترقون حواسيبنا. لا يوجد توازن مع الصين لأنهم يخفضون عملتهم (..) لكن هذا الأمر يجب ألا يستمر. يجب ألا يستمروا في خفض عملتهم وسرقة اختراعاتنا وبراءات الاختراع خاصتنا وأفكارنا ثم يبيعوا هذه الأشياء في بلادنا.

 

يمضى رومني في القول «لاحظنا أن كثيراً من الأجهزة التي تردنا من الصين تأتي بنفس الأرقام المتسلسلة؛ إنهم يسرقون الأرقام المتسلسلة الخاصة بالمنتجات الأميركية. أنا ابحث عن علاقات تجارية قوية مع الصين، يمكن أن يكونوا شركاء لكن يجب ألا يستمروا في سرقة وظائفنا».

 

لا بد أن الصعود الصيني قد بات هاجساً سيئاً ينتاب الأميركيين، فبعيداً عن واشنطن العاصمة، قيل لنا في صنعاء «ستزورون مدينة ميلواكي في ولاية ويسكونسن وهي مدينة صناعية سكانها فقراء». وحين سألت متعجباً: كيف يجتمع فقر وصناعة؟ رد مسؤول في الملحقية الثقافية بسفارة واشنطن ان المصانع قد أغلقت نتيجة الأزمة الاقتصادية والصناعات الصينية.

 

أميركا المنقسمة

في الطابق الرابع من مقر صحيفة ذي أتلانتا جورنال كونستيوشن بمدينة أتلانتا، استرسل مدير الصحيفة بيرت روتن في الحديث عن تأثير الأزمة الاقتصادية وكيف تعاملت معها صحيفته، ثم خلص إلى تشبيه الانقسام الذي شهدته الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالانقسام الذي أعقب الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر.

 

يشبه صحفي أميركي انقسام الأميركيين الذي رافق الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالانقسام الذي أعقب الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر

بدا لي هذا التشبيه مبالغاً فيه فذكرت روتن بالانقسام السياسي المعتاد الذي يرافق الانتخابات الرئاسية إلا أنه استشهد بأرقام ونسب مغايرة تمخضت عنها الانتخابات الأخيرة.

 

محقٌ هو روتن في تحليله، إذ طبقاً لخبر نشرته وكالة رويترز أظهر استطلاع لآراء ناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع أن المرشح الجمهوري ميت رومني حصد أصوات الناخبين البيض ذكوراً وإناثاً في حين تفوق الرئيس باراك أوباما على منافسه بفارق كبير بين جميع المجموعات العرقية الأخرى.

 

وكشف الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة إبسوس لمصلحة رويترز أن الناخبين الذكور من البيض اختاروا رومني بفارق 20 نقطة مئوية، وخسر أوباما أصوات البيض في سائر أنحاء البلاد بواقع 21 نقطة باستثناء ولاية أوهايو حيث خسر أصوات البيض بواقع 12 نقطة فقط.

 

إضافة إلى ذلك فالانتخابات الرئاسية الأخيرة هي ثاني انتخابات على التوالي لم يتمكن فيها المرشح الجمهوري من الفوز بأكثر من صوت واحد من كل ثلاثة أصوات للناخبين الأميركيين من أصول لاتينية.

 

هذه المعدلات تسلط الضوء على العلاقة المستقبلية التي يمكن أن تحكم اختيارات الناخبين الأميركيين وقد تقتفي المثال الذي جسدته دوافع الاختيار في انتخابات 2012 فيمنح الأميركيون من الأصول اللاتينية والأسيوية والإفريقية أصواتهم لمرشح الحزب الديمقراطي نتيجة موقف الجمهوريين المتشدد حيال قضايا متنوعة أبرزها الهجرة.

 

أميركا منقسمة إذن.. وعليلة في اقتصادها، تجهد لتتعافى من أسوأ ركود يضرب اقتصادها خلال 80 عاماً، ولذلك تغلب أوباما على غريمه الجمهوري في ولاية أوهايو التي تذهب أصواتها في الغالب لمصلحة الجمهوريين لدعمه إنقاذ صناعة السيارات المتركزة في هذه الولاية حيث وظيفة واحدة من بين كل ثماني وظائف ترتبط بهذا المجال.

 

وإجمالاً، دُفع أوباما إلى فترته الرئاسية الثانية من بوابة الاقتصاد كما يعتقد غالبية المحللين الأميركيين مع أن اقتصاد بلادهم لم يتحسن كثيراً لكن الخطوات التي اتخذها الرئيس لدعمه كانت كبيرة ومتعددة.

 

دُفع أوباما إلى فترته الرئاسية الثانية من بوابة الاقتصاد

الاقتصاد هو كلمة السر المطلقة في أميركا. وهذه إحدى الحقائق الأميركية التي لا تقبل الجدل، إلى حد أن وزير الخارجية الجديد جون كيري قال للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ يوم 24 يناير في أثناء ما كان يوضح القواعد العريضة التي سيقود بها سياسة بلاده «السياسة الخارجية هي سياسة اقتصادية. من المهم أن نظهر للناس في شتى أنحاء العالم أن بوسعنا أداء عملنا بفاعلية وفي الوقت المناسب».

 

وفي 12 فبراير الماضي، هيمنت قضايا الاقتصاد الأميركي على خطاب الرئيس أوباما عن حالة الاتحاد الذي تعهد فيه بمنح قضايا الاقتصاد اهتمامه الأول، مطالباً الكونجرس بالموافقة على رفع حد الأجور الأدنى والسماح للحكومة بالعمل لمصلحة غالبية الأميركيين لا القلة منهم.

 

لعل «الأزمة الاقتصادية» هو أكثر مصطلح يردده الأميركيون منذ 2009. فأعداد الموظفين المرتفعة في المؤسسات الصحفية صارت من الماضي. وحين يفرغ الزائر من الطواف بأي من المؤسسات التي يزورها باستطاعته أن يلقي نظرة على قسم مماثل من المبنى وقد صار مهجوراً أو مخزناً للأثاث المتهالك.

 

فتح محرر الأخبار الدولية في صحيفة سان خوسيه ميركوري نيوز الصادرة في مدينة سان خوسيه بمقاطعة سانتا كلارا من كاليفورنيا مخزناً واسعاً تتكدس فيه قطع من أثاث قديم وقال «كان هذا المكان صالة تحرير عامرة بالموظفين قبل الأزمة المالية».

 

بالمقارنة مع ما سيحدث لاحقاً فليست ملامح التقشف تلك سوى وصفة لمساعدة الأميركيين في التكيف مع مرحلة تقشف حقيقي دخلتها أميركا في الأول من مارس حين بدأ سريان تخفيضات حادة في النفقات الحكومية تصل إلى 85 مليار دولار حتى أواخر سبتمبر المقبل وتشمل كل مجالات الإنفاق الحكومي مما ينذر باهتزاز الاقتصاد الأميركي.

 

فقد يؤدي تخفيض الإنفاق الذي جاء نتيجة إخفاق الديمقراطيين والجمهوريين في إقرار ميزانية بديلة إلى فقدان 750 ألف وظيفة في 2013.

 

لؤلؤة في الساحل الغربي

انقضت خمسة أيام من عمر البرنامج في واشنطن العاصمة وكان يندر خلالها أن نقابل أميركياً، يعلم أن وجهتنا التالية هي مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا دون أن يصدر صيحة اندهاش ويُتبعها ناصحاً: «استمتعوا».

 

وسان فرانسيسكو هذه هي آية أميركا الكبرى في السياحة والحرية والجمال؛ تتجاور فيها ناطحات السحاب والتلال المخضرة والماء.

 

تتضافر معالم مختلفة لتمنح سان فرانسيسكو لقب درة الساحل الأميركي الغربي: خمسة جسور معلقة فوق صفحة ماء واحدة وناطحات سحاب تتجاور مع التلال الخضراء ثم جزيرة ساحرة تبدو من بعيد كسفينة عملاقة ذات مدخنة عالية

بالإمكان إطلاق «الماء» هكذا مرسلاً دونما تفصيل، إذ أن هذه المدينة الساحرة شبه جزيرة في عناية الماء تماماً: من الغرب مياه المحيط الهادئ وشمالاً مياه مضيق جولدن جيت وتطوقها من الشرق مياه خليج سان فرانسيسكو أحد أجمل الخلجان في العالم مما يزيدها جمالاً تبزً به نظيرتيها الشهيرتين في الساحل الغربي سان دييجو ولوس انجليس.

 

تصطف ناطحات السحاب على ساحل خليج سان فرانسيسكو بقيادة «الهرم الأميركي». وهذا الهرم هو اسم لأعلى ناطحة سحاب في المدينة، اتخذت اسمها من شكلها الهرمي الذي يشمخ في السماء بطول 260 متراً.

 

لكن علامة سان فرانسيسكو التي لا ينازعها معلم آخر هو جسر البوابة الذهبية الذي يربط المدينة بمدينة سوساليتو في مقاطعة مارين الواقعة شمال مضيق جولدن جيت. وهو أحد أشهر الجسور المعلقة في العالم سواء بطوله الذي يبلغ 1970 متراً أو بلونه البرتقالي الذي أضفى عليه فرادة، فضلاً عن ريادته التاريخية في فن الجسور المعلقة.

 

أنجز الجسر عام 1937 بعد أربعة أعوام من العمل وظل حتى 1964 أطول جسر معلق في العالم حتى أن جمعية المهندسين المدنيين الأميركيين صنفته بين عجائب الدنيا السبع في العصر الحديث، فيما يصفه دليل السفر بأنه «قد يكون الأكثر جمالاً غير أنه الجسر الأكثر تصويراً في العالم».

 

وفي موازاة جسر البوابة الذهبية هناك أربعة جسور أخرى لا تقل أهمية، أحدها جسر سان ماتيو – هايوارد، يربط مدينة سان ماتيو جنوب سان فرانسيسكو بمدينة هايوارد والثاني جسر ريتشموند – سان رافاييل ويربط مدينة ريتشموند الواقعة إلى شمال سان فرانسيسكو بمدينة سان رافاييل والثالث جسر الخليج الذي يربط سان فرانسيسكو بمدينة أوكلاند ثم جسر دومبارتون ويصل بين مدينة ردوود ومدن صغيرة متجاورة على الضفة الأخرى من الخليج أبرزها الاتحاد وفريمونت.

 

سنعبر جسر الخليج من سان فرانسيسكو إلى مدينة أوكلاند ثم بيركلي حيث يلقي البروفيسور جريج نيمير محاضرة حول الإعلام الجديد في مركز الإعلام الجديد التابع لجامعة كاليفورنيا، بيركلي التي تحتل المرتبة الرابعة بين أفضل الجامعات في العالم.

 

في مركز الإعلام الجديد تتجلى حقيقة المجتمع الأميركي الذي تشكل من خليط المهاجرين؛ فالبروفيسور المحاضر أميركي قادم من سويسرا ومعظم الطلاب في القاعة من أعراق أسيوية ولاتينية وقليل من الأميركيين البيض، أما دانييل ألخادو فمن عائلة ذات أصول مكسيكية.

 

ودانييل ذات السحنة المكسيكية الواضحة هي الطالبة التي احتفت بنا بحماس وضغطت على عضلات وجهها بقوة كي تنطق جملة بالعربية حين أشار البروفيسور على طلابه أن يرحبوا بنا بالتحية العربية، قبل أن يرتفع صوت جماعي في القاعة، هاتفاً بلكنة مكسرة: السلام عليكم.

 

بعدما أنهيت حديثاً عن طبيعة اليمن السياسية والجغرافية بتفويض من زملائي في المجموعة، كان حماس دانييل عند مستواه العالي وهي تشترك مع زملائها في تصفيق بهيج، أعادني 15 عاماً إلى الوراء حين كان التصفيق ضرباً من التكريم خلال سني المناهج المدرسية.

 

ولكي أبادل دانييل ودها وحفاوتها، رحت أمتدح روايات الروائية المكسية الشهيرة إيزابيل ألليندي ومشاهير أميركا اللاتينية بدءاً بسلفادور ألليندي حتى ليونيل ميسي! فاتضح أنها قد قرأت «ابنة الحظ» وتحيط بها جيداً.

 

لم يكن ليقطع هذا الحديث الذي يدور على وجبة مشويات مكسيكية في مطعم داخل حرم الجامعة بصحبة البروفيسور نيمير وأعضاء مجموعتي إلا سؤال موجه للبروفيسور عما إذا كان يشعر بتسارع العد التنازلي لأفول زمن القطب الواحد، بيد أنه لم يسلّم بواقعية الحديث عن نظرية القطب الواحد، قائلاً إن العالم محكوم بمبدأ التكامل.

 

لكن خلال محاضرة له بعد يومين، أسف نيمير لجوابه السابق موضحاً أنه كان محكوماً بانطباع الأميركيين الداخلي حول بلادهم وهو انطباع يختلف عن انطباعات الشعوب الأخرى بشأن الولايات المتحدة.

 

لما بشرت الولايات المتحدة بالنظام العالمي الجديد إثر انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العقد الأخير من القرن الماضي، كرس الإعلام والفن الأميركيان صورة نمطية عن القوة الأميركية المطلقة. والآن يتخلى الأميركيون بسلاسة عن ذلك الشعور بعد أن لمسوا تأثير الأقطاب العالمية الناهضة داخل بلادهم؛ هكذا ابتكرت لنفسي تعليلاً لجواب نيمير وكثير من الساسة الأميركيين حول التكامل العالمي.

 

حان وقت توديع البروفيسور نيمير مع طلابه، والعودة إلى سان فرانسيسكو حيث لابد من طواف بحري حول جزيرة ألكاتراز الناتئة من مياه الخليج مباشرة كصخرة كبيرة ألقيت في الماء. من بعيد تبدو الجزيرة بفنارها القديم مثل سفينة عملاقة ذات مدخنة عالية، وتستقر على صفحة الماء؛ ذلك أنها صغيرة المساحة وتنبت مباشرة وسط الماء دون تدرج.

 

رسخت شهرة ألكاتراز من فرادة موقعها في قلب الخليج وجمال إطلالتها على ساحل الخليج ومدنه ثم من شهرة القلعة الأثرية الرابضة على الجزيرة، وهي القلعة التي طارت شهرتها أكثر حين خصصت عام 1934 سجناً فيدرالياً لعتاة المجرمين الذين كانوا يخرقون لوائح السجون العادية ويخططون للفرار، أما في الجزيرة فكان يستحيل على أحدهم الفرار لأن عليه لكي ينجو اجتياز نحو ثلاثة كيلومترات سباحة في مياه الخليج العميقة وتياراتها الخطرة حتى يصل إلى الشاطئ.

 

لذلك لم يفلح في الفرار أي من السجناء الذين حاولوا الهرب من السجن ذي الـ378 زنزانة حتى عام 1963 حين أغلقت السلطات السجن نتيجة ارتفاع كلفة إدارته وظهور بدائل فعالة في معالجة الجريمة.

 

ولتأثير السجن العميق في الثقافة الشعبية فقد أنتجت حوله ثلاثة أفلام سينمائية ومسلسل حديث، عرض في 2011 بعنوان «ألكاتراز». أما أشهر الأفلام فهو «الهروب من الكاتراز» الذي أنتج عام 1979 ويجسد أخطر محاولة للهرب من السجن، دبرها في 1962 أربعة سجناء تسللوا عبر فتحات التهوية وبلغوا مياه الخليج، لكنهم اختفوا عند هذا الحد من المغامرة وقالت السلطات لاحقاً إنهم ربما غرقوا.

 

في القسم الغربي من سان فرانسيسكو، تتصعد التلال الخضراء ليتجاوز عددها 40 تلاً يحاذي من يقف في أعاليها ناطحات السحاب المصطفة في الطرف الشرقي، وأجملها تل «توين بيكس» المتفرع إلى قمتين يطلق عليهما السكان المحليون توأم نوي وإريكا وتبدو المدينة منهما بهية آسرة بمبانيها البيضاء المطوقة بمياه ناصعة الزرقة.

 

وتوين بيكس، مقصد عامر بالسياح الذين يرغبون رؤية المدينة من الأعلى ويصعدون إلى القمتين التوأم عبر طريق متحلق يلتف على  جسم التل فيما تغطي الأشجار جانبيه.

 

يوم في كنف الطبيعة

في صباح آخر سنعبر جسر البوابة الذهبية إلى مقاطعة مارين، قاصدين غابة مير حيث «محمية ردوود الوطنية» البالغة مساحتها 224 هكتاراً، تغطي أشجار سيكويا العملاقة 97 هكتاراً منها. محمية ردوود التي يشطرها جدول رقراق وممشى مسيج بحاجزين خشبيين هي إحدى منطقتين فريدتين في العالم والولايات المتحدة لشجرة سيكويا التي يبلغ ارتفاعها نحو 112 متراً.

 

ولقد وجدت شركة تويوتا اليابانية لصناعة السيارات في رمزية سيكويا أفضل تدبير لتصوير ضخامة أكبر طراز من سياراتها، بدأت في إنتاجه عام 2001 فاقتبست له اسم الشجرة العملاقة.

 

هنا أحد أوجه الروعة في سان فرانسيسكو؛ ففي أقل من نصف ساعة (هي المدة اللازمة لاجتياز المسافة بينها ومحمية مير) ينتقل السياح من نقطة متطرفة في عالم الحضارة الصناعية إلى كنف الطبيعة الأولى.

 

كانت الحادية عشرة والنصف صباحاً حين أنهينا التجوال داخل محمية ردوود، لذا فالوقت ملائم للتوغل شمالاً ثم الانحراف نحو الشرق حيث تتوالى مئات من حقول الكرم التي ينبسط الواحد منها بطول مرمى البصر؛ بدءاً من أول بلدة في ريف مقاطعة سونوما حتى وادي نابا.

 

تدخل هذه الكروم في صناعة أجود صنوف النبيذ الأميركي الذي يُقدم للمرتادين طرياً أو معتقاً في متنزهات ونوادٍ تتصدر الحقول. ويكفي ذكر «وادي نابا» لاستحضار واحدة من أشهر علامات صناعة النبيذ في العالم.

 

انتهى وقت السكينة بصحبة الطبيعة التي تخلب العقل في وديان سونوما ونابا وغابة مير الظليلة.. وها قد حلت أيام الصخب.

 

يوم 28 أكتوبر يسحق فريق سان فرانسيسكو جينتس للبيسبول فريق ديترويت تايجرز ويحرز بطولة العالم للبيسبول؛ والأميركيون لا يمازحون في رياضة البيسبول، إذ هي اللعبة التي تجرف عواطف الملايين إلى عشقها وتحظى بشعبية جارفة، تضاهي شعبية كرة السلة، وبنية تحتية متطورة أكثر من أي رياضة أخرى.

 

لذلك ستنطلق في اليوم التالي احتفالات صاخبة في شوارع المدينة: خرج الناس جماعات تلو أخرى يطوفون الشوارع حاملين أعلام فريق سان فرانسيسكو جينتس ذات اللون البرتقالي، ويبتهج كل واحد منهم على طريقته.

 

ويتواصل الصخب على نحو يشمل هذه المرة الأميركيين كلهم، إذ سيحل عيد الهالووين ليلة 31 أكتوبر وهو يوم عطلة رسمية وعيد سنوي للتنكر، يفوق اهتمام الأميركيين به باقي الشعوب الغربية التي تحتفل به فيزينون منازلهم وشوارعهم باليقطين ويقتنون الألعاب المرعبة.

 

مصدر «الهالووين» هي أسطورة قديمة تفترض أن الحياة تعود إلى الأرواح الميتة ليلة 31 أكتوبر فترجع إلى الأرض لتقيم فيها حتى الصباح، ولذلك اقتضى أن يكون التنكر ركيزة الاحتفال في هذه الليلة كي لا تتعرف الأرواح الشريرة إلى شخصيات المعتقدين بالهالووين وتؤذيهم.

 

أصخب يوم الهالووين سان فرانسيسكو، فكانت المرة الوحيدة التي أمكن فيها رؤية رجال الشرطة منتشرين في الشوارع تحسباً لأي اعتداءات محتملة. وفيها أيضاً أمكن سماع صرخات يصدرها محتفلون ثملون على متن سيارات تسير مسرعة في حين غصت شوارع المدينة بنساء ورجال قد غيروا ملامحهم إما بأقنعة جزئية أو بوشوم متنوعة على وجوههم، وارتدى آخرون ملابس غريبة.

 

علاوة على أن سان فرانسيسيكو مكان ساحر بلا جدال فهي لا تكف عن قيادة التغييرات الاجتماعية منذ تأسست فيها منظمة الأمم المتحدة عام 1945 عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وخلال ستينيات القرن الماضي، بشرت حركة شبابية هناك بظاهرة الهيبز للتعبير عن الضيق بقيم الرأسمالية وطغيان الثقافة المادية وسرعان ما تفشت الظاهرة في البلدان الغربية داعية إلى المساواة والسلام والحرية.

 

وتلتزم المدينة لنزعتها القيادية فيتدفق عليها في سبعينيات القرن الماضي عدد كبير من المثليين جنسياً ليؤسسوا «حركة تحرير المثلية الجنسية» مستفيدين من قوانين ولاية كاليفورنيا التي تبيح المثلية.

 

يمكن الآن رؤية تجمعات المثليين في حي كاسترو حيث ترتفع أعلامهم المخططة بألوان الطيف السبعة.

 

وعند منتصف شارع ماركت الذي يشطر سان فرانسيسكو ينزوي مبنى تاريخي متواضع، حين تفحصه يتبين أنه «مركز مجموعة المتحولين جنسياً والمثليين» مما يضيف برهاناً أصيلاً على سعة الحريات التي تحفل بها المدينة الأكثر ليبرالية بين سائر المدن الأميركية.

 

اضغط على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبراستغرقت منسقة برامج المجموعة ميشيل رايت نصف ساعة في سرد الخدمات التي يقدمها المركز للمثليين بتمويل من المجتمع. وفي صالة صغيرة تواجه المدخل، تنتصب لوحة كبيرة مثبت عليها أسماء الأشخاص الذين يتبرعون بالمال لتشغيل نشاط المركز.

 

وأنا أرثي فراق سان فرانسيسكو، لذت إلى مونولوج للمواساة: ماذا تريد أكثر من ذلك: خمسة جسور معلقة فوق صفحة ماء واحدة، مرفأ السياح، عربات الكابل، برج كويت، الشوارع الجميلة شديدة الانحدار، الخليج الساحر، المعزوفات الموسيقية العذبة في مرفأ السياح ثم طقس رائع مازال ينعش رئتيك.

 

«أنا اقترعت»

شمس السادس من نوفمبر متوارية خلف سحب داكنة مما يضاعف وطأة الطقس البارد في مدينة ميلواكي كبرى مدن ولاية ويسكونسن، ومع ذلك فجدول السكان لهذا اليوم يشتمل على نشاط إضافي إذ هو يوم الانتخابات الرئاسية.

 

وفي شارع قريب من بحيرة ميتشجان إحدى البحيرات الخمس العظمى، تقع بناية زايدلر مونيسيبال حيث أحد مراكز الاقتراع. بهدوء مطبق يدلف الناخبون إلى المركز ويختارون الرئيس الذي سيقود الولايات المتحدة والعالم خلال أربعة أعوام مقبلة ثم يغادرون إلى أعمالهم، فلا عطلة هذا اليوم.

 

عند الثامنة والنصف صباحاً، كانت ميل برومبرج من رابطة النساء الناخبات تنتظرنا في ردهة الفندق قبل أن تصطحبنا إلى مركز الاقتراع في بناية زيدلر مونيسيبال، وهناك استخرجت لنا شارات «مراقب انتخابات» أكسبت كل واحد منا صفة مراقب للانتخابات الأميركية! ونماذج من ورقة الاقتراع التي يختار فيها الناخب رئيس البلاد وحاكم ولايته وعضو مجلس النواب في منطقته.

 

ومع أن برومبرج متقدمة في السن إلى حدٍ ما إلا أنها حيوية للغاية، لم تكف على مدى ساعة ونصف عن تقديم إيضاحات مفصلة تتصل بعملية الاقتراع واستعانت بكل المختصين في المركز الانتخابي للإفاضة في هذا الشأن.

 

لا يغمس الناخب الأميركي إبهامه في علبة حبر سري بل إن شاء، أخذ قصاصة صغيرة مكتوب عليها «أنا اقترعت» على سبيل الاعتزاز بالديمقراطية الأميركية فقط.

 

كان التنافس محتدماً بين أوباما ورومني في ولاية ويسكونسن بوصفها ولاية متأرجحة، واختار رومني نائباً له منها هو بول ريان سعياً لاجتذاب أصوات ناخبيها لكن أصواتها العشرة في المجمع الانتخابي ذهبت لمصلحة أوباما.

 

وخلال فترة الحملات الانتخابية لم تكن المظاهر الخارجية تشي أن أهم انتخابات في العالم تقريباً ستجري بعد أيام قليلة، إذ لا أثر البتة لمظاهر الدعاية الانتخابية التقليدية التي تتفشى في بلدان الديمقراطيات الناشئة.

 

ومن ليس عليماً بأساليب الدعاية الانتخابية هناك سيظن أن السباق الانتخابي يمر على هذا النحو من الهدوء، لكن ما هو حقيقي أن كل فرد أميركي يتلقى نصيباً وافراً من الدعاية إلى حد يدفعه للشكوى والتذمر العلني، إذ تمثل فترة الدعاية موسماً، تتسلط فيه شركات الاتصال على زبائنها ولا تنفك رسائلها الصوتية تتدفق إلى هواتف مشتركيها بغزارة.

 

يستعين الحزبان الديمقراطي والجمهوري بالقادة الأميركيين المشهورين لتسجيل رسائل صوتية قصيرة تحض على اختيار مرشحيهما

يستعين الحزبان الديمقراطي والجمهوري بالقادة الأميركيين المشهورين لتسجيل رسائل صوتية قصيرة تحض على اختيار مرشحيهما، ثم ترسلها شركات الاتصال إلى هواتف مشتركيها.

 

«أهلاً، أنا بيل كلينتون ويشرفني أن أدعوك لاختيار باراك أوباما رئيساً لبلادنا» مقطع مفترض من  رسالة، قال رجل قطع حديثه معنا حين رن هاتفه إن الاتصال كان رسالة آلية بصوت الرئيس الديمقراطي السابق. ويرن هاتفه مرة أخرى ثم يأتي صوت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت يحث على انتخاب ميت رومني.

 

وفي مركز التعليم الدولي بمدينة سان فرانسيسكو، شوش عدد من هذه الرسائل على صفاء محاضرة كان يلقيها مارك ديللن من جمعية السياسة الخارجية عن النظام الانتخابي في الولايات المتحدة. فلم يتردد ديللن، مثل كثير من مواطنيه، في إبداء تأففه من مشاغلة رسائل الدعاية التي لا تهدأ.

 

كذلك يتبرم ديللن من النظام الانتخابي الأميركي الذي يمنح الفوز برئاسة الولايات المتحدة للمرشح الذي يفوز بغالبية أصوات المجمع الانتخابي البالغة 538 صوتاً بصرف النظر عمن يفوز بأصوات الهيئة الناخبة.

 

ولدى ديللن الذي أخذ يعدد سلبيات نظام بلاده الانتخابي أمل في أن النظام سيتغير في المستقبل، على أن أصواتاً أميركية كثيرة تتلاقى معه في نقد النظام الانتخابي.

 

زيارة لصاحب الحلم

هبطت الطائرة في مطار هارتسفيلد جاكسون أحد أكثر المطارات ازدحاماً بحركة المسافرين في العالم فتنفسنا الصعداء بعد أن أفلتنا من طقس ميلواكي قارس البرودة، ثم اندفعت بنا السيارة وسط شارع رحيب يصل عرضه إلى 80 متراً ويوصل إلى وسط مدينة أتلانتا حيث الحي التجاري الشهير.

 

يعطي الشارع الموصل إلى الحي التجاري وشبكة الجسور الهائلة التي تعلو نقاطاً كثيرة فيه انطباعاً مبدئياً عن البنية التحتية العملاقة التي تميز المدينة، وعلى الأرجح أن لاستضافتها دورة الألعاب الأولمبية صيف 1996 فضل في ذلك.

 

موقع مارتن لوثر كنج التاريخي وحوض جورجيا المائي وشبكة سي إن إن الإخبارية؛ ثلاثة معالم لا تكتمل زيارة أتلانتا بإغفال أي منها، إذ يعطي ثلاثتهما إيجازاً متكاملاً عن هوية المدينة بأبعادها الثقافية والتجارية والحضرية.

 

قريباً من وسط المدينة، تشطر جادة أوبرن مجمعاً يضم مبان عتيقة متشابهة إلى قسمين.

 

تجسد خطب مارتن لوثر كنج المبثوثة داخل قاعة الحرية تأثيره النافذ

في القسم الجنوبي، يرتفع ضريح مستطيل من الرخام الأبيض وسط رواق مفتوح على الهواء الطلق ومليء بماء تجدده نافورة؛ هنا بالضبط يرقد الرجل الذي أزاح بنضاله اللاعنيف عار التمييز العنصري عن الولايات المتحدة. وتتقد في الجوار شعلة دونما انطفاء لتبرهن على أن رسالة مارتن لوثر كنج مازالت متوهجة، تنير روح أميركا وتعصمها من الارتداد إلى حقبة التمييز الشائنة.

 

هي خطوات قليلة للانتقال إلى «موقع مارتن لوثر كنج التاريخي الوطني» في القسم الجنوبي حيث يُعرض تاريخ حركة الحقوق المدنية في مجمع يضم المنزل الذي ولد فيه مارتن وكنيسة إبنيزر المعمدانية ومركز التغيير الاجتماعي اللاعنيف، إضافة إلى مركز للزوار.

 

اضغط على الصورة لمشاهدتها بشكل أكبرلما وطأنا باحة الموقع كان رجل أسود يجلس مفترشاً الأرض وينتحب بصوت خفيض. وسيكون ضرباً من التزمت السؤال عن السبب، ففي الداخل يغوص الزائر في تاريخ حركة الحقوق المدنية ونضال زعيمها الدكتور مارتن من أول خطبة له حتى آخر خطوة في جنازته.

 

يرتفع صوت الخطيب السياسي المفوه مارتن لوثر داخل «قاعة الحرية» بخطبه الشهيرة عن «الأرض الموعودة» والحلم الذي اشترك فيه ملايين الأميركيين السود، فيما تصطف في جوانب القاعة صور توثق رحلته النضالية ضد التفرقة العنصرية مع بعض من مقتنياته الشخصية.

 

وداخل خانة زجاجية تقع في مواجهة باب القاعة يقع أكثر مقتنياته تأثيراً: زوجا حذاء أسود مرقطان بقطرات دم تخثرت فوقهما قبل 45 عاماً حين أطلق المتطرف جيمس راي النار على مارتن عام 1968 إلى شرفة في فندق لورن وأرداه.

 

تستحضر خطب مارتن المبثوثة داخل القاعة تجسيداً عميقاً لتأثيره النافذ حتى أنك تغادر المكان وكأنك أميركي أسود عائد لتوه من مسيرة واشنطن للحرية، يوم ألقى مارتن أمام ربع مليون شخص تجمعوا جوار نصب إبراهام لنكولن خطبته الشهيرة «لدي حلم».

 

وتعتلي إحدى واجهات الموقع، جدارية أفقية تحكي بالرسوم نضال مارتن ومواطنيه السود من أجل المساواة. وعلى بعد أمتار في الخارج نصب للزعيم الهندي الأشهر المهاتما غاندي الذي تأسى مارتن لوثر كنج بنهجه في النضال اللاعنيف.

 

«سلام عليك يا مارتن»، قلناها وذهبنا فيما كان شعور بالحسرة يضرب أعماقي حيال مصرع رجل بطريقة تتماهى مع مصارع الرجال الأفذاذ من قادة النضال اللاعنيف في كل بلدان العالم.

 

إذا كانت أتلانتا مدينة الشركات العملاقة مثل شركة المشروبات الغازية كوكا كولا والبنوك العالمية فإنها أيضاً مقر المركز الرئيس لشبكة سي إن إن التلفزيونية الأولى في العالم.

 

تستحضر خطب مارتن المبثوثة داخل «قاعة الحرية» تجسيداً عميقاً لتأثيره النافذ حتى أنك تغادر المكان وكأنك أميركي أسود عائد لتوه من مسيرة واشنطن للحرية، يوم ألقى خطبته الشهيرة «لدي حلم»

في ثمانينيات القرن الماضي، شرعت سي إن إن في البث التلفزيوني من على سيارة عسكرية من طراز همر، واليوم لا يكتمل الحديث مطلقاً عن ثورة الإعلام المرئي المذهلة دون أن يقترن بهذه الشبكة التلفزيونية التي كانت سباقة إلى استخدام تقنيات الإعلام الأكثر حداثة.

 

 بعد أن قادنا نيك لي فان في جولة داخل أقسام سي ان ان، أمكنني أن استند إلى سيارة الهمر الجاثمة وسط باحة المبنى وعليها أجهزة البث التي بدأت الشبكة تعمل بها، وبطرفتي عين إلى الهمر ثم إلى مكاتب الشبكة وما أصبحت عليه من ثورة تقنية تتجلى القفزة الخيالية في تطور تقنيات الإعلام والمعلومات.

 

وداخل أحد استديوهات الأخبار بدت آيشا سيساي بمعطفها الأخضر وهي تقرأ أخباراً على الهواء، ثم قضت مقدمة البرامج الحسناء هالة كوراني استراحة قصيرة معنا في صالة جانبية وكانت تتحدث في الشأن السوري.

 

بيئة بحرية في اليابسة!

من السهل على من يرتاد هذا المكان أن يغوص في أعماق البحار فيما أقدامه على اليابسة! إنه «حوض جورجيا» أكبر حوض أسماك ومتحف مائي في العالم بسعة 32 ألف متر مكعب من الماء وهو بيئة بحرية مصغرة، يعيش فيه نحو 120 ألف كائن بحري بدءاً بأسماك القرش وأسماك ضخمة من أنواع أخرى.

 

يضم الحوض ست صالات كل واحدة منها مخصصة لبيئة محددة من الأحياء البحرية كالأسماك والبطاريق والدلافين وأصناف شتى.. وفي صدارته أحواض صغيرة مفتوحة، تسبح فيها أسماك ذات لون بني مائل إلى الأحمر مع هيئة مثلثة بجلد ناعم ويستطيع الزوار وضع أيديهم في الأحواض وملاطفة الأسماك السابحة.

 

نحو ساعة كاملة في اللهو مع البطاريق والتقاط صور أمام أحواض تسبح فيها أسماك من أصناف وأحجام شتى وتتبع الفقمات التي تتنقل في حوضها بطريقة تشبه الدحرجة، كنا ظننا أننا قد لامسنا ذروة الإبهار قبل أن يدفع إلينا المرشد بتذاكر جديدة ويشير علينا بدخول مسرح يتسع لمئات المشاهدين.

 

ساعة أخرى في المسرح، صار فيها أمراً عادياً ما كنا حسبناه استكشافاً مبهراً أمام عرض خرافي لفريق يضم 11 دولفيناً فائقي المهارة في تأدية العروض البهلوانية مع طاقم آخر من شبان وشابات جلهم خبراء في اللعب مع الدلافين واستثارتها لتظهر أفضل ما لديها من مواهب العرض.

 

خطف العرض أنفاس المئات على مدى ساعة كاملة وتسمرت الأعين صوب الحوض حيث تمرق الدلافين، صانعة الأعاجيب. ولم نفق من أسر هذا العرض إلا على الأضواء تنير قاعة المسرح ليبدأ المرتادون في المغادرة ويقف أعضاء من طاقم العرض يلوحون بأيديهم بثقة من بلغ كمال المهنة.

 

وسيجد من شاهد أعاجيب المتحف قبل مغادرته جواباً شافياً لسر تجاوز عدد زواره بعد عشرة أشهر من افتتاحه في 2005 ثلاثة ملايين زائر واستمراره في تخطي الأرقام المتوقعة.

 

أميركا تبتسم لك

أفضل أمارة لتمييز شخص أميركي عن الأمة الأميركية أن يقال عنه إنه أميركي لا يبتسم! ذلك أنهم كلهم يتبسمون ويبشون في وجوه الآخرين تقريبا.

 

أكثر سلوكين يتوحد فيهما الأميركيون كلهم هما الضريبة والبسمة

وربما أن أكثر سلوكين يتوحد فيهما الأميركيون كلهم هما الضريبة والبسمة؛ الأول يسلكونه بموجب الدستور الأميركي أما الثاني فطوعي وركيزة للياقة الأميركي التي يبديها لمواطنيه أو زائريه مثلما هي تعبير تلقائي عن انشراح نفسية الأميركي المنزوي خلف المحيط الأطلسي دون حاجة للانغماس في هموم العالم.

 

تبدو البسمة أيقونة الوحدة بين الوجوه الأميركية على اختلافها: الإفريقية السمراء والأسيوية الصفراء والأوروبية البيضاء أو الأصلية الحمراء. وحين يتبسم الأميركي في وجهك، يهل شعور نادر بالرحمة في بلاد تهيمن فيها علاقات العمل القاسية وجماعات الضغط والشركات العملاقة، لذا ستكون البسمة أول ما يفتقده من يقفل عائداً من الأراضي الأميركية.

 

كيفما بدت لك أميركا، لا تملك إلا أن تودعها مأخوذاً بشعب المهاجرين الذي أسس أقوى إمبراطورية في التاريخ ويكافح حالياً لإطالة عمرها.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء