اليمن رهين شبكة فاسدة

لا شيء يلـوح في أفق الاقتصاد اليمني الآن، غير الإحباط وحسب.

 

مؤشرات الحياة الاقتصادية ما تزال في درجة الصفر؛ وفرص التغيير تتضاءل وتنخفض لأسفل؛ ومشاريع التنمية والاستثمار غائبة؛ والحديث الرسمي عن العدالة والحكم الرشيد ومكافحة الفساد، ما يزال خافتاً وغير واضح الملامح.

 

لكن الخبر السار، أن الناس لم تفقد الأمل بعد، فالتطلعات الشعبية تراقب باهتمام ما سيتمخض عنه مؤتمر الحوار الوطني، لكن المحبط في الأمر، أن من كانوا يشكلون السبب الرئيس في المشكلة، صاروا اليوم الجزء المهم من الحل، وهذا هو الجانب السيئ في الأمور الحسنة.

 

فبعد مرور عام كامل، ما تزال الكلفة الإنسانية والاقتصادية، لمسار التسوية السياسية في اليمن، آخذة في الارتفاع؛ ومن يديرون زمام الأمور، منشغلين الآن بغنائم السياسة، ومن ليسوا منشغلين، أحاطوا أنفسهم بسياج من عدم الانتباه.

 

كل ذلك، ولـدَ أمام الناس، الشعور بالخوف من الـغـد، وما يزيد المخاوف، هو أن "10 ملايين شخص من سكان اليمن، يواجهون اليوم الفقر المدقع، وارتفاع تكاليف المعيشة، وسط تزايد الصراعات المحلية، وهم لا يحصلون على الغذاء الكافي"، طبقاً لما أوردته خطة الاستجابة الإنسانية، التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم اليمن هذا العام.

 

ومنطقياً، لايمكن حدوث انتقال مستدام في اليمن، وسط هشاشة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، من دون معالجة معاناة الناس، ودفع عملية الانتعاش، وجعلها غير قابلة للتراجع.

 

لكن ثمة من يرى العكس، من زاوية أن المرحلة الانتقالية التي يقودها الرئيس "عبد ربه منصور هادي"، تمضي في طريقها بمرونة، لدرجة أنها تتخطى كومة العراقيل.

 

فوزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، "أليستر بيرت"، تحدث بنوع من الإعجاب عن هذا الأمر، وفي مقابلة صحيفة بثتها صحيفة "الشرق الأوسط" مطلع هذا الشهر، قال بيرت أن استمرار المرحلة الانتقالية "دون نزاع يذكر"، كان نتيجة "الضغوط الدبلوماسية"، فضلاً عن تأثير "الدعـم" المقدم من دول الجوار.

 

هذا صحيح، فهذا السياق، يبرز الجزء المهم من مشكلة اليمن السياسية، وهي وقوعها رهن الوصاية والمال، وكأنه قدر يصُعب تفاديه، وليس لنا فيه أية خيار.

 

وبعبارة أخرى: لايمكن تحقيق استقرار اليمن، طالما بقيت سلالة القوى الفاسدة مهيمنة، ومحتفظة بمواقعها، وسط كل ظروف الانتقال والتغيير، دون أن تـفـلت عن قبضة يدها أدوات السيطرة.

 

ماذا لو فكرنا مثلا، بذلك الشعور الذي يخالج المرء عندما يعيش في حقبة زمنية تعود بنا للوراء، خمسين سنة ماضية، مثل تلك التي قرأنا عنها في التاريخ اليمني؛ سنجد أننا نعيش تلك الحقبة الآن، مع فوارق نمطية في المشكلة والحل، على حد سواء.

 

لكن، لندع أمر الفوارق جانباً، فكل المقارنات التاريخية ستبدو قاتلة، كونها تؤكد بأننا لم نتوقف عن جر الماضي واستدعائه في تحولاتنا، حتى جرى تكراره بصورة مشوهة.

 

لننظر إلى ما لدينا بالضبط ، لدينا اليوم نظام سياسي ما يزال مليء بالفاسدين، ولدينا تركة ثقيلة من الفساد والمديونيات، واستشراء المحسوبية. وثمة ما هو أسوأ.

 

ففي دراسة بحثية متأنية، أشار برنامج الشرق الأوسط في منتدى "تشاتام هاوس" البريطاني، إلى أن "اقتصاد اليمن جرى تقسيمه محاصة بين 10 إلى 15 شخصا في عهد النظام السابق، يمثلون شبكة معقدة ومتداخلة من النخب الفاسدة، سيطرت على القطاع النفطي والواردات واستيراد البضائع والمناقصات".

 

والكارثة، أن هؤلاء هم الذين يديرون تجارة تهريب الديزل والأسلحة والسلع، وهم أيضاً الفاعلين الأساسيين خلال الأزمة.

 

لقد تغلغلت هذه النخب في مفاصل الدولة، ومارست الهيمنة السياسية، كغطاء للاستحواذ على الموارد والثروات، لدرجة أنها ما تزال تحدد شروط التنمية الرسمية لحساب مصالحها الشخصية وحسب.

 

وأمام عملية التحول هذه، يسعى قرابة 15 فاسداً، الإفلات من فسادهم الذي تسبب في إيصال الاقتصاد إلى حالة الضعف البنيوية، والطويلة الأمد إلى هذا الحد. ولعلهم يحلمون باستدامة هذا الإرث.

 

إن ذلك يعني، أن واقع الاقتصاد سيبقى هشاً، مع احتمال قدوم ما هو أسوأ، لاسيما وأن طريق الحوار مع الانتقال السياسي والهيكلة العسكرية، قد تطول على الأرجح، ولن تحقق حينها تعهدات المانحين الكثير لإصلاح ذلك، حتى وإن تدفقت المساعدات والقروض، لأن كل تلك السياسات ستقود إلى إرباح شبكة النافذين، وليس لتحفيز النمو على المدى الطويل.

 

لابد من التدخل السريع لإنقاذ الاقتصاد، من قبضة القوى التي تعمل بخفة داخل المرحلة الانتقالية، وان حدث ذلك، ستذبل جذور الاضطرابات الاقتصادية التي أرهقت البلاد.

 

وكي نصل إلى الوسائل الفعالة لتعزيز النمو والإنتاجية، تحتاج اليمن إلى حكومة ذكية، وليس إلى حكومة كبيرة، وبعبارة أخرى: نحتاج إلى حكومة تكنوقراط، وليس حكومة أحزاب؛ فعمل الحكومة اليوم خاطئ، يشوبه الانحياز، ويفتقر الخبرة إلى حد كبير.

 

ثمة الكثير من البنى التحتية والخدمات التي تنقصنا، وهناك مجموعة غير مترابطة من القوانين بحاجة إلى الدمج، وإعادة النظر، ونظامنا الضريبي معقد وفاسد، في مقابل نسبة هائلة من البطالة، وارتفاع التضخم، وتوقعات هشة لاستقرار النمو.

 

ينبغي الاعتراف بأننا صنعنا تاريخ حافـل بالأزمات، وعلينا الشعور بالخجل من العالم الذي ينتظر بفارغ الصبر، إنهاء فترة استغلال اليمن لنفسها.

 

حان الوقت لأن تعلن اليمن انتهاء التورط بالماضي، والاستعداد للمستقبل، فالتغيير لن يعود للوراء. إنه عصر عبد ربه منصور هادي، وليس علي عبد الله صالح.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك