الوحدة والانفصال.. العودة للعقل!

من ضفاف الأطلسي أتابع بهدوء نقاشات وجدل اليمنيين حول واقعهم ومستقبلهم، ويبدو أن مسألة الوحدة هي أم القضايا المطروحة في اليمن وعلى كل المستويات. بقراءة علمية دقية لتصريحات الساسة والمثقفين بكل تياراتهم فإننا نصل لحقيقة مرة مفادها أن كل نقاشات معسكري الوحدة والإنفصال أغلبها سطحية ولا تتعرض للإشكالية الكبرى في العقلية القيادية اليمنية التي أوصلت البلد للمربع الأول بعد نضالات أجيال منذ الستينات من أجل الوحدة!

 

المشكلة اليمنية الكبرى هي عدم قدرتنا على بناء دولة مستقرة ومزدهرة وفيها تداول سلمي حقيقي للسلطة وتوزيع عادل للثروة.

 

قبل الوحدة:

اليمن الشمالي كان مساحة صراعات لحوالي ٢٠٠ ألف كم مربع، وجيش عائلي مختطف وحكم عائلي قميئ، وفضاء اللادولة كان موحشاً! كانت اغلب المحافظات تغلي وتتوجع، ويكفي مكابرة!

 

اليمن الجنوبي: كان ساحة صراعات دموية في مساحة حوالي ٣٠٠ الف كيلومتر مربع! حكم شمولي لا تداول سلمي فيه للسلطة والجيش بيد قبائل محددة! حققت هناك الدولة نوعاً من المؤسساتية ولكن كان سجلها في ملف الحريات موحشاً!

 

الشمال والجنوب أخفقا بشكل ذريع في المجال الاقتصادي والتنموي، فالدولتان كانتا عالة على القرن العشرين ودخل الفرد فيهما هو الأسوأ في المنطقة وشبابهما مثلت الهجرة خيارهم الأول، ويكفي مكابرة!

 

الوحدة ماذا فعلت؟

رغم أن الوحدة جعلت عوامل النهضة والإستقرار في وضع مثالي، إلا أننا تعاملنا معها بمستوى لم يرق لتطلعات الشعب واقتصرت العقلية القيادية على جمع الشمال والجنوب لتنتج اكثر من نصف مليون كيلومتر مربع كميدان أكبر للفشل والصراعات ليس إلا، ولم تقتنع هذه العقلية بأنه لا علاقة لها بمهارات إدارات الدول العصرية!

 

أخفق الساسة في اليمن في مواجهة هذه الحقيقة ولم يبذلوا قدراً معقولاً من الجهود لتطوير الجهاز الإداري للدولة وتحسين فاعليته وإدخاله للعصر. يكمن السبب الجوهري في ذلك الإخفاق عدم القدرة على انتاج قيادات جديدة عصرية متحررة من عقد وصراعات الماضي!

 

وبدلاً من مواجهة الحقيقة نصر على تحميل الجغرافيا والجهات كل أسباب إخفاقتنا!

 

أجزم بأن لو توحدت الكرة الأرضية بكل مواردها تحت راية هذه العقلية الإدارية والسياسية التي تعاملت وتتعامل مع الوحدة فسوف تندثر! وإذا لجأت للإنفصال فسوف تفنيها الصراعات! لأن المشكلة الكبرى هي في القصور البنيوي لهذه العقلية التي مازالت مسكونة بثقافة الغنيمة والغزو وإرث داحس والغبراء.

 

الآن كثير من الساسة في الشمال والجنوب يقولون أن الوحدة فشلت! بينما الحقيقية أن الفشل الشطري تم تعميمه على اليمن الموحد فكانت هذه البؤر من الصراعات والإخفاقات!

 

البلد يدار بطريقة بدائية ولم تصله بعد المهارات الادارية العصرية لإدارات الثروة والتنمية البشرية والمؤسسات!

 

الوحدة والإنفصال في اليمن يناقشا بشكل عاطفي موغل بالتربصات وعقد الثأر والماضي والعودة للتموضعات القديمة، ليس إلا.

 

ليس أمام اليمنيين إلا مواصلة النضال وبناء منظومة قيم جديدة تعترف بمتطلبات هذا العصر وتنظر للسلطة كإدارة وليس غنيمة!

 

معضلتنا الكبرى أننا لا نوجه طاقاتنا نحو الإستحقاق التنموي وبناء الإنسان، وكل ما نعمله لعقود هو إعادة تدوير الفشل والإخفاقات وبإصرار عجيب!

 

أتمنى على الجميع أن يدركوا أن بناء الدول يرافقه استحقات وجملة من التنازلات والتجرد للمصلحة العامة.. هذه المصلحة التي تم طمسها من قاموسنا الوطني! إننا بحاجة لعودة جماعية للعصر والعقل!

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- فاتكم القطار

جنوبي

لا خيار إلا فك الإرتباط..

2- ج

ف

مقال ممتاز حقيقة ولكن ما هو الحل العملي وكيف السبيل لتنفيذهاين العقلاء والمفكرون والعاملين

3- من المهم حدا معرفة الانسان عيوبة والعمل على تغييرها

السفير اليمني

شكرا يادكتور أحمد : حقيقة لن يستوعب الكثير من بيدهم القرار في أدارة البلاد سوى القليل جدا مما قلتة , لان المشكلة وكما قلت بأختصار كلهم يتهمون الوحدة بالفشل ولاأحد منهم يقول الفشل في القيادة , واليوم ايضا يتكرر نفس القول بأن الثورة فشلت ولاأحد عندة استعداد للعمل على حث ابناء الوطن وبناء منظومة قيم جديدة تعترف بمتطلبات هذا العصر وتنظر للسلطة كإدارة وليس غنيمة! وتكفي هذه العبارة التي قالها الدكتور احمد الدبعي والتي لم يقلها اي قيادي او سياسي يمني من قبل واعتقد لن ينتبة اليها احد "معضلتنا الكبرى أننا لا نوجه طاقاتنا نحو الإستحقاق التنموي وبناء الإنسان، وكل ما نعمله لعقود هو إعادة تدوير الفشل والإخفاقات وبإصرار عجيب!"ايضا يعرف اليوم كل ابناء الشعب اليمني منهم الذين يعملون على اتباع سياسة تدوير الفشل وبأصرار عجيب فعلا لانهم لايفكرون سوى بأنفسهم فقط حتى مستقيل ابنائهم في هذا البلد لايهمهم وهنا تتضح عقلية وقدرات هؤلا في القيادة !!!

4- اي اطار لاتكون الحرية اساسه يكون سجن

بن حردد

كانت الدول الاشتراكية تمنع مواطنيها من الخروج خارجها وتحولت تلك الدول والاوطان الى سجون بنظر مواطنيها وهكذا يقول كل من عاش في تلك الدول رغم انهم ارادوا بناء مستقبل مثالي يقوم على مبداء (من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته) و مع ذلك فالوحدة والاتحادية او الفيدرالية او اي دولة اذا لم تبنى على مبداء الحرية فلن تكون غير سجن سيحاول كل واحد هد اسواره.. نعم يحب الوفاق بين اطراف العقد ولكن حرية كل طرف مضمونة اذا تحقق لهم الاغلبية في اي استفتاء.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء