جُرعة لتنشيط أزمة جديدة

يبدو أن يونيو يجلب أسوء الأخبار في السنة على الإطلاق، ففي يونيو 2011 ألغت الحكومة اليمنية فعليًا دعم أسعار البنزين برغم استمرارها في تغطية دعم أسعار الديزل.

 

الخبر السيئ اليوم أن الحكومة أقرت نهائيا رفع الدعم عن المشتقات النفطية البنزين والديزل، وهذه كارثة لا تشجع إلا على ازدهار الفساد على أعلى المستويات واتساع رقعة الفقر وحسب.

 

صحيح أن عمليات رفع الدعم إجمالا كثيراً ما تكون جيدة للحكومات، باعتبارها أبرز الحلول الاقتصادية التي تقود الى تعافي الاقتصاد وإنعاشه، لكنها وفي ظل الظروف الحالية لليمن، ستفضي بنتائج سيئة نتيجة لوضع الناس.

 

فالمباحثات التي أجرتها الحكومة حتى الاسبوع الفائت، مع صندوق النقد الدولي لرفع سقف تمويل الأخير، أفضت الى إلزام الحكومة بإجراء اصلاحات اقتصادية جديدة وعاجلة.

 

والنتيجة: اقرار زيادة سعرية جديدة تبدأ برفع الدعم عن أسعار البنزين والديزل، ضمن حزمة اصلاحات طارئة وعشوائية سعى إليها وزير المالية صخر الوجيه، لتغطية عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة للعام 2013.

 

وما هو مؤكد أن اﻻصلاحات الطارئة هذه وفي هذا الوقت، سترهق الملايين من اليمنيين للحد الذي لا يمكن تخيله.

 

فطبقاً لمصدر رسمي، حددت الحكومة سعر العشرين اللتر من وقود البنزين بقيمة 3500 أﻵف ريال يمني، في حين حدد سعر الوقود من الديزل بقيمة 2500 ريال. ولكم أن تتخيلوا حجم الضرر الفادح الذي سيسود الحياة اﻻقتصادية اليمنية بمجرد تنفيذ هذا الاجراء.

 

فلم يمضي سؤى عامين منذ أن قامت الحكومة برفع سعر البنزين من 1500 ريال لسعر البنزين الى 2500 ريال. ونتيجة لذلك سادت حالة من الركود اﻻقتصادي، أثرت سلبا على غالبية شرائح الشعب.

 

ليس ثمة من سبب وجيه لتكرار ذلك، غير الفساد وحسب، فاﻷمر ليس اكثر من تكرار تلك الأدوات القديمة التي ورثـهّا النظام السابق، لحكومة الوفاق الوطني، والتي ليست سؤى مزيج من سوء اﻻدارة والفساد واستشراء المحسوبية، وبعبارة أخرى: كانت سياسة اﻻنفاق التي انتهجها وزير المالية، هي التي قادت للوصول الى العجز المالي، لدرجة أن الحكومة سحبت الاحتياطات النقدية من حساب مكشوف في خزانة البنك المركزي.

 

وبسبب ذلك، ستشهد اليمن دورة جديدة من التضخم المفرط، وهبوط العملة، واحتكار السلع الأساسية، وهو ما سيؤثر بشكل خطير على أكثر من 10 ملايين يمني يعيشون تحت خط الفقر، وربما كان ذلك مؤشراً فقط لقدوم ما هو أسوأ.

 

يبدو من المهم القول أن وزير المالية صخر الوجيه، هو سبب الركود الاقتصادي التالي للبلاد، فالرجل لا يملك الخبرة والحنكة المالية التي تؤهله لإدارة أموال البلاد، بقدر ما يملك ذلك الولاء الذي ليس فيه ما يخص العامة من الناس. كما أن اتهام الرئيس عبد ربه منصور هادي قبل يومين له، تضعه في موقع ريبة وشك على الدوام.

 

وطبقاً لمصادر، أقدم الوزير الوجيه مؤخراً على طباعة 10 مليارات ريال من العملة المحلية دون وجود غطاء لذلك من العملة الاجنبية لدى البنك المركزي اليمني.

 

هذا الخطأ الفادح، يعيد للأذهان ذلك اﻻضطراب الاقتصادي الذي شهدناه في 2009 حين جرى طبع ورقة نقدية جديدة من فئة الـ250 ريال، والتي سببت تدهوراً كبيراً في استقرار سعر صرف الريال مقابل الدوﻻر اﻻميركي.

 

لكن، لندع الحديث عن سعر الصرف جانباً، ولنتحدث عن مأزق اﻻنفاق الكارثي للمال العام من قبل الحكومة وخصوصاً وزير المالية على وجه التحديد.

 

فالإنفاقات الضخمة، في عهد النظام السابق، كانت كثيراً ما تذهب للمشاريع السياسية الفردية، بيد أن الانفاق اليوم ذهب للمشاريع الحزبية منذ أن تولت حكومة الوفاق زمام الأمور، فالمبالغ الطائلة التي استنزفت الميزانية ذهبت لشراء وقود الديزل لمحطات الكهرباء الاسعافية، والتي توﻻها نافذون حزبيون، بدلاً من انشاء مشاريع حقيقية للطاقة، في حين ان جزءاً من اﻷموال أنفقت كتعويضات ونفقات علاج في الخارج، ولمشاريع وبرامج تبين أنها تنتمي لأشخاص وجهات حزبية وحسب.

 

ما فعلته الحكومة الحالية، هو انها تركت فقراء اليمن عرضة للتحولات في إنتاج النفط وأسعاره في الأسواق العالمية، فسعر البنزين الذي يشتريه المواطنين في اليمن، بات أغلى من سعره في السوق العالمي.

 

إن عامة الشعب سيضحون عرضة لتقلبات السياسة الردئية التي تتجاذبها القوى والأحزاب التي لا مكان لاقتصاد الناس في أجندة عملها حيزاً يذكر،  كما أن الحوار الوطني لم يحقق منذ انطلاقه وحتى الآن، شيئاً يلمسه الناس على الأرض في جنوب البلاد وشمالها.

 

وما لا تدركه الحكومة، ان إلغاء دعم البنزين والديزل سيضر بقدرتها على تحقيق التوازن في ميزانية الدولة وهو ما اتضحت اثاره الان، فضلا عن أنها لن تقوى على تغطية حصص الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك دعم تكاليف المعيشة.

 

على الأرجح، سيتضاعف استمرار الركود الاقتصادي، وسيظل مهيمناً وهو ما سيقود الى تراجع الإنتاج الاقتصادي، طالما وأن الفاعلين النخبويين للبلاد تركوا في مواقعهم بعد التغيير لممارسة المزيد من النفوذ، وقد يتيح لهم ذلك، نقل ثرواتهم إلى الخارج.

 

يبقى الاحتمال السيئ هو أن كلفة الفقر ستزداد وستتسع رقعتها، مع تضاعف استمرار العنف المتفرق تجاه خطوط نقل الطاقة وأنابيب النفط والغاز، الى جانب تنامي التفتت الإقليمي لمناطق البلاد، وربما نفيق ذات يوم على مناطق محلية مع ثرواتها، مستقلة سياسيا وإداريا عن بعضها البعض، وهي في طريقها الى ذلك.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك