حاج تهريب (قصة قصيرة)

أتخذ القرار الصعب؛لأن بقاءه صار اصعب. إنه نوع من الموت البطيء كتناول جرعات من سم  فتاك يشل الحواس والأعصاب ..مستحقات الكفيل تفوق دخله الضئيل، فهل ترك أهله يموتون جوعا  في اليمن كي يعول سعودي منتفخ البطن  يعامله كنكرة.

 

حتى وإن لم يكن هناك سوى التراب ليأكله فليعد إلى وطنه وليأكل من تراب  اليمن؛ فتراب الوطن لم تلوثه أقدام النياق المدللة آكلة الكبسة..وسنوات الغربة الصعبة يجب ألا تنتهي بلا انجاز، فإذا كان الانجاز المالي حلما بعيد المنال ،فليكن انجازا روحيا وفرضا دينيا يجب عليه اداؤه .عليه ألا يترك سنين العذاب تذهب هباء. الحج على الابواب والتنقل   بحرية حلم لا مثال له، فهم العبيد الجدد لرعاة الإبل وآبار النفط  ولا يحق لهم السفر أو التنقل بدون إذن أو رخصة ،لكنه عاطل عن العمل  والهروب اصبح  سبيل ابو يمن للتنقل عبر كوكب الارض.

 

                             ******

باع كل ما لديه من أشياء قد تباع ولها ثمن. اشتراها منه رفاق المعاناة .وجمع القليل من المال قد يكفيه حتى يصل إلى مبتغاه. 

 

حين وطأت قدماه الأرض المباركة لم يجد موطئ قدم .هنا فقط لن تعرف السلطات أنه حاج تهريب فكل هذه الأمم أتت من اجل أن تقول كلنا امام الله سواسية.

 

لم يدرك يوم التروية ..ولكن الحج عرفة. ومع سيل الحجاج العارم توجه نحو عرفة، كان يدعو الله أن يقبل حجة التهريب هذه وألا يرده خائبا( فأموال الحجاج التي دفعوها لن تذهب إلى بيت مال المسلمين، بل إلى جيوب اللصوص والسارقين)، ومع طول المسافة بين عرفة ومنى والسير على اقدام شبه عارية، كان  في البداية  يبكي من الرهبة والغربة وأصبح يبكي من التعب والنصب. ( لعله تسرع في قراره. فهو وحيد حتى أنه لا يدري أين الطريق.. فقط ترك نفسه لتيار البشر الجارف).

 

وصل الطوفان البشري إلى جبل عرفة، ولم ير أي جبل لقد رأى كتل من البشربعضها فوق بعض يتزاحمون كأنه يوم الحشر، ويبكون ويرفعون اكفهم متضرعين (لعلهم يبكون من شدة التعب والجوع مثله ).

 

زاحم قدر استطاعته عله يجد مكانا يندس فيه، وكلما وجد شبرا كي يضع قدما ويعلق اخرى أتى من هو أضخم  منه وأزاحه برفق او غلظة، وقد نسي بعض الحجاج أن الحج جهاد للنفس وليس للحجاج من حوله... (أم لعلهم يشتمون فيه حاج يمني تهريب، فيظنون عليه ببقعة صغيرة يركن إليها). قضي شطرا كبيرا من ذلك المساء يبحث عن مكان يركن إليه، ومع الحر وطول المسير تسلخت قدماه وبين فخذيه وأصبح يمشي من أجل البقاء فلو توقف سيطمره سيل البشر دون رحمة .

 

وأخيرا وجد مكانا صغيرا يكفيه جلوسا بدى له كقصر غمدان في أوج عزه فارتمى عليه يريد احتضان هذا المربع الصغير، والقى كيسا صغيرا كفرش يرقد عليه جلبه لهذا الغرض ومعه كيس اخر فيه بعض الثياب والقليل من التمر، جلس وأخذ يعتذر إلى ربه. لقد انساه التعب بركة يوم عرفة، لكن الله غفور رحيم ).  

 

شعر بألأم التسلخات تتصاعد إلى رأسه مع التعرق وحالة السكون النسبي التي حصل عليها،  وبدأت الحرقة تؤلمه ورغبة ملحة في  الذهاب إلى الحمام تؤرقه.وتلفت يمنة ويسرة كمن يستنجد بمعجزة .

 

وأخيرا لم يعد يحتمل. سيذهب إلى اقرب حمام ويريح نفسه .ألتفت إلى الجالس بجواره وسعد أنه عربي مثله قد يفهم مطلبه الوحيد والمصيري .. أن يحتفظ بمكانه وكيس ملابسه حتى يعود.

 

طافت عيناه في المكان حتى يعرف احداثيات موقعه. لحسن حظه أن موقعه يعد في الأطراف وهكذا تسهل عودته،وبدأت رحلة معاناة أخرى، كون اقرب حمام يبدو كأقرب قرية نائية إلى قريته. وفي رحلة العذاب تلك لعن في سره تلك الفكره التي قادته إلى هذه المعاناة دون رفقة أو مال كاف او حتى خبرة .

 

حين عاد إلى ما كان يعتقد إنه الطرف أو الركن الخاص به، لم يجده ولم يجد كيس ملابسه أو الرجل الذي ينتظره .أحس بالدوار (لعله اضاع المكان فكل الاماكن تتشابه هنا وما قد يكون طرفا يصبح بعد قليل وسطا مزدحما ..دفع اليأس عن صدره المكتئب وأدرك أن الحج جهاد، وأنه اذا صبر واحتسب سيعود كما ولدته امه عاري تماما من الذنوب ومن كل شيء).

 

لم يجد الوقت كي يتعبد الله، فقد قضى جل يومه يبحث عن مكان يستريح فيه وكلما قرر الوقوف كي يريح جراحه وجوعه تحرك رغما عنه حتى اُنهك تماما وسقط لا يدري أين ..

                                                                                                          

******

فتح عينيه مع شروق الشمس، كان الحجيج ينزلون من عرفة فظل ساكنا من شدة الخواء لا يدري ماذا يفعل . بدا المكان يفرغ من الناس وبإمكانه رؤية الارض من تحت اقدامهم ، وظهر له شيء مألوف مرمي على الأرض..إنه قميصه أو ما تبقى منه فقد زحفت عليه مليون قدم مزدوجة، ونهض من مكانه يلملم كيس ملابسه الذي انتشر على مساحة كبيرة لا يدري كيف  ..

كان يبحث عن  التمر في علبة صغيرة كانت بين الملابس .لكنه لم يجدها ..

فيما الحجاج يتجهون إلى مزدلفة اتجه هو نحو أقرب عيادة لإسعاف الحجيج فقد نال منه الاعياء والجوع منالهما، وزادت معاناته بالتسلخات والتقرحات الشديدة  بين فخذيه وباطن قدميه.

 

(لحسن الحظ أنه بإمكان المرء أن يجد دواءً مجانياً وأيضا بعض الطعام من أهل الخير وإلا لكان مات دون أن يكمل حجته.

 

أغدق على نفسه بتلك المراهم ومسكنات الألم ومضى ينهي حجه برمي الجمرات . ولشدة مشقة السير تمنى أن يرمي كل من يصادفه بحجر...

 

غير قادر على تكلفة الركوب، والمسافة بدت له طويلة بلا نهاية. ظل يمشي مباعدا بين ساقيه تخفيفا للاحتكاك ودموع الالم تطفر من عينيه .كان جهادا حقيقيا، لكنه أنتصر وعاد إلى المستشفى بحالة سيئة .حينها قرر أن يريح جسده المنهك يوما كاملا قبل الذهاب إلى الكعبة ومعاناة الطواف الاخير .

 

********

حين طالعته الكعبة طفرت الدموع من عينيه ودعا الله أن يعود لأهله فقط، فقد خالجه شعور بأنه لن يعود إلى الوطن بعد كل هذه المعاناة .

 

حاول مرارا أن يندس بين موجات النهر البشري الذي يطوف حول الكعبة، لكنه ابدا لم يجد موضع قدم ..تلاحم البشر حتى أنه لا توجد فرجة صغيرة يدخل فيها إنسيٌ أو شيطان..

 

كان يتمنى لو أنه تمكن من الطواف في صحن الكعبة فالمسافة أهون من الأدوار العليا ..إلا أن حظه العاثر قاده رغما عن أنفه إلى الدور الاخير.. حيث الطواف طوافين .

 

وأصبح الامر يشبه المعجزة مع حالته السيئة إلا أنه فعلها وانهى الأشواط السبعة في سبع ساعات كانت كفيلة بتمزيق تلك التسلخات العنيفة التي اصابته.

 

وكأن دعوته حال رؤيته وجه الكعبة هي ما ابقته حيا كي يكمل حصاد الغربة المذلة ،ويفكر في عودة  سليمة لأرض الوطن  دون التعرض لمآسي "التزفير" والترحيل، التي تواجه كل يمني بأوراق أو دونها.قرر اخيرا العودة، وكان عليه أن يتحمل آخر جرعة للمهانة والحاجة. فلم يكن لديه حل سوى تسليم نفسه للسلطات كي يرمونه خارج مملكة النفط ..وكان ما اراد ..

 

إنهم يعشقون التقاط اليمني كالذباب.متناسيين أن هذا اليمني هو من عمر الصحراء الجدباء يوما .بل ويمعنون في إذلال اليمنيين وإهانتهم كلما سنحت فرصة.. ولا اروع  من فرصة الامساك بمغترب يمني يريد "التزفير" الاختياري ..

 

كل معاناة سنوات الاغتراب تجسدت في أول صفعة مودعة عند الحدود لتتجمع أنهار من الحقد والغضب والسخط لتكون صفعة متبادلة بينه وبين الشخص البطين أمامه . اعقبتها بصقة حملت كل الاشمئزاز والقرف اليمني  في وجه الجارة اللعينة ..وأطلق ساقيه للريح.

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- للأسف قصة غير جديرة بالقراءة رغم كل مافيها من مآسي لليمني، ما فيها من أخطاء في شعائر الحج ومنها أن

للأسف قصة غير جديرة بالقراءة رغم كل مافيها من مآسي

للأسف قصة غير جديرة بالقراءة رغم كل مافيها من مآسي لليمني، وذلك لما فيها من أخطاء في شعائر الحج ومنها "فتح عينيه مع شروق الشمس، كان الحجيج ينزلون من عرفة" والصحيح أن الحجاج ينزلون من عرفة بعد غروب الشمس!ثانياً التناقض بين ما يوجبه الحج من هدوء الروح ودماثة الأخلاق إلا أن اليمن الجاج في الأخير بعد إتمام حجه يبصق على أرض الحرمين بوجود مكة والمدينة!وهناك الكثير من الأخطاء، نرجو الإرتقاء بالعمل القصصي.

2- الله يصلحك ويشفيك من غلك

ابو خالد

الاخت / الاخ ...اللي سبقني بالتعليق قال انها قصة غير جديرة بالقراءة وانا اشهد انه كفى ووفى وصدق فيما ذكرهوانا بدوري رايح اضيف ( انها غير جديرة حتى بالرد ) .... فقط اريد ان اشكر من سبقني بالرد

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب