البردوني.. بحثاً عن الذات اليمنية

البردوني.. بحثاً عن الذات اليمنية

بعد سنوات من رحيله وفي الذكرى الرابعة عشرة التي تحل في 30 أغسطس هذا العام، السؤال الذي علينا إعادة الإجابة عنه ما الذي علينا استدعاؤه من البردوني الآن؟ فإضافة إلى قول البردوني للشعر كمتنبي عصره، ونشر دارسات نقدية في الشعر والشعراء وفي الفنون الأخرى،  حرص على تسجيل تصوراته الفلسفية الفكرية عبر كتابات اجتماعية سياسية انشغلت بموضوعات الثورة والبناء كعمليتين متلازمتين تفضي الأولى إلى الأخرى.

 

نعرف ذلك من كتابه الجامع لمقالات نشرها في الصحف أو كتبها للإذاعة "قضايا يمنية" "وأشتات" و"الثورة والثقافة في اليمن"، فيبدأ الأول بمقاله "حين يحكمون وحين لا يحكمون"، فيحدثنا عنهم كيف يرددون المبادئ حين لا يحكمون، وينقضونها حين يحكمون، عن وطنية الوطنية، وشعبية الشعب أساس تجربة كل حكم ناجح. وتجيء عناوينه الأخرى وكتاباته منحازة لـ"لمواطن أولاً" و"الوطنية الكاملة". وقناعاته بأن التطو�'ر بحاجة إلى نُخبة متطو�'رة، إلى أشخاص لديهم تجربة لمنفعة الوطن، لا للانتفاع. 

 

لماذا أراد البردوني تسجيل آرائه الاجتماعية السياسية إذا لم  يكن ذلك ضرورياً بالنسبة له، وهل هو شاعر ومثقف عادي، حتى نفسر ذلك بالقول: إن ضرع الشعر والنقد جف لديه فاضطر للكتابة في السياسة كما يذهب إلى ذلك الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح في مقالة كتبها العام 1985، وأعيد نشرها في  مقد�'مة أعماله الكاملة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب في العام 2004.

 

إن رسالة المبدع واحدة، وإن بأدوات متعددة، ومن الإجحاف عدم الالتفات لكتاباته الفلسفية الاجتماعية أو السياسية وآرائه الناقدة الثاقبة، والتي تفر�'قت في حواراته.

 

وفي حال ضبابي وصل إليه اليمن اليوم على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، نتيجة الموانع الكثيرة؛ بناء الجمهورية التي بدأت بعد ثورة 26 سبتمبر وكان البردوني بذرة في نموها، إلى درجة لخصها المفك�'ر المصري الكبير محمد حسنين هيكل قائلاً: إبان قيام ثورة 11 فبراير 2011، "اليمن قبيلة تريد أن تتحول إلى دولة"؛ سيكون أول ما علينا استدعاؤه من البردوني أفكاره في الثورة والبناء.

 

جس�'د البردوني إحدى تجليات العبقرية اليمنية العربية في الشعر، في المقابل مثل أول مبادرات الفكر السياسي اليمني المؤمن بأهمية ثورة الثقافة قبل الثورة، داعياً في إصدارته إلى إنتاج الواقع السياسي بعرق أبنائه وأفكارهم، مع الاستعانة بأساسيات علوم اليوم بتفاصيل نابعة من واقعنا.

 

بدا أن الكتابات الفكرية كانت الوجه الآخر للحزن الذي طغى على شعره، إذ أن سعادة الإنسان تنبع مما يقد�'مه من فكرة لمجتمعه إشباعاً لجوعه، كما يروي الشعر ضما الروح.

 

وهي حلقة في دائرة متصلة بحلقات أخرى هي الرسالة العليا للشاعر البردوني، وما كان يعجز عن إيصاله شعراً، بي�'نه في الكتابات النثرية التي توز�'عت بين النقد الأدبي، والفني، والتاريخ، والآراء الاجتماعية السياسية التي نحن بصددها.

 

في خضم بحثه عن ذات يمنية مستقلة يختلف ما نجده في كتب البردوني عن المذكرات الصماء أو الآراء العابرة الزائلة بزوال الحدث لينتهي بها الحال في أفضل الظروف إلى تاريخ الهامش، فهي لا تستقر في بداية أو نهاية، إنها عملية تحقيق طويلة تبدأ من الأمس وتنتهي بالمستقبل، تستند على طاقة التاريخ من الأزل إلى ما قبل ثانية، إذ أن أفكاره صالحة لكل زمان ومكان، لكل ثورة ودولة لكل رئيس وكل حكومة، لكل حالة سياسية تتألف من السلطة والمعارضة، لكل مجتمع تختلف شرائحه ومشاربه.

 

في محاولات البناء الثاني للجمهورية، علينا التنب�'ه أن الواقع اليمني أنتج أشياء كثيرة ليس من بينها الفلسفة السياسية والاجتماعية، لقد استورد أفكاراً لم تفصل عليه، فعجز عن تطبيقها، لتكون النتيجة سياسيين لم يقرأوا حتى تلك الأفكار، فكانوا سي�'ئين بالضرورة. وهذا يفسر حالة الرد�'ة المطردة عن الجمهورية والمدنية إلى ما قبلها من بدائية وتخل�'ف.

 

لقد تنبه البردوني قبل ذلك، وجاء واعياً من ناحيتين؛ الأولى عمله على ملء فراغ ما يزال إلى اليوم في مجال الفكر السياسي اليمني، إلا من أسماء قليلة لم تشكل تجربة متكاملة، ومن ناحية وضعه للبنات الأولى للفكرة الاجتماعية اليمنية الخالصة، والسياسية باعتبار السياسة مجالاً يهتم بالمجتمعات وأفرادها.

 

على أن البردوني لم يسم�' ما نشره فكراً فما هي إلا مفاتيح تشير علينا بأهمية الولوج من باب الفهم للواقع ورفع مداميكه، بأيدٍ يمنية وعرق يمني يعتمد على المبادئ، لصناعة أسطورتنا الخاصة بتفاصيلنا الخاصة.

 

إن البحث عن مُبررات لقراءة ما نشره البردوني في الفكر والنقد الأدبي يجب أن يكون بعيداً عن المواقف المسبقة من كتابة شاعر ما، في النقد الأدبي، وكتابة الناقد للسياسة، وإن كان لا بُد من شرط في عموم الكتابة فليكن مجرداً إلا من الإبداع والإبداع فقط.

 

ينشر "المصدر الثقافي" مقتطفات من كتاباته البردوني الفكرية الاجتماعية السياسية، تعطي القارئ نبذة عن المبادئ التي دعا إليها البردوني في الحكم وإدارة الدولة في فن الانحياز للمواطن والوطن، وتبيين ما يجب وما لا يجب من وجهة نظره.

 

مقتطفات

*********

نهاية «البين بين»

ومن هنا نستخلص أنه ليس هناك "بين، بين"، وليس هناك غير موقف الوطنية والثورة، فقد ظفرت حركة الثالث عشر من حزيران سنة 1974 بأكبر تأييد شعبي. ولكن لماذا تجمهر حولها أبناء الشعب، واندفعت إليها مؤازرة الجماهير؟ لم يكن هذا التأييد والاندفاع عن عفوية وإنما عن موقف وطني ثوري، لأن الحركة رفعت أول ما رفعت شعارات سبتمبر، وشعارات التصحيح، وشعارات محو الاستغلال والرشوة، وكلها كانت يوميات موقف "بين، بين".

لقد استجاب الشعب للحركة، لأنها عب�'رت عن مطالبه الثورية التي عب�'رت عنها يوم سبتمبر، فإن نجاح حركة خميس حزيران يرجع إلى صحة انتمائها إلى فجر خميس سبتمبر، ومن هنا يبدو أن الحركة اتخذت موقفها الوطني الصحيح، لأن سبب انهيار الأوضاع السابقة انتهاج موقف "بين، بين"، الذي لا مكان له في زمن تحديد المواقف، ولا بُد لكل حركة من موقف صحيح ووطني منبثق من الواقع، وصادر عن الحس الشعبي الغالب، قد يمكن أن يكون هذا الموقف عريضاً وعميقاً لكن الخروج عنه خروج عن الحياة.

=====================-===================

المشترك بين التأسيس والتصحيح

إن التغيير في حاجة إلى كوادر متطورة تصنع التطور، فهل هذه الكوادر موفورة؟ نعم!! الفترة تحتاج إلى إخلاص أكثر من قدرة؛ لأن القدرة تنبع من المزاولة العملية. ولعل�' أولئك المنبوذين لأنهم أنقياء يشكلون حيزاً كبيراً من كادر التغيير، فأولئك الذين لم "يَع�'مُروا" دُوراً، لأنهم لم يتعبوا من الراحة، يكو�'نون نواة، إن الأنقياء كثير، والمهم هو اكتشافهم، لأن عدم الوصولية في أنفسهم لا توصلهم، لكن أكثر مهام الحكم الوطني مشقةً أن يبحث عن المواهب القادرة في مظانها، لأن أصحابها لا يتزاحمون على أبواب الرئاسات باذلين خدمتهم لأفراد، فبأي وسيلة يكتشفهم الباحث؟ من الأعمال الصغيرة التي زاولوها وطوروها وتسببت كفاءتهم في إقصائهم؟ أو من مظاهرهم العيانية، فلا جيوبهم منتفخة ولا تحتهم سيارات من آخر موديل؟ ولا أولادهم في المدارس الخاصة التي تمتص عشرات الآلاف بلا خصوصية تعليم حقيق، ذلك لأن الفقر أتقى من احتيال الغنى ولع�'ق الأحذية في سبيل الوصول إليه. فشعبنا لم يبلغ البؤس إلى أزمة من البشر، فبهؤلاء يمكن التغيير، أو كيف التغيير؟ فثورة سبتمبر أمتن أساس، وحرارة حدثها العظيم أقدر على إنضاج العمل الوطني والتغيير، فالتأسيس أو التصحيح يلتقيان في لغة واحدة (ثورة سبتمبر الوطنية)، لا فرق بين أن تؤسس أو تصحح؛ لأنه ممكن تلمس الأساس لتجلي أثر الأحداث عليه، لأن الإفساد يمكن أن يصل إلى الجذور، وإذا كانت جذور سبتمبر قد فسدت أو أكثرها، فإن كل تربته ما تزال حية خصبة، وأرُومته ما تزال قادرة على الإخصاب.

=======================-===============

 

إن الزمان كالناس، بل هو الناس، لأن حركتهم تنجم فيه وتتأطر بشموسه وأقماره فتُخمل الفترة النابهة بالأحداث الفترة النائمة حتى تستيقظ، فيسجل التاريخ الشجرة ويجهل البذرة، لأنها اختمرت في التربة، والناس – العامة – يهتمون بما يرون ولا يتساءلون عما يرسب في الأعماق، إلا الغواصون منهم فإنهم أهم بما يختفي، أكثر مما يبدو لأن البادي منظور والخفي أملى بالسر، فهو أدعى إلى البحث لأن المثقف يغوص لكي يكتشف ويكاشف.. لأن أحداث الزمن كأحداث المسرح يشتغل النظ�'ارة بالممثلين عن المنتج والمخرج وعَم�'َا ينطوي عليه النص من وراء المخرج والمنتج حتى تتلاحق المسرحيات فيتمسرح الداخل، لكي يلتحم المنتج والمخرج والمتفرج، وهذا ما حدث في بلادنا منذ توالي الأحداث أو منتصف الخمسينات بالتحديد، زمن الأحداث ووفرة الحس بها، من تلك الفترة ترك�'َز الاهتمام على الحلقات المنظورة، وأحس كل ملاحظ أن هناك حلقات مفقودة، إلا أنها غير منظورة لغيابها تحت الأرومات المكونة للجذوع، ذلك لأن أحداث الخمسينات المتوالية إلى ألآن، كانت تنتسب إلى مصادر بعضها ملء العيون، وبعضها لا تلمحها إلا العيون الذهنية الثاقبة، فهل نعتبر الخمسينات وبداية الستينات فترة تمخض؟

================-===============

حتمية التقدم

لأن السلطة الفاسدة مهما كانت لا تستطيع أن تحجز تفاعل الركام، بل لا تستطيع أن تفسد كل شيء، قد تفسد المستعد لتقبل الفساد لقربه منها، لكن غالبية الشعب تعتصم بالبعد، بل إن البعض يملكون حصانة ضد الفساد ولو كانوا على قرب من السلطة الفاسدة، فيفجرون الثورة عليها من داخل، فيصبح الانفجار الفوقي سبباً لانفجار البنية التحتية، فتلتقي السلطة المريدة للتغيير بالشعب الطامح إلى التغيير، باعتبار الشعب بطل الحكم، والسلطة بطل الممارسة، فالتقدم الإنساني والكوني متتابع الموجات، حتى وإن اشتدت النكسات التي تعترض فإنها تكون عنصر تجمع لانطلاق جديد.

ومعطيات الأحداث في بلدنا وخارجه تؤكد هذا المفهوم، إلا أن التقدم ذو حدين:

-           تقدم الشعب، والتقدم ضد الشعب.

==================-===============

الجسور والحفر في خطنا الثقافي

لقد واصلت ثقافتنا مسيرتها في عدة خطوط بعضها سقطت في هوة ولم تتجاوزها، وبعضها سقطت لكي تستعد للمسير، وبعضها تعرجت ولكن لكي تصل على بعد الطريق، وبعضها وضعت أقدامها على أول طريق متين فمكنها من التواصل بدون انقطاع، وكل هذا يرجع إلى الحياة الاجتماعية، فقد حاول شعبنا تجاوز واقعة فتعرجت طريقه من جانب وتفتحت له الهواة في بعض الخطوط، وامتدت مسيرته على بعض الجسور.

==========-==========

ثقافة الثورة أو ثورة الثقافة

صحيح أن النقد قد يكون مغرضاً، وأن الدفاع قد يكون مغرضاً، لكن لا يخلو النقد والدفاع من فائدة تجتنى، لو لم يكن إلا طرح القضية للحوار، وبسطها للاكتشاف والرأي الذي يبديه أي ناقد لا يمثل المنقود إلا بقدر ما يبدي من نماذج أعماله، أما مسئولية الرأي فهي على صاحبه، لهذا يشترط في الرأي، صحة المعارف ووضوح الاستدلال والخبرة، ليكون الرأي مشروعاً مُبَرهَناً يقوم عليه الحكم لأن حكم أصعب الأمور، فعندما نحكم لشيء أو على شيء لا بد أن تكون براهيننا صادعة ودعوانا بي�'نة.

================-========================

الوصول قبل السفر

علينا أن نعترف بكل شجاعة أننا إلى الآن لم نعمل لشعبنا ما ينتظره أو أقل ما يتوق إليه، بدليلٍ يغني عن كل الدلائل هو أن شعبنا ما يزال حيث هو : يستورد كل شيء، ولا يصد�'ر إلا الإنسان صانع الأشياء.

= =================

بين الذي لا يرجع والذي لا يأتي

ليس العمل ضرورة فحسب يقتضيها إثبات وجود أو حماية وجود، وإنما هو حركة تدفعها أفكار وتقودها أفكار، لأن العمل الذي لا يصدر عن فلسفة وتنيره فلسفة، يبدو كلا عمل، مهما تعددت مواقعه واتجاهاته، والعمل الذي تسيره فلسفة ينبت من شجرة الخضراء، ويتجدد اخضراره مع تحولات الفصول، أما العمل الذي تقتضيه ضرورة البقاء أو ضرورة الدفاع عن هذا البقاء، فيبدو مهما تكاثفت وسائله كلا حركة، وكلا عمل، لأن فلسفة العمل وزمن العمل يعطيانه حيوية الحياة وسر الفاعلية و التأثير، فإذا كان لكل عمل فلسفة تدفعه وتهدي مسيرته، فإن تزمن هذا العمل يعطيه صفة القابلية وسر الخصوبة، لهذا قال الأجداد (ما يصلح لزمن لا يصلح لسواه)، و(ما يناسب بلداً لا يتناسب بلداً آخر).

فالفلسفة العملية وزمن العمل سر حركته وأسباب قابليته وامتداده، وإذا لم تكن للعمل فلسفة تحركه وتهديه، فهو كلا عمل مهما تزايدت مواقعه وتكاثرت أيدي عامليه، لأنه مجرد ضجيج يحاول استرجاع مالا يرجع أو استقبال ما لا يأتي.

============-=========================

لماذا هجوا أنفسهم؟

من أحدث الأطروحات السياسية المعاصرة: أطروحة النقد الذاتي التي تبنتها عدة تنظيمات ودول في الخمسينات والستينات كالصين ومصر، والجزائر في السبعينات باعتبار أن النقد الذاتي أهم علامات نضج النظام أو التنظيم، لأن نقد الذات آخر مراحل فهم النقائض ومعرفة الأخطاء بقصد تجاوزها أو محاولة تجاوزها، غير أن النقد الذاتي لا يتحقق إلا بعد نقد الغير الذي هدى موطن النقص أو مكامن الخلل، فيأتي النقد الذاتي مهتدياً إلى ذاته بنقد الغير ومستفيداً من سالف التجارب، ذلك أن الخطأ مجرد جانب واحد من التجربة أو مجرد انزلاقات في الطريق، أما عندما تكون التجربة كلها أخطاء فإنها لا تستدعي النقد الذاتي لأنه لا ينفع، وإنما تستدعي إعادة النظر إلى أصل النظرية التي قامت عليها وأساليب تطبيقها.

===========-=

شعوب الثورات

فالشعوب الثائرة مهما رسفت في قيود القوانين تملك العطاء الجم لشعوبها ولسائر الشعوب، لأنها ثارت عن ثقافة وانتكست عن تحالف الساسة المحترفين وأنصاف المثقفين، وكل هذا لا يشكل توقفاً وأن سبب بطأ في التحرك المستقبلي، ولعل تلك النكسات الآنية كانت رهينة بأسبابها، فبعد قيام الثورات خاف زعماؤها من إنسلال المؤامرات من خلال حرية المثقفين، وبالأخص التنظيميين الذين سبقت لبعضهم خيانات أو تواطؤ مع المحتل، فقد كان للقمع الثوري مبرراته وتجاربه، ومع هذا اختلف عهد الثورات عن العهود التي سبقتها في مجانية التعليم والصالحة، وفي تأميم مصالح الاستعمار والاحتكار وفي تسييس الثقافة، وفي كسر احتكار السلاح الغربي، وفي محاولة وجود قومية عربية عالمية... وكان المنتفعون من العهود السابقة يستغلون تنظيم الحرية وطرد زوائدها، فيتشدقون بالحريات الفردية في أيام الانحلال والاحتلال.

===================-=============

واحدية نظرية الحكم

وهذه أول لمحة إلى أن سلطة المجتمع أقوى من سلطان الدولة وكثرة العشيرة، وكانت تتفاقم الخصومات إذا انتقل المختصمون إلى قوة السيف، لأن حالة الحرب شذوذ على المرعي من العوائد وعلى الرأي العام، فما كان يتسنى للح�'كَم أن يقبل ارتضاؤه إلا بعد أن نفثت الحرب ما في الصدور من غيظ، وهذا ما أذهل المتحنف (قس بن ساعده الأيادي) فقال:

"أكاد أرى للناس طبيعتين: خيرة وشريرة، أما الخيرة فتقوى بالتفكر والاعتبار، أما الشريرة فإن الحرب أذهب لها، فلا بأس من نفث الغيظ إذ لا بد من عمل يشتفى به الصدر من نزع طبيعتيه، وقد تبدى هرم بن سنان والحارث بن عوف أقدر المحكمين لأنهما سعيا بالصلح بين أعنف قبيلتين عبس وذبيان الذي أقسموا على القتال إلى آخر رجل وآخر سهم ورمح وامتدت الحرب بينهما أربعين عاماً.

ولكي تقوم الدولة ذات الكفاءة يتهيأ المجتمع لتقبل حكمها وللانقياد وراءها وذلك عن طريق حسه بأن قرارات هذا النظام في صالحه، لأن الوطن العظيم يخلق دولة عظيمة.

 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك