اليمن ما بعد الانقلاب

دخلت اليمن، بعد تقديم الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته استقالتهما، مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد يمكن أن توصف بأنها مرحلة ما بعد الانقلاب، وسيزيد من تعقيدها دخول روسيا لاعباً رئيساً في هذا الملف إلى جانب إيران، بأجندة ثأرية من المملكة العربية السعودية، التي تتهم أنها وراء هذا الانهيار المتسارع في أسعار النفط.

 

ودخول روسيا لا يستهدف التأثير على المملكة فقط، ولكنه أيضاً سيفقد واشنطن الأريحية التي كانت تتمتع بها وهي تعمل على صياغة مستقبل اليمن بمساعدة حلفائه الغربيين المقربين وفي مقدمتهم بريطانيا، عبر أداتهما القذرة؛ الجماعة الحوثية المسلحة.

 

كان آخر تصريح أدلى به بالأمس مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن جمال بنعمر، الذي عمل لصالح المشروع  الأمريكي، قد كشف الجهات التي تواصل معها في صنعاء، وكان لافتاً أن لقاءاته مع السفراء الأجانب شملت كلاً من السفير الروسي والسفيرين الأمريكي والبريطاني الأمر الذي يؤشر إلى الدائرة الحصرية للاعبين في مسرح الأزمة اليمنية.

 

هنا يمكن للمراقب أن يلحظ بكل وضوح تراجع دور اللاعبين الإقليميين العرب وفي المقدمة المملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، عدا سلطنة عمان التي تتحمل على ما يبدو جزءاً من مسؤولية التجيير القسري للدولة اليمنية لصالح كل من إيران، وأداتها المذهبية؛ الجماعة الحوثية المسلحة.

 

الرئيس اليمني حدد مسار الإجراءات التي يُفترض أن تتبع لحسم مسألة انتقال السلطة، عبر تقديمه الاستقالة إلى رئيس وأعضاء هيئة رئاسة مجلس النواب، التي يهيمن عليها تقريباً، حزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وحيث يمكن لهذه الهيئة، في حال قبل مجلس النواب استقالة الرئيس، وفي حال ضمنت عدم إيقاع العقوبات من قبل مجلس الأمن،  أن تنجز بقية استحقاقات الانقلاب على النظام الانتقالي وإعادة تركيز السلطة في النخبة السياسية والعسكرية الشمال-شمالية، بكل ما يعنيه ذلك من تجيير مذهبي للسلطة والثروة والهيمنة على مقدرات الدولة.

 

هناك احتمال أن يتفجر صراع مسلح في صنعاء إذا ما قرر الحوثيون المضي في تقرير مصير البلاد بعيداً عن الآلية الدستورية وفرض خيارهم الأحادي، وهذا الصراع قد يندلع بين أنصار الرئيس المخلوع والحوثيين، مع يقيني أن الحسم العسكري سيكون أسهل تحقيقاً من جانب هذا الأخير بالنظر إلى نفوذه على المؤسستين العسكرية والأمنية، ولأنه وقواته هم من حققوا كل الانتصارات التي حُسبت للحوثيين، وكل هذا التمكين الذي بدا أنه إنجازٌ حصريٌ للحوثيين وكفاءتهم وهذا غير صحيح.

 

الصراع هذه المرة، سيكون من أجل حسم قيادة النخبة الشمال-شمالية، هل سيستطيع المخلوع صالح بانتمائه العشائري أن يحسم القيادة لصالحه أم أن عبد الملك الحوثي بانتمائه للنخبة الهاشمية التي تحتكر القيادة الروحية للمذهب الزيدي هو من سيتغلب ويقصي صالح ومن على شاكلته إلى الأبد.

 

ما من شك أن الحوثيين قد عملوا خلال المرحلة الماضية على بناء مجدهم الخاص، وساعدهم صالح على ذلك بقوة رغبة منه في إنهاء التغيير والانتقام من خصومه، وهذا المجد له أساس عقائدي، إذ أن التأليب الطائفي الذي ساهم فيه صالح، خلال المرحلة الماضية، نتيجته الطبيعية هو الالتزام للمذهب الزيدي من المجتمع العشائري، وهذا الالتزام لا يتجزأ، إذ يتعين على العشائر أن تتصرف وفق ما تقضي به الأسس العقدية والأصولية للمذهب، والتي تفوض الهاشميين دون سواهم في الحكم دون مساءلة ودون انتخابات باعتباره حقهم الإلهي.

 

لدي يقين بأن ذاكرة المجتمع العشائري ما تزال تحتفظ بذكريات سيئة من استعباد مرير عانت منه خلال فترة حكم الأئمة التي ظلت تتراوح بين التمدد والانكماش من صعدة وحتى صنعاء وأحياناً تتعداهما إلى بقية المحافظات الشمالية.

 

ليس في ماضي الإمامة التي يحاول عبد الملك الحوثي إحياءه من جديد، ما يشد إليه، فلم يكن حضارياً ولا بناءً، لا بل احتكر العلم والمعرفة على محدوديتهما،  وحصرهما في دائرة من يتصل نسبهم  بالسلالة الإمامية دون سواهم، وكرس نظرة سلبية عن المجتمع العشائري الذي لا ينفع معه العلم ولا يفيد ولا يؤثر.

 

إن حسم السلطة في اليمن تخضع لمؤثرات عديدة، فقد تشكلت على يبدو جبهة وطنية عريضة، وهناك اصطفاف للأقاليم التي تقع خارج نفوذ الحلف الانقلابي، وبوسع هذه الأقاليم أن تحدث تحولاً في مسار الأزمة اليمنية، إما باستعادة الدولة، أو تفكيكها، بما لا يدع مجالاً للحلف الإنقلابي ومعه إيران من استثمار انقلابهم على المستوى الجيوسياسي.

 

وثمة مؤثرات أخرى مهمة، فبالإضافة إلى دخول العامل الروسي متماهياً مع الدور والتأثير الإيراني القوي إلى ملعب الأزمة اليمنية، سيعمل الدور السعودي على استعادة تأثيره، ولديه قدرة كبيرة على ذلك إذا استطاع الإفلات من الضغوط الأمريكية.

 

وأعتقد أن الحشود التي تتجمع في مأرب تتلقى دعماً معنوياً على الأقل في هذه المرحلة من الجارة الشمالية، التي إن وضعت ثقلها المادي والمعنوي معاً فإنه يمكنها استعادة دورها المؤثر في حديقتها الخلفية اليمن.

 

ولكن لن يكون ذلك ممكناً إلا عبر دعم حلف عريض يضم القوى التي ساندت ثورة 11 فبراير 2011،  أو من خلال دعم النظام السابق، والضغط عليه لاستعادة تحالفاته السابقة، والخيار الأخير ليس مجدياً على المدى البعيد.

 



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك