نحو مصالحة تاريخية وضرورية

المصالحة الوطنية الشاملة هي أساس الحل، إذ ما دونها ستكون محطات كل الاطراف عبارة عن استراحات محارب، سرعان ما تتربص وتتجدد وتعيدنا الى النقطة صفر .

 

المصالحة الشفافة بعيداً عن الاقنعة التنكرية المعتادة.. المصالحة ذات التنازلات والضمانات من اجل تبديد الاحتقان المحتدم، وبما يحافظ على كل المرجعيات الوطنية العليا التي تنطوي على شيء من الخلاف، على ان تبدأ تلك المصالحة الاسعافية من لحظة استعادة النقاش الجاد بشأن ممارسات ومرجعيات الماضي والحاضر والمستقبل، ثم عبر التحمل المشترك للمسؤولية الانتقالية المزمنة والمحددة المهام -في ظل رقابة اقليمية ودولية تساهم واقعاً في تبديد وترشيد التعقيدات الحاصلة وليس العكس- وصولاً لصنع وتفعيل حالة الالتقاء المرنة والناضجة ، التي تستوعب وتصون وتحقق كافة الاجماعات الوطنية التي سيتم الاتفاق الالزامي غير التحايلي عليها، في صيغة المصالحة تلك .

 

والواقع ان المصالحة الخلاقة التي يجب أن تكون مفروضة شعبياً وسياسياً، هي فقط التي ستنقذ بقايا الدولة من الانهيار الشرس ، كما ستمنع الإرهاب من النفاذ الى المجتمع ، وكذا ستعيد موضعة علاقاتنا الخارجية في الاتجاه الصحيح، في حين يفترض بها عدم ابقاء ابواب التنصل مفتوحة حول المظالم والقضايا الوطنية المعلقة ، مع تحديد آليات انصاف ضحايا كل الصراعات دون لف ولا دوران في ضوء معايير وقيم حقوق الإنسان في دولة الحق والقانون القادمة ، ليتخلق بالتالي جواً ايجابياً وحيوياً وفاعلاً واضح المسار، من شأنه توفير البيئة المناسبة للنهوض والاتساق الحضاري والابداع الوطني والاخلاقي وتجاوز الاعاقات السلبية والمأسي المتراكمة .

 

لكن مصالحة تاريخية وضرورية كهذه لأجل استقرار البلد والشعب وتطورهما، لابد ان تكون واضحة الحسم والمسؤولية وهي تجبر جميع الاطراف أولاً على أهمية الاعتراف بأخطاء الماضي ، مروراً بالتفعيل السليم لكافة توجهات تصحيح الحاضر ، وذلك وفق نوايا مستقبلية عقلانية وحقيقية لامكان للمزايدات وللتنطعات فيها، تضع الحد اللائق لنفوذ منطق النفوس المنفردة والمغامرة والمكابرة .

 

بالمقابل طبعاً سيكون من غير الممكن ان ينمو منطق المصالحة اليمنية المنشودة كما ينبغي، إلا من خلال اصحاب النفوس الكبيرة الذين غايتهم ارتقاء الوعي الوطني الديمقراطي وسياسة البناء والسلم ، ويبدو من الواضح ان اصحاب النفوس الصغيرة الذين لا شغل لهم سوى الهدم والغشم و الدأب على تعميق المأساة الوطنية، بتمظهراتها المتعددة على كافة الصُعد والمستويات ، هم العائق الوحيد للمصالحة المأمولة . 


إلا انه لا خلاص لجميع الاطراف –خصوصاً ونحن في خضم لحظات هوجاء وعمياء ومأزقية تماماً - سوى ان تتفهم قبل فوات الأوان دلالات اعتبارات تكريس هذا المنطق الاستبصاري التصالحي المعتبر ، وما سيقود إليه من مآلات انقاذية ، هي غاية في الالحاح الآن ، بدلاً من العمل على تكريس منطق الانتقامات والاستعلاءات والاقصاءات التي تنفرط بلا حد ، كونه المنطق العبثي الذي لطالما قد اتعس اليمن واليمنيين .. المنطق المهووس والأخرق والمسدود الذي عجز مراراً عن ان يؤسس للجميع دولة وطنية متعافية ونافعة ومحترمة اقليمياً ودولياً في نطاق مصالحها ، دولة تفضي إلى تحقيق ازدهار اليمن وسعادة اليمنيين بيقين الحلم الكبير الذي ضحت من اجله الاجيال .

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتابات

اضغط للمزيد

استفتاء