الثورة المضادة للجمهورية (١)

الثورة المضادة للمشروع الجمهوري ليست وليدة انقلاب 21 سبتمر وإن كانت قد بلغت ذروتها في ليلة الغدر بجمهورية الشعب ودولته وعاصمته وهي من أكثر ليالي صنعاء الحديثة ظلاماً .. غير أن خيوطها الأولى ربما كانت مصاحبة من اللحظات الأولى لخيوط الفجر الجمهوري، وظلت متأرجحة بين نمو واضمحلال، بحسب طبيعة السلطة الجمهورية.

وربما تستطيع قوانين الكيمياء الفيريائية أن تفسر المسألة سياسياً فيما يتعلق بالعلاقة العكسية والعلاقة الطردية بين السلطة والجمهورية .. فكلما كانت السلطة الجمهورية تسير نحو تحقيق أهداف الثورة الجمهورية في بناء مشروع الدولة المتقدمة والحضارية، كلما كانت خيوط الثورة المضادة تذهب نحو الإضمحلال، وهنا تكون العلاقة عكسية وفق قوانين الفيزياء السياسية إن جاز لنا التعبير.

وكلما كانت السلطة الجمهورية تسير على نحو مضاد من الأهداف الجمهورية، تنمو خيوط الثورة المضادة وتصبح العلاقة بين الثورة المضادة والسلطة علاقة طردية قائمة على طرد المضامين الجمهورية من كيان الدولة والمجتمع ..

وإذا ما تعلق الامر بأخطر ملامح الثورة المضادة بعد ضرب مشروع الوحدة السملية، باعتباره خلاصة الثورتين، هي تلك الخيوط التي ظهرت ملامحها في الحكم العائلي والتمهيد لاكتمال الثورة المضادة، التي أفشلت اكتمالها ثورة فبراير والتوريث العائلي، بحد ذاته، ضرب للمضمون السياسي للمشروع الجمهوري القائم أساساً على جمهورية حكم شعبي واسع، وفي أن يمتلك الشعب سلطته.

وهذه أهم تجليات الحرية الشعبية التي تحضر بحضور الجمهورية وتغيب في غيابها وهو ما يعززه الفيلسوف الروماني شيشرون في تفسير بالغ الأهمية والتأثير عن علاقة الحرية بالجمهورية بقوله إن الحرية الحقيقية "تعيش فقط في الجمهورية التي يقبض الشعب فيها على زمام السلطة".
ويحسب للشعب اليمني في نضالاته الوطنية من منتصف القرن أنه عندما قاوم الاستبداد رفع لافتة الحرية والجمهورية فلا جمهورية بدون حرية ولا حرية بدون جمهورية.

وهذا ما تفسره تحركات الثورة المضادة ضد الحرية، من خلال الانقلابات أو من خلال سلوكها الانقلابي داخل بنية السلطة، أن تركيزها الأساسي على ضرب مضمون الجمهورية من خلال البدء بقمع الحريات كمقدمة لاستلاب الحقوق، إذ ان وسيلة انتزاع الحقوق هي الحرية.. الحرية باعتبارها القوة الروحية لأي شعب يقاوم ويعارض القوة المادية للسلطة المضادة للحرية.. وفي مقدمة ذلك، من وجهة نظري الشخصية، حرية الإرادة والاختيار الشعبي في أن يختار الشعب من يحكمه عن طريق الانتخابات.. وهذا المضمون الجمهوري الخالد حكم الشعب نفسه بنفسه ولست هنا بصدد التفصيل هل الجمهورية والديمقراطية صندوق انتخابات فقط، ومسألة كيف تكون الانتخابات نزيهة وكذا طبيعة الديمقراطية الناشئة وظروفها لأن المجال هنا لا يسفعني.

لكن سأكتفي بخلاصة لأحد شباب ثورة 11 فبراير المثقف الشاب حارث الثور الذي قدم تلخيصاً بالغ النضج بقوله "الإستقلال شرط الدولة الوطنية، وشرط الإستقلال قيام الحكم على شرعية شعبية كلية، بدون ذلك لا استقرار لأي حكم ولا تغييره إلا على أنهار من الدم."

وهنا يشير الحارث الى الشرعية الشعبية وهي الحرية السياسية والحكم الاختياري للشعب، وهذا ما تتصارع معه فكرة تاريخية شريرة سلطوية قائمة على اغتصاب الحكم.. وللزبيري إرث أدبي تاريخي متعلق بمقاومة اغتصاب الحكم كاساس للرجيعة من خلال البيت الشعري المهم الذي يقول مطلعه"والحكم بالغصب رجعي نقاومه"

وفيما تعلق الأمر بضرب القوى الحية داخل المشروع الوطني الجمهوري بكل اخفاقاته، كان هذا الضرب أحد الأدوات الناعمة لخيوط الثورة في ضرب روح مشروع التغيير الذي تبلور داخل المشروع الوطني المعارض للسلطة التي انحرفت بالمشروع الجمهوري وعملت على مد خيوط الثورة المضادة إلى داخل أحشاء الدولة الجمهورية والسير نحو حافة التوريث، باعتبارها أخطر منزلق للمشروع الجمهوري .. مهد لعود المشروع الإمامي.

وأخطر دمار روحي ألحقته سلطة التوريث بسبتمبر، أنها أفرغت العديد من النخب النضالية الحزبية وغير الحزبية من حيويتها الجمهورية وجعلتها متصالحة مع التوريث كسرطان مضاد للجمهورية أنعش خيوط الثورة المضادة وجسرها .. كان صالح يعمل على ضم تلك النخب إلى طبقة االامتيازات السلطوية بالفتات، وبالتالي إفراغها من مضمونها الجمهوري التغييري، وتخليها عن رافعة التغيير والجمهورية.

لو تأملنا في خارطة أغلب النخب الثقافية والإعلامية والسياسية التي في حوش صالح والحوثي ستجدها إما طيور مهاجرة إصلاحية أو اشتراكية أو ناصرية، وهؤلاء كان البعض منهم طلائع وطنية جمهورية.. ليصبحوا ضمن خيوط الثورة المضادة، ولتفسير الإشكالية النفسية لتلك النخب النضالية أطرح هذا التفسير النفسي والروحي، من وجهة نظر شخصية، لانخراطها في الثورة المضادة.

الإشكالية تكمن في ضعف الإستعداد النفسي والروحي للمناضل والسياسي والمثقف على تحمل تبعات النضال من أجل الحرية تحت أي ظرف والاستمرار في المشروع الوطني نحو الخلاص الجمهوري الجماعي يستعجل المناضل والسياسي والمثقف في الخلاص الجمهوري الجماعي، وربما تتدهور ظروفة الشخصية والاقتصادية على وجه الخصوص، فتستغل السلطة المضادة للجمهورية الظرف الشخصي للفرد وتقدم له خلاصاً فردياً بعدها يتراجع عن مشروع الخلاص الجمهوري الجماعي ويلتحق بالحوش والحاشية .. وكانت تلك الاستقطابات تزدهر بعد كل مرحلة استحقاق شعبي من الوحدة إلى الإنتخابات وغيرها، وهذا ما سأتناولة في الحلقة القادمة.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء