مأساة فنية من المحيط إلى الخليج

رحل الموسيقار الفذ والمطرب الخالد ملحم بركات، وكان رحيله موجعا، ويذكرنا بمأساة الفن العربي الراهن عامة، والفن اليمني على وجه الخصوص.

 

يغادر الحياة كبار المطربين، وتركوا مكتبة باذخة بالأعمال الفنية الخالدة، وقدموا فنا أصيلا أرتقى بذائقة الشعوب العربية وساعد في حشد الأحرار للخلاص من الإستعمار و الإستبداد.

 

يرحل عمالقة الفن، وتنعدم الأغنية الوطنية، وتسود التفاهة، ويتعملق الأقزام بفعل تروج قنوات عربية لأصواتهم البائسة، علاوة على افتقادهم الموهبة.

 

منتصف القرن الفائت كان الفن الأصيل أحد عوامل تحرر الوطن العربي، وكان للفن دوره البارز في رفع وعي الشعوب، ومنع إندثار التراث العربي.

 

الآن، ورغم تعاظم الخطر على البلدان العربية، أولها اليمن والخليج، تستمر قنوات خليجية بترويج الفن الهابط وغير البعيد عن واقع العرب من المحيط إلى الخليج، ولكأنهم بعيدين عن واقع أوطانهم.

 

الأشد مضاضة أصبح الضجيج الفني الهابط منتشراً كالوباء، ويظهر كارثة ارتباط الفن بجشع الشركات التجارية الباحثة عن المال على حساب الإبداع الموسيقي والقيم الإنسانية.

 

المتابع للقنوات الغنائية العربية يدرك الانحطاط وتبعاته على الإنسان بعدما كانت الفن معبراً عن ذات وثقافة العرب، والصوت المدافع عن حقوق الشعوب في التحرر من الإستعمار.

 

يزعم تجار الفن الهابط حرصهم على إبقاء الفن بعيداً عن واقع السياسية والصراع المتزايد في بلدان العرب، وهم بهذا التبرير يعبروا عن هروبهم من بطش الحكام، ويؤكدوا حقيقة اتجارهم بالفن.

 

بإستثناء قلة فنانين عرب، يعد الفن المتلفز لا قيمة له، و يشارك أربابه في استغفال الشعوب عبر تكريس الضحالة لدى الجيل الراهن الذين يعتمدوا بشكل أساسي على القنوات الغنائية والترفيهية في استقاء قيمهم وأفكارهم.

 

ومن أسباب تراجع الفن العربي ابتعاد الشعراء عن الشعر الغنائي المعبر عن شعوبهم المهددة بالفناء بمشاريع طائفية قذرة و إرهابية مرعبة، وهذا يدل على غياب المشروع الوطني والقومي.

 

الفن ليس صوت يردد، وموسيقى تعزف، وجسد يتمايل، بل رسالة ثقافية وحضارية تعزز القيم وتنشر أفكار، وينقل وعي الشعوب إلى ذرى الشعور الإنساني والوطني، ويبعث الذات من وحل اللاشعور.

 

محليا، من كوارث الواقع غياب الفن عن واقع المعركة الراهنة، وهذا يؤكد غياب الشعور التحرري في الأوساط الفنية والثقافية منذ سنوات، ولهذا حلت زوامل الإمامة بدلاً عن أغان الجمهورية.

 

بعد عامين من الإنقلاب لم يبزغ نجما يبدد ظلام البلاد، ولن نسمع عملا فنيا يساند حق شعب اليمن في إنهاء الإنقلاب واستعادة جمهوريته، واللافت اعتماد قنوات الشرعية على الفن الوطني لعمالقة الطرب اليمني، في مقدمتهم، أيوب طارش ومحمد مرشد ناجي.

 

مكمن المشكلة يعتبر محرك الإعلام والثقافة الجمهورية نخبة رجعية لا تؤمن بالفن، وليس في حساباتهم اذكاء مشاعل الغناء في مواجهة الإمامة عبر فتح الباب للشباب في التنافس والإبداع كما فعل الأحرار قبل وبعد ثورة 26 سبتمبر و 14 أكتوبر.

 

تقول النخبة المعنية بالفن والثقافة بأن الفن لن يصنع انتصار، ويجهلون بأن اليمن يواجه جائحة ثقافية تزامنا مع مواجهة المليشيات، ومن يعرفوا حرص الحوثيين على إنتاج الزوامل يدركوا غايتهم الظلامية في ضرب القيم الجمهورية.

 

تحدث أبطال سبتمبر وأكتوبر عن دور الأغاني التي حركت الشعب للإطاحة بالإمامة وطرد المستعمر، والمؤسف، يأتي الأدعياء بعد نصف قرن للتقليل من دور الفن في زيادة تحصين الشعب من جائحة الإمامة والثورة المضادة.

 

هناك مطربين يمنيين كبار في دول الخليج، والأغرب، لم يخرج أحدهم بأغنية مساندة للأحرار بسبب وقوع أغلبهم ضحية الإعلام المعادي الذي يصور الأمر وكأنه صراع على سلطة وليس معركة فاصلة بين الجمهورية والإمامة.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء