إحتقان يهيئ لمرحلة التحرر الشامل

لا أجد تفسيراً شخصياً للسخط الشعبي الذي يتضاعف ضد الانقلاب إلا باعتباره احتقان شامل من عامل "الحجر والطين" الذي يتململ كل ليلة في لوكندة الحصبة الى المثقف الذي يحصي الأذى الذي تم الحاقه بالذات اليمنية الجمهورية من الهوية الى القمرية.

 

حتى صاحب البقالة الذي أغلقها نتيجة عدم سداد ديون زبائن دخلهم الراتب ينتظر أي لحظة من شأنها أن تكسر هذا الانسداد في يوميات صنعاء التي تبدو كرهينة للمشرف المسلح.. يردد كل ليلة "دخل علينا  هؤلاء الجن بالدبور" يا سنة الجن، ولسنة الجن تفسير في المخيال الشعبي أنها السنة التي لا تصلح لعيش الإنس واحتياجاتهم ولا تحسب عليهم.

 

الأكاديمي الذي يمضي الليالي في الظلام لا ضوء ولا قراءة كتب ولا حتى تأمل في عناوين الدوريات، حتى التواصل مع الزملاء للنقاش والجلوس مع بعض توقفت وربما رقم صاحب وايت الماء هو الرقم الذي يتصدر قائمة المكالمات الصادرة في تلفون الاكاديمي.

 

 ومن خلال الاحتجاجات الأخيرة للأكاديميين في الجامعة يبدو أن الإحتقان في الوسط الأكاديمي هو الأكثر حضوراً في الأيام الأخيرة بعد التلويحة الأخيرة بالخنجر في وجه نقيب الاكاديميين الدكتور محمد الظاهري الذي يتضاعف حضوره كرمز في المخيال الشعبي بشكل عام والشبابي بشكل خاص.

 

الاحتقان الشامل لا يقتصر على الوسط المدني من موظفي الدولة إلى النخب المدنية والسياسية وحتى ملاك العقارات مؤجري البنايات التي أصبحت فارغة واكشاك الصحف الخالية الا من منشورات  الصوت الواحد التي تسمى مجازاً صحف. 

 

 الاحتقان تمدد الى الوسط العسكري والأمني الذي وقع في مصيدة الانقلاب ضمن خديعة كبيرة كان مدبرها صالح الذي أوقع العديد من قيادات  الجيش والأمن ذات الولاء الشخصي في لعبة شريرة كان يعتقد أن خيوط تلك اللعبة بيده لكن تلك الخيوط  تحولت إلى أسلاك الغام انفجرالعديد منها سينفجر ما تبقى منها ولن يسلم منها أحد بما في ذلك الماسك الأعلى.

 

الاحتقان السياسي كان  له حضور في وقت مبكر بعد الانقلاب على العملية السياسية بالنسبة للكيانات السياسية المساندة للشرعية والمعارضة للانقلاب أما الاحتقان السياسي الذي يتضاعف في اللحظة الراهنة فهو في القواعد السياسية للمؤتمر جناح صالح بعد الشعور المتنامي بخديعة صالح وكيف سلم رقابهم لمليشيا الحوثي وهاجمهم بشكل حاد ومباشر في الأيام الأخيرة بوصفهم مرتزقة يريدون شق الصف مع جماعة الحوثي، في ظل تململ العديد من كوادر المؤتمر في مؤسسات الدولة في يوميات الخضوع لأوامر المشرف المسلح في المؤسسات والمناطق.

 

الإحتقان الإجتماعي في الأوساط القبلية وخصوصاً في الطوق المحيط بالعاصمة صنعاء بدأت تتضح خيوطه، وخصوصاً بعد التحشيد الفارغ من قبل المليشيا للقبائل بداعي النكف والاستجداء اليومي للمقاتلين من القبائل، بينما يتابع القبيلي الاخبار اليومية عن شراء مشرفي المليشيا للفلل والثراء المتسارع للطبقة الحاكمة في صنعاء التي تجيشه الضحايا بالنخيط والزامل والفتات من المصروف اليومي.

 

الاحتقان الاقتصادي الذي يبدو أكثر صمتاً هو احتقان رأس المال المحافظ والجبان، احتقان رجال الأعمال وهم  المتضرر الأكبر من الانقلاب في قطاعات واسعة نتيجة الركود الاقتصادي منذ الإنقلاب والإتاوات الإجبارية والابتزاز اليومي من قبل المليشيا والاستهداف للقطاعات الاقتصادية الحيوية مثل قطاع الاتصالات والمحطات النفطية التي توقفت لمصلحة السوق السوداء وكذا الركود الواسع في قطاع الخدمات خصوصاً فنادق صنعاء المتضرر الأكبر منذ الإنقلاب، والعديد من القطاعات الاقتصادية التي لها علاقة بالطاقة وأنا هنا لا أستبعد تأثير الضربات الجوية لمقاتلات التحالف على الاقتصاد لكن صاحب العقل يدرك أن كل ذلك نتائح لسبب رئيس اسمعه الإنقلاب وكما يقول الأطباء لا تشرح التهابات الصدر هي نتيجة لسبب اسمه التدخين..

الاحتقان النقابي والمدني والإعلام على وجه التحديد يمكن تتبع خيوطه على مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة للصحفيين والنقابيين الذين شردتهم مليشيا الانقلاب في القارات الست.

 

ثمة احتقان له علاقة بالمستقبل ولن تكون آثاره على اللحظة الراهنة فقط هو احتقان جيل ثورة 11 فبراير وهم الذين كانوا في صدارة مقاومة الانقلابيين مدنياً وحتى عسكرياً وينظرون إلى الإنقلاب باعتباره عبوة ناسفة لمشروعهم المدني المستقبلي الذي بدأ بالثورة وصولاً الى الحوار ووثيقته التاريخية وكان ذلك المشروع على بعد خطوتين ليضع اقدامه في الطريق تلك الخطوتين كانت متمثلة بالاستفتاء على الدستور والانتخابات.

 

لا استطيع التكهن بما ستؤول اليه النتائج خلال الأشهر القادمة، ولست متحمساً للتنجيم لكني أستبعد أن يكون الركود هو المتحكم بالمشهد اليمني، لكن ثمة تحولات غير عادية ستكون أحد مخرجات هذا الاحتقان الشامل وخصوصاً ثمة روح جمهورية محتقنة تتضاعف كل يوم يتضاعف فيه حضور الإمامة كمضامين تسعى بشكل علني إلى مصادرة جمهورية الشعب وتحويل الدولة إلى رهينة والشعب الى تابع ذليل للمشرف المسلح.

 

وبعملية حسابية بسيطة يمكننا توقع  احتقان بالغ الحجم والتأثير وهو احتقان أهالي المختطفين واصدقائهم وزملائهم.. فبحسب التقرير  الأخير للتحالف اليمني لانتهاكات حقوق الانسان أشار الى اكثر من 12 الف مختطف تم اعتقالهم لو افترضنا أن لكل مختطف 50 من الاهل والأقارب على الأقل و50 من الأصدقاء والزملاء من الجيران حجم الاحتقان في أوساط هؤلاء سيكون رقماً مفزعاً.

إنه الاحتقان الشامل الذي قد يحضر لموجة شاملة وحاسمة.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء