لماذا عاد الرئيس هادي إلى عدن؟

عاد الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى ما يفترض أنها العاصمة السياسية المؤقتة عدن، بعد غيبة طويلة دامت عاما، وكان قد سبق له أن عاد إلى هذه المدينة مرتين في ظروف مختلفة تماما عن الظروف التي تمر بها البلاد هذه الأيام.

 

ومع هذه العودة أثير السؤال الكبير عن مغزى قرار الرئيس هادي التواجد في عدن على الرغم من أن الظروف لا تزال على ما هي عليه من حيث كون عدن لم تهيأ - عن سبق إصرار وترصد - لتكون مقرا إداريا للدولة، ولا عاصمة لليمنيين، ولا ملاذا في زمن الحرب التي تعصف بمناطق مختلفة من البلاد وخصوصا المجاورة لعدن.

 

كان اللافت هذا التباين الكبير في التغطية الإخبارية لعودة الرئيس ضمن المنظومة الإعلامية التابعة للتحالف، فقد حرصت القنوات القريبة من أبو ظبي على تزمين هذه الزيارة بأسبوع واحد فقط، ولهذا النوع من التزمين دلالته التي تحاول أن تجرد زيارة الرئيس ووجوده في عاصمة البلاد المؤقتة من أي مغزى سياسي أو عسكري.

 

فيما ذهبت بعض وسائل الإعلام والصحافة القريبة من الرياض إلى تأكيد الأهداف العسكرية لعودة الرئيس هادي إلى عدن.

 

استبق الرئيس هادي عودته إلى عدن باجتماع مع كبار مستشاريه، وقبل ذلك بتغييرات عسكرية شملت في من شملت، قيادة المنطقة العسكرية الرابعة التي تشرف على أربع محافظات: هي عدن ولحج وأبين وتعز، وهذه الأخيرة تشهد حرباً ضروساً مع الانقلابيين، واستطاع الجيش الوطني والمقاومة فيها، تحقيق انتصارات مهمة، دفعت بالانقلابيين إلى اللجوء لأسلوب التحشيد القبلي والتحريض على القتال بدوافع مناطقية ومذهبية، لأهداف تتعلق بإغراق البلاد في حرب أهلية طويلة الأمد ومحاولة إيجاد دافع ثأري لدى المجتمع القبلي لمواصلة إمداد الانقلابيين بالمقاتلين.

 

هناك مؤشرات قوية على ضعف الانقلابيين فيما لا يزال المبعوث الأممي إلى اليمن الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، يحاول إعادة إحياء خطة السلام، التي أثارت غضب الحكومة ودفعتها إلى رفض الخطة.

 

فقد تزامن ذهاب الرئيس إلى عدن مع وصول المبعوث الأممي إلى الرياض، ما دفع الحكومة إلى التوضيح بأن مقابلة الرئيس ستكون متاحة بعد يومين في العاصمة المؤقتة عدن.

 

وهذا يحمل على الاعتقاد بأن عودة الرئيس تأتي على خلفية التطورات السيئة على الصعيد السياسي، بعد العاصفة التي أثارتها مبادرة كيري الأخيرة التي استهدفت بشكل مباشر وفج سلطة الرئيس هادي الانتقالية وحكومته، في مقابل تمكين الانقلابيين بحصص كبيرة في حكومة شراكة وطنية، تكون السلطة الشرعية هي الطرف الأضعف فيها.

 

بالتأكيد لا يريد الرئيس هادي أن يختتم عهدته الرئاسية بمصير مشابه للمصير الذي لاقاه سلفه المخلوع صالح، الذي أجبر على ترك الرئاسة وقبل ذلك أجبر على تفويض صلاحياته الرئاسية كاملة لنائبه الرئيس الحالي.

 

والرئيس هادي يعتقد أنه لا يستحق هذا المصير ولا ينبغي أن يصبح مخلوعا لمجرد أن صالح والحوثيين قوضوا عملية الانتقال السلمي وسطوا على إمكانية الدولة والجيش واستخدموها في تنفيذ انقلاب، يمثل جريمة سياسية وخيانة وطنية مكتملة الأركان.

 

لم يشر البيان الرئاسي إلى أن الرئيس هادي سيشرف على عمليات عسكرية من شأنها أن تستكمل معركة تحرير تعز وربما تذهب إلى ما هو أبعد من محافظة تعز لتشمل تحرير الساحل الغربي للبلاد.

 

ولكن هناك مؤشرات على أن التحالف وبالذات قائدته المملكة العربية السعودية، هي اليوم في أمس الحاجة إلى إحداث الاتساق المفقود بين الإنجازات العسكرية الميدانية التي يحققها التحالف على الأرض، وبين الغايات السياسية التي لا يجب أن تخرج عن الأهداف المعلنة للتحالف من تدخله في اليمن وفي المقدمة تحرير البلاد من السيطرة العسكرية للانقلابيين وتمكين السلطة الشرعية من ممارسة ولايتها الدستورية على كامل أراضي البلاد من العاصمة صنعاء.

 

وموقف التحالف هذا يأتي بعد مبادرة كيري الأخيرة التي تجاهلت تماماً السلطة الشرعية، ووضعت معها التحالف وتدخله في اليمن في المحك، خصوصا وأن مبادرة كيري حصرت الصراع في اليمن بين طرفين أساسيين هما التحالف والحوثيين.

 

وهذا يعني أن التحالف طال الأمد أو قصر لن يكون بوسعه أن يتصرف في أجواء اليمن ومياهه وأرضه بالصلاحيات التي يتمتع بها الآن، بل ستقوده معادلة كهذه إلى أن يصح في مكان الطرف المعتدي على اليمن الذي تمثله ميلشيا الحوثي الموالية لإيران.

 

لهذا تأتي عودة هادي إلى عدن في سياق الاستراتيجية السعودية، التي تريد أن تتجاوز عقدة "حكومة المنفى" وتظهر إلى أي مدى باتت هذه الحكومة تتمتع بعمق جغرافي وبشري كبيرين في اليمن.

 

هناك أنباء تتحدث عن أن الرئيس سوف يشارك في "مؤتمر قمة التراث" التي ستنعقد في أبو ظبي، وحينها سنرى ما إذا كان سيعود إلى عدن، أم أنه سيعود إلى الرياض.

 

كل الاحتمالات واردة، لكن عودة الرئيس إلى عدن ليست "حلاوة روح" بل روح جديدة في إطار محاولة جادة لتجاوز مبادرة كيري واستعادة زمام المبادرة على الصعيدين السياسي والعسكري، وهذا ما نأمله.




*مقال للكاتب في موقع عربي 21

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء