الحوثيون كتجلٍّ أخيرٍ للإمامة

 حين كان شباب الثورة في فبراير ٢٠١١ ينادون في الساحات بدولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات وتتسع فيها فضاءات الحرية وتُعلى فيها قيم حقوق الإنسان وتمثل الديمقراطية ركيزة أساسية فيها، كان عبدالملك الحوثي يدعو لإمامة جديدة ترتدي العلم الجمهوري نهاراً وتخلعه ليلاً، تُقبِله جهاراً وتبصق عليه سراً.

 

وحين كان شباب الثورة يبحثون عن "الدولة"، كان عبدالملك الحوثي يفتش عن السلطة، تلك السلطة التي لا يمنحك أحد شرعية لها إلا خرافات المذهب وانتخابات البنادق. الصراع الذي خاضته، وما زالت، ثورة الشباب منذ ٢٠١١، هو صراع معقد، ومرهق لأي ثورة، فعبد الملك الحوثي سليل الإماميين القدامى/ الجدد، جاء بنقيض كل ما جاءت به ثورة الشباب، إذ أعلن، بوضوح وبلا مواربة، أن هذه الثورة لا تعنيه، وأنه ما جاء ليبحث عن ساحة تنشر قيم المواطنة المتساوية، بل جاء باحثاً عن ساحة لينشر فيها ذلك النوع من الغسيل القادم من حكايا التاريخ والمذهب.

 

في كتابه "أسطورة الدولة" رأى إرنست كاسيرر أن الدولة كيان اصطناعي أبدعه الفرد ليبقى دائماً في خدمته، الحوثي يريد شعباً في خدمته، والدولة كأداة تسلط يُخضِعُ بها الناس، هذا هو تعريف الجماعة الحوثية للدولة، وهذه الأحلام في الحقيقة تمثل إهانة بالغة ومباشرة لكل أولئك الألوف من الشبان الذين خرجوا يوماً في الساحات ينادون بدولة مدنية حديثة وحره.

 

قام الرجل، بميليشيا همجية مسلحة، بتجريف الدولة والثورة والمستقبل والحلم دفعة واحدة، وبصورة لم يعهدها اليمنيون إطلاقاً، فرغم مراحل الصراع الطويلة التي عاشها اليمنيون عقوداً عده، لكنهم لم يرو يوماً كمية الإجرام التي يمكن لجماعة واحدة أن تنفرد بها.

 

فأي يمني بالله عليكم قد رأى بأم عينيه بيوتاً يفجرها الخصوم المسلحون عياناً بياناً، وقصف حي يطال التجمعات السكنية، نحن في عصر سامسونج وأبل، ففي حين يكذب الحوثيون كل لحظة، لا تكذب كاميرا الآيفون على الإطلاق.

 

جاء الحوثي محملاً بإرث صراع الإمامة والجمهوريين، جاء بالثأثر، هذا هو السياق الذي يمكن من خلاله تفسير كمية العنف التي يمارسها الحوثيون كل آن، يعتبر الحوثيون اللحظة الراهنة تجلٍ نادرٍ لمشروعهم في وجه مشروع الجمهورية، هي لحظة لا يمكن التفريط بها، ليذهب الشعب للجحيم، يكفي أن يحيا سليل الهاشميين.

 

هي حرب الإماميين والجمهوريين إذاً، حربٌ بين من جاءنا باللعنات، وبين من أتانا بالحريات. ٥٤ عاماً استمرت هذه الحرب، وهي حرب طويلة وشاقة، استعان فيها الإماميون بالصبر والأمل، ولم ينجز الجمهوريون في معركتهم هذه شيئاً، أنتجوا في نهاية المطاف علي عبدالله صالح، وهو منتج معطوب ادعى انتسابه للجمهورية يوماً وفي اليوم التالي سلم البلاد والعباد للإماميين الجدد.

 

منذ لحظة السادس والعشرين من سبتمبر ٦٢، حين استبدل الثوار الملكية الإمامية التي تدعو لحصر الحكم في فئةٍ محدودة وصغيرة، بجمهورية تدعوا للديمقراطية وتعيد الحق للشعب، كل الشعب، منذ تلك الحظة غدا الصراع صراعاً بين مشروعين: الإمامة والجمهورية، تُبدل الإمامة أساليبها كل آن، حتى توصلت -أخيراً- إلى اكتشافها المثير المتمثل بهذا الرجل القادم من مغارة التاريخ، يرفع العلم الجمهوري ويضمر الفكر الإمامي، يتغنى بالجمهورية ويرصد التجربة الإيرانية لإفراغ الجمهورية والدولة من معانيهما كلياً.

 

كانت الجمهورية في ٦٢، وستظل، "فضيلة عظمى" وبديلاً وحيداً لانتشال البلاد من حالة العزلة والفقر والتخلف المريع الذي خيم عليها لعقود، كانت الثورة أمراً حتمياً، إذ عُزلت اليمن عن العالم وسدت أمام اليمنيين كل أبواب المستقبل، وإذا "أعاقت الطريق أمام المستقبل فالنتيجة هي الثورة" كما تحدث فيكتور هوجو.

 

حارب الإماميون زهاء ستة عوام، حين انتصرت الجمهورية في ٦٢، لأجل هدفٍ واحد: إسقاطها، وقف المصريون في صف الجمهوريين، ولن ننسى ذلك، انتصرت الجمهورية في نهاية المطاف.

وإذا استعرنا كلمات أرنستو تشي جيفارا في كيف "أن الثورة تتجمد، والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي"، فإن الجمهورية التي قامت في سبتمبر ٦٢ أصابها ما يصيب كل ثورات العرب، مرض النصف ثورة، والنصف وعي، والنصف إرادة.

 

حتى أن "الجمهورية" التي قامت الثورة لأجلها أصابها التكلس، وعاش اليمنيون أكثر من خمسين عاماً في ظل أنظمة أفرغت الجمهورية من كل معنى.

وظلت حالة اللاجمهورية واللاإمامة، سائدة، وصار بمقدورنا أن نسمع الإماميين يروجون لمقولات تستهدف تهيئة الرأي العام لعودة الإمامة ولو بلباس الجمهوري.

على أنه لا ثورة بلا أخطاء، لا توجد ثورة يمكن وصفها بالجريمة، الثورة فضيلة، والتآمر عليها هو الجريمة، أم الجرائم. استمر الإماميون في تصوير الثورة الجمهورية كجريمة، بطريقة أو بأخرى، حيناً، وحيناً بإفراغها من مضمونها. وحين جاء العام ٢٠١٤، بعد ثورة شبابية مذهلة في فعلها وفكرها، تكتل الإماميون أجمعين، أولئك الذين كانوا في صف الجمهوريين ردحاً من الزمن، وأولئك الذين ما غادروا جبهة الإمامة قط، تكتلوا جميعهم لإسقاط الجمهورية والعودة نحو الفكر القائم على حصر الحكم في سلالة واحدة وفكرٍ وحيد.

 

على أن الإماميين الجدد، هذه المرة، وعلى ما يبدو، قد استنفدوا كل ما يملكون من جهد وقوة لتحقيق هدفهم في إعادة إنتاج الإمامة فكراً وممارسة، وقد مثّل اقتحامهم صنعاء بتلك الطريقة ذروة الجنون وذروة الحلم.

 

اصطدم حلهم البائد هذا، بالحد الأدنى من حالة الوعي الذي راكمته ثورة الـ٢٦ من سبتمبر طيلة خمسة عقود، وكان على الحوثيين إيجاد مخرجٍ نظري وعملي يمكنهم من تحقيق مشروعهم بطريقة تلوي ذراع الجمهورية، وكانت التجربة الإيرانية هي المنهل الفكري الذي أرشدتهم بصيرتهم إليها.

 

وبعد أكثر من عامين اثنين على اقتحامهم لصنعاء، يبدو أن حلمهم، آمالهم، مؤامراتهم، قد أصابها العطب، لقد غدا الحوثيون مجرد تجلٍّ أخيرٍ للإمامة بصورتها الأكثر فاشية وقبحاً، وبالتأكيد، لن يضمن تجليهم مرة أخرى بصورة أقبح إلا تجديد روح سبتمبر بيمن اتحادي، ديمقراطي، تعددي، وحدودي وقوي.

لهذا يرفضون الأقاليم ومخرجات الحوار الوطني، فهي الرصاصة الأخيرة في صدر مشروع الإماميين الجدد.

 

 

 

*مقال للكاتب في مدونات الجزيرة .
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء