المفكر المغمور

يعيش الجيل الجديد من اليمنيين وخصوصاً في الأوساط الجمهورية والقوى المقاومة للانقلاب والمساندة للشرعية مايمكن ان نسميها مرحلة الارتباك الفكري والجدل والحيرة التي تفصح عن تحولات فكرية يخوضها العقل اليمني الجديد على طريقة الانتقالات الفكرية التي مر بها رواد الحركة الوطنية في منتصف القرن.وحاجتنا الى استحضار تلك النماذج الآن مهمة  أكثر من أي وقت مضى. 

 

هذه الفكرة ناقشت بها صديقاً مهتماً بالفكر وأنا أحدثه عن اعجابي الشديد بمفكر يمني مغمور كان من رواد الحركة الوطنية اسمه محمد المحلوي لفت انتباهي أسلوب نقاشه الفكري الشفهي كما تم تدوينه في كتاب الطريق الى الحرية للعزي صالح السنيدار. 

 

رغم الايجاز البسيط في الحديث عن المحلوي إلا أنه كان بالغ الذكاء والتفكير واتضح ذلك من خلال شهادة العزي السنيدار نفسه عن المحلوي.

وكــان السنيدار في السابق لا يطيــق الاستماع لهــذا للمحلوي أو مصاحبته نتيجة الشائعات السوداء التي بثها نظام الامامة على رجال الفكر في تلك المرحلة وكل الذين كانوا يحثوا الشعب على رفض الامتيازات السلالية..

 

كانوا يتلبسون بقداسة آل البيت وتم تحويل هذه الخرافة الساذجة الى مايشبه الدين غير قابل للرفض والنقد والمعارضة.

ويذكــر العــزي السنيدار أنه كــان من أشد النــاس حباً للإمــام يحيــى وآل حميد الدين، وأثنــاء استماعه لأفكار المحلــوي تفتحت مداركه وبدأ التفكير ينمو في ذهنيتة التي قال عنها السنيدار نفسه إنها جامدة.

 

خيوط كثيرة اتضحت اكثر واكثر وكيــف أن بيــت حميد الديــن هم سبب نكبة اليمنيــنين، بعض الصدمات الفكرية التي كان المحلوي يصنعها في وعي اليمنيين الاحرار على وجه التحديد ..  وهذا باعترافات العزي صالح السنيدار ذاته صاحب كتاب الطريق الى الحرية قال مانصه: "لقــد صدمني "المحلــوي" ثــلاث صدمات أماالصدمة الأولى فهي بداية للخروج من الحياة الأولى وكما لو انها مرحلة انتقالية فكرية، فبعــد أن عــرف قبولي لأفكــاره رغم ما امتلأت بــه من المعتقــدات والخرافات وبعض الأحاديــث الضعيفــة والموضوعــة التــي كان يسمعهــا في المقيل مني ومــن غيري وأخبرني عــن بغض الطبيب القدير لطف حمزة للإمام يحيى حميد الدين وآل حميد الدين فسألته: مــا مذهبــه وما مــراده؟، فقــال إنــه يعتقد أن الإمــام يحيــى وأولاده ظلمة وأنهــم وبال على اليمــن، فقلت: إنه ناصبي يبغض أهل البيت،فضحــك وغير مجرى الحديــث، وبقي يشرح لي عــن العلمــاء الحقيقيــيين المجددين مثــل الشوكاني والأمــير والمقبلي وغيرهــم من العلمــاء ويملي عــلي من مؤلفاتهم واعتراضهم على الأئمة من بيت القاسم وبقينا متلازمني أربعة أيام حتى ملأ فكري".

 

وأمــا الصدمة الثانية فقــد أوضح المحلوي للعــزي السنيدار الفرق بــني الرجال الأذكياءوالجامدين من خلال مسألة ترك النبي   وسلم الأمر مــن بعده شورى في اختيار من يتولى أمرهم، وأوصاه بقــراءة ومطالعــة كتــب التاريــخ والتفســير.

 

عاد إلى البيــت وأصبح يطالــع كتاب شرح الأزهــار وقــرأ الثلاثــين مسألة ونهــج البلاغة وغيرهــا، وتذكــر بعــض المجددين الذين كانــوا يفسرون بعــض الآيات والأحاديث على غير حقيقتها، دونما احتكار للتأويل 

 

وفكرت بالقراءة  حتى سهــرت منامي  وأول الكتب التي طالعتها تاريخ ابن الأمير ثم فتح القدير للشوكاني والروض النضير للسياغي فعدلت فكــري ومن هنــا رأى منــي الاقبــال والقبول لحديثه والإصغاء إلى كلامه والنقاش.

 

وأما الصدمة الثالثة التي تلقاها السيندار مــن المحلوي وهو سؤاله لــه هل أعمال يحيى حميد الدين تشابه أعمال علي بن أبي طالب؟ فأجابه السنيــدار بالنفي، وعــاد وقال لــه: إذا أردت الحقيقــة فإن الإمام هــو عــدو الشعب وسيفقــره ويهلكــه، فكانت تلــك صدمــة كبيرة للعــزي السنيــدار وذهب إليــه في المقيل ولم يتركــه في ذلك اليوم إلا وقدأشبع فكره.

 

كانــت معرفــة العــزي السنيــدار بمحمــد المحلوي نقطــة تحول لمعرفــة الطريق إلى التفكير باعتباره الطريق الى الحرية  التي كانت غائبة عن معظم أبناء الشعب اليمني.

 

لقــد فتــح عقله عــلى الكثــير مــن القضايا الفكريــة والوطنيــة وذلــك في الثلاثينيات  وتلك اللمسات الفكرية التي تم تدوينها كانت لمفكر مغمور اسمه محمد المحلوي لم تذكر السير الجمهورية الا تلك النقاشات الشفهية لمجدد ومفكر وربما لو كتب له البقاء لكن من اهم الفلاسفة في اليمن هذا ما يفصح التفكير الموضوعي والنقاش المركز القادر على تفكيك ذهنية كانت محاصرة في ظل غياب التعليم والمعرفة في حكم الائمة غير انه كان يدفع باليمنيين الذين يصادفهم الى التفكير وكان أيضا يستطيع بافكار مركزة ونقاشات تقتصر بعضها على جلسات المقيل أن يصنع من أولئك الطلائع نواة للحركة الوطنية الجمهورية التي وضعت الأسس الفكرية للتحولات الجمهورية التي جاءت بفعل هؤلاء المفكرين الذين عملوا من نهاية الأربعينيات حتى مطلع الستينيات على التأسيس للفكر الجمهوري ونسف العديد من الخرافات التي هيمنت على العقل اليمني وحولت العقل إلى حقل الغام باسم المقدس بالنسبة للذين عاشوا على تسطيح الوعي اليمني واستلابه لمصلحة الكهنوت القديم الجديد الذي يرى في اليمن ارض غنيمة وفي اليمني تابع ذليل أو رهينة.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء