وطن افتراضي

حين تتغيب عن عالمك الإلكتروني بين حين وآخر يتذكرك أصدقاء و زملاء بالتواصل الهاتفي، ومحور استفساراتهم تتلخص بالآتي: (أين غبت ؟، ما سر الصمت؟، لماذا غادرت؟).

 

بعضهم يسأل ببراءة، وآخرين يحملك مسؤولية ضياع وطن بسبب غيابك عن معترك الصراع السياسي الذي نقل من الكواليس إلى منصات التواصل الإجتماعي!!

 

لا شيء يستدع القلق، وبعض الصمت أبلغ من الكلام، والصخب في الزمن الخطأ لا يخدم قضايا شعب بقدر الإكثار من الأحقاد السياسية والعداوات مع "حنشان" المرحلة!

 

ليست ثورة المعلومات فقط من خلقت هذا الواقع، بل الحرب دفعت اليمنيين للهروب من واقعهم الكارثي إلى بناء وطنا افتراضيا يلملم أرواحهم المتناثرة في أكثر من بلد بعد ضياع وطنهم.

 

في عز ثورة 11 فبراير 2011 ومرحلة الوفاق لم يكن حضور اليمنيين في مواقع التواصل الإجتماعي كبيراً بقدر تواجدهم الإفتراضي الآن بعد عامين من نكبة الإنقلاب .

 

بعدعامين من إنقلاب الحوثي وصالح على النظام الجمهوري وحربهم الهمجية على الشعب، أضحت حياة أبناء اليمن افتراضية أكثر مما توقع أغلبنا بداية نكبة الإنقلاب.

 

لقد دفع إجرام المليشيات ما يزيد عن مليون إنسان إلى مغادرة البلد، وقد تكون ظروف الشتات أهون من حياة الشعب أهوال الحرب و مآسي التجويع والحصار في محافظات وسط وشمال الوطن.

 

تتعاظم المآسي الإنسانية في البلد، ومع ذلك، يعيش أغلب اليمنين وسط الجحيم قيد الأمل بإيقاف الحرب وعودة الحياة، وفعّل بعضهم وجوده الافتراضي رغم التكاليف الباهضة لخدمة الإنترنت.

 

مع إمتداد فصول الحرب، ومضاعفة مليشيات صالح والحوثي قمع حرية الرأي والتعبير، وملاحقة كافة معارضيهم وحصار المدن، وتعذر التواصل التقليدي، خلق اليمنيين وطنهم الإفتراضي.

 

وبعد فشل مساعي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإنهاء الإنقلاب وإيقاف الحرب، ونظراً لانعدام فرص العمل، تزايد الحضور اليمني في (فيسبوك، توتير، واتس آب) خلافاً لتوقعات قائمة على تقديرات هذا الحضور بالظروف الاقتصادية للمجتمع.

 

لقد أسقط مفارقات الواقع الجديد نخبوية الأنشطة الإلكترونية، وتقلصت مسافات التواصل، وتكاثرت آفة التفاعلات الشعبوية بفعل حرية النشر والتعبير عن الرأي دون اعتبارات مهنية.

 

وجراء توسع الاعتقالات في الأونة الأخيرة بصنعاء وغيرها، هناك تراجع لافت حول حضور صحفيين وحقرقيين على توتير وفيسبوك، و قلما يتواجدون على الواتس آب للتواصل مع الأصدقاء والزملاء.

 

خلاصة القضية لم تعد مواقع التواصل الإجتماعي منصات نخبوية كما كانت قبل سنوات، ولهذا شددت سلطة الإنقلاب من مراقبة أنشطة معارضيها، وهناك زملاء وأصدقاء اختطفتهم المليشيات على خلفية نشاطهم في الفيسبوك أو تويتر، مثلاً.

 

على أية حال، باتت مواقع التواصل الإجتماعي الآن الوطن الإفتراضي لليمنيين في الداخل والخارج بعد تحول البلد إلى مقبرة جراء الإنقلاب الإمامي وقذارة حربهم على إرادة الشعب.

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتابات

اضغط للمزيد

استفتاء