الخلافة الإسلامية بين الديني والتاريخي

 

تمثل قضية الخلافة الإسلامية واحدة من الجدليات المستمرة في الحالة الإسلامية باعتبارها من المسلمات غير القابلة للنقاش لدى طيف عريض من المسلمين والإسلاميين خصوصا، الذين يكتنز "لا شعورهم" الجمعي، بقداسة كبيرة لمسمى الخلافة جزءا من صحيح الدين بالضرورة، وكأنها جزء من التشريع الديني لا تجربة بشرية ومرحلة تاريخية مضت لشأنها، فيها من الإيجابيات بقدر ما فيها من السلبيات.

 

ويكمن جزء كبير من هذه الإشكالية، في وجهة النظر لدى هذا الجمهور من المسلمين، في الخلط الكبير لدى هذا القطاع الكبير من المسلمين بين مفهومي الديني والتاريخي، في نظرتهم لموضوع الخلافة الإسلامية الذي تغذيه الخطابات العاطفية على مدى تاريخ المسلمين حول الخلافة وأمجادها، بتلك الصورة التي رسخت لدى المسلمين أن الخلافة هي الإسلام، وأن الإسلام هو الخلافة، ولا يمكن الفصل بينهما.

 

هذا الخلط الكبير بين مفهومي الخلافة كنظام حكم سياسي والإسلام كدين، مثّل واحدة من الإشكاليات التي انعكست في كثير من أدبيات وتراث الفقه الإسلامي جدلا لم يتوقف حتى اللحظة.

 

عدا عن أن هذا المفهوم الغائم لفكرة الخلافة مثّل واحدة من أهم الأسباب التي أدت للانقسامات الكبيرة في بنية المجتمع المسلم، طوائف وأحزابا وجماعات شتى، كانت الخلافة السياسية بوابة مشرعة لهذا الانقسام القائم حتى اللحظة، حيث ترتكز فكرة الانقسام حول التفسيرات المختلفة والمتناقضة للخلافة فكل فريق يرى فيها حقا حصريا عليه وأنه ممثلها الشرعي والوحيد.

 

ولما كان عرب الجزيرة حديثي عهد بأنظمة سياسية حاكمة، خاصة عرب وسط الجزيرة، حيث قريش التي خدمها الإسلام بقدر حربها له، وحولها من قبيلة محصورة في مكة إلى قبيلة الحكم والسيادة والخلافة قرونا من الزمن منذ خلافة الراشدين وحتى عهدي الأمويين والعباسيين القرشيين، إلا أنها ظلت غير مستوعبة لهذا التحول الكبير في مجتمع تلك اللحظة الراشدة التي مثلت أزهى عصور الشورى والحكم الإسلاميين، وهو ما أدى للانقلاب السريع على كل تلك المكتسبات بعد ثلاثين عاما من وجودها، وهي لحظة زمنية قصيرة وخاطفة في عمر الدول والمجتمعات.

 

إن الانقلاب على آلية البيعة ومبدأ الشورى كجوهر فكرة الخلافة، مثل انقلابا تاما على نظام الخلافة الراشدة، وتحول مفهوم الخلافة إلى مجرد مسمى يطلق على غير اسمه، حينما تحولت الخلافة الراشدة مع الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم إلى مجرد مملكة أسرية لا تختلف في طريقة حكمها عن مفهوم الأنظمة السياسية الحاكمة في تلك اللحظة في فارس أو في بلاد الروم.

 

وكل ما جاء بعد ذلك من تنظير لتلك الأنظمة الحاكمة في كتب الأحكام السلطانية، بوصفها خلافة إسلامية لم يكن سوى تنظير مجازي، ومحاولة للهروب عن مواجهة ذلك الواقع الانقلابي عن فكرة الشورى الإسلامية، وبهذا تكون فكرة الخلافة الإسلامية قد تم القضاء عليها في حينها، ولم يعد لها معنى أو وجودا حقيقيا وموضوعيا.

 

لا نريد الخوض هنا في جدليات النشأة الأولى وخلافاتها الكبيرة التي دونتها لنا كتب التاريخ والسير، ولكننا هنا نحاول المقاربة والتدقيق، وفصل الاشتباك في التوصيف لفكرة الخلافة على أنها جوهر الإسلام وروحه، وأن لا وجود للإسلام دون وجود الخلافة وقيامها، وهو قول ليس دقيقا، بالنظر إلى الواقع التاريخي الذي يحكي لنا أن الحضارة الإسلامية لم تكن وليدة الدولة الحاكمة باسم الإسلام، بقدر ما كانت وليدة لمجتمع تشرب قيم ومعاني الإسلام، وانطلق بها في الآفاق.

 

إن الحضارة الإسلامية في الأندلس وغيرها، لم تكن وليدة فكرة نظام الخلافة الإسلامية بقدر ما كان نتاج تفاعل مجتمع مع محيطه، كذلك أيضا كانت كل الموجات الحضارية هي نتاج تفاعل المجتمع مع قيم الإسلام، وليس نتاجا لسلطة الحكم التي قضت على روح الحضارة الإسلامية وجوهرها، وهو مبدأ الشورى وقيم الحرية والعدالة، التي لم تكن سوى قيم مجتمع، وليست نظم سلطة ملكية أسرية حاكمة ومستبدة.

 

إن الإسلام في جوهره مجموعة من القيم الحاكمة للأفراد والمجتمعات على حد سواء، قيم الحق والخير والجمال، والحرية والعدالة والكرامة والشورى، هذه القيم التي تمثلت بها وحكمت بها أيضا فكرة الاجتماع السياسي الأول، تحت مسمى خلافة المسلمين الراشدة الممتدة لثلاثة عقود من الزمن، هي عمر الخلافة الراشدة.

 

وبإزاحة هذه القيم عن المجال والفضاء العام، بدأت الانتكاسة الكبرى عن جوهر قيم الإسلام واختزالها في مظاهر ومسميات مفرغة من معانيها وقيمها، التي تمثل الخلافة الإسلامية واحدة من هذه المسميات المفرغة من مضمونها.

 

صحيح أيضا، أن علماء وفقهاء المسلمين في شبه إجماع، على أن الخلافة وبهذا المسمى، التي عرفوها من الماوردي حتى ابن خلدون، بأنها سياسة الدنيا وحراسة الدين، قالوا بوجوب الخلافة، بمعنى قيمها من الشورى وصولا حتى منتجها الأبرز ممثلا بالحضارة، ولم يعنوا بها المعنى الحرفي والكلاسيكي لمسمى الخلافة، لكن الإشكال في المتأخرين الذين رأوا في هذا القول إنه ينحصر في وجود المسمى لا في تحقق مضمونه.

 

وهنا نعود لجدلية مدرستي الأثر والنظر، أي أهل الفقه وأهل الحديث، وجدلية المقاصد والنصوص.

رغم كل هذا، نستطيع القول إن الخلافة كنظام حكم كانت هي تجربة المسلمين وسيلة من وسائل الإسلام لإعمار الأرض وليست غايته، ولهذا كانت الخلافة هي التجربة التي اقتتل حولها المسلمون أكثر من أي شيء آخر.

 

كما في لفظ الشهرستاني أن الإمامة -وهو يقصد بها هنا الخلافة- لم يسل سيف في الإسلام كما سل على قاعدة الإمامة، وتاريخنا الإسلامي مليء بتلك الصور، التي عكست فشلا كبيرا في بيئة نظام سياسي يستلهم قيم الإسلام الكبرى، ولكن الفشل ظل سيد الموقف حتى اللحظة، ولا زال الاقتتال قائما حتى الآن، بعد أربعة عشر قرنا من الزمان، وما زال المسلمون يقتتلون تحت لافتة الممثل الحصري والوحيد للإسلام.

 

وحتى لا نظلم أحدا هنا، أستطيع القول إن جماعة الخوارج، رغم كل غلوها وتطرفها العقائدي، إلا أنها استطاعت حينها أن تقارب هذه المسألة برفضها فكرة قرشية الخلافة وعلويتها، ووقوفها موقفا وسطا يرى أن خلافة المسلمين يمكن أن يقوم بها أي أحد من المسلمين، ولو كان عبدا حبشيا، يمتلك القدرة والكفاءة لأداء تلك المسؤولية والقيام بحقها.

 

وكانوا أي الخوارج -وهذا للتاريخ- أول من نادى بمفهوم الجمهورية في التاريخ الإسلامي، هذا النظام الذي استقرت عليه أمم اليوم كأفضل ممكنات نظم الحل السياسي بجوهره الديمقراطي المدني الراهن.

 

بيد أن النظر في هذه القضية يتطلب دقة في توصيف لحظة النشأة الأولى للخلافة التي نشأت بشكلها البدائي الأول في تلك اللحظة التاريخية المبكرة أول اجتماع سياسي ينظم أمور دنياهم، التي بدأت أولى هذا المنحى الاجتماعي من خلال وثيقة ما عرف بوثيقة المدينة المنورة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم، لترتيب أمور مجتمع المدينة بمسلميه ويهوده ومشركيه.

 

وهي تلك اللحظة التأسيسة الفارقة التي أسست لأول الوثائق المدنية في تاريخ الاجتماع البشري سابقة حتى لوثيقة جمهورية أفلاطون، في عظيم مضمونها الناظم للمواطنة المتساوية التي تجاوزتها جمهورية افلاطون.

 

إن نظام الخلافة وفكرتها التي ولدت في المدينة المنورة عاصمة الدعوة الإسلامية، التي عنت حينها إدارة للمجتمع المدني بكل تنوعاته، الدينية والاجتماعية والقبلية، كانت فكرة جديدة ولدتها ضروريات تلك اللحظة وحاجيات الاجتماعي البشري في مجتمع المدينة الأول، وعززتها وثيقة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم لإدارة مصالح الناس، لكنها لم تشتمل تلك الوثيقة، ولم تنضج تلك اللحظة نظرية سياسية متكاملة للحكم والسياسة، ما سهل اقتتال المسلمين واختلافهم بعدها، وانقساهم مذاهب وأديانا وطوائف، كل يرى أنه الإسلام، وأن الإسلام هو.

 

باختصار، إن تجربة الخلافة الإسلامية الراشدة بكل ما قدمته، كانت تجربة الصحابة الكرام ونظرتهم للحياة وللأمور بمنظور تلك اللحظة التاريخية بكل ما فيها، وأنهم لم يتركوا لنا في ذلك تشريعا سياسيا واضحا، ولم يترك الإسلام كله نصا واضحا في ذلك، وإنما ترك الإسلام سياسيا المجال لاجتهاد اتباعه في أخذهم لما يناسب زمانهم ومكانهم، ولم يقيد الناس بنص يلزمهم أن يظلوا نسخة واحدة من بعضهم حتى قيام الساعة.

 

وإنما ربط كل ذلك بمصالحهم، فأينما تحققت مصالحهم فثم شرع الله ومراده، ولم يتعبدهم بإقامة الخلافة، وإنما بعمران الأرض، وصون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته.

 

وهذا المقصد من إقامة الدولة، أي الخلافة، وهو الذي جعل الكثير من علماء المسلمين وفقهائه مثل الغزالي والطرطوشي وابن الأزرق، يرون أن السلطان الكافر الحافظ لشروط السياسة الاصطلاحية أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العادل في نفسه، المضيع للسياسة الشرعية.

 

وهو القول الذي يتوافق مع مقولة ابن تيمية الشهيرة، إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة.

 

وفي هذا دلالة واضحة حول الدلالة المقاصدية للدولة، وهو إقامة العدل، وليس الحرص على قيامها فقط، وإن اتفق ذلك باعتبار نظام الخلافة غاية الإسلام، وليس وسيلته لإقامة العدل وصون الإنسان وكرامته.
 

* نقلاً عن موقع عربي ٢١

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في كتابات

اضغط للمزيد

استفتاء