إب المهدورة!

دخلت مدينة إب لأول مرة في الصف الثامن أساسي وكانت المصادفة أني دخلت المدينة ضمن حالة احتجاج مدني غريبة وعجيبة ولم أكن حينها صاحب وعي، كنت لحظتها مدفوعاً برغبة الذي سيركب السيارة ويذهب إلى مدينة لم يعرفها من قبل مع طلاب آخرين لم يناموا إلى الصباح من شدة فرحهم بتلك الرحلة الطويلة والأولى في حياتهم كريفيين..

 

طلاب مدرسة من التعليم الأساسي والثانوي يتجمعون مع الأهالي في سيارات ويذهبون باتجاه مبنى المحافظة كأول اعتصام مدني للاحتجاج ضد شخص كان "يتقطع" لنا أثناء الذهاب والإياب أمام منزله في الطريق المؤدي إلى المدرسة بين القرى التي كانت تقع أعلى الوادي والمدرسة التي تتوسط الوادي الذي يبدأ من أعلى مديرية القفر ويمتد كوادي وسائلة قيل إنها تمر عبر عتمة ووصاب باتجاه الحديدة والبحر الأحمر.

 

لاتزال الصورة الأولى لإب تشكل حالة إبهار بالنسبة لي خصوصاً مدخلها الساحر من اتجاه خط السحول، والصورة التي احتفظت بها ذاكرتي في تلك المرحلة أنها ارتبطت بالجنة وفق السرديات الريفية لنا عن إب والتي كانت تصورها كجنة وأنها مخصوصة بعناية إلهية فريدة ومن بينها الأساطير المنسوجة عن جبل ربي الذي يقع عند مدخل المدينة وتقول تلك الأساطير إن قطعة الأرض التي تسمى باسم الإله هي حلقة الوصل بين إب وبين السماء وبين إب وبين المطر..

 

هذه الذكريات التي خطرت في بالي الآن هي التي دفعتني للكتابة عن إب المهدورة وأنا اتصفح بمرارة للمرة العاشرة تقريباً رسالة محافظ صنعاء المعين من قبل مليشيا الانقلاب بعثها للمحافظ الشبيه له في إب بخصوص مايعتقد أنه نصيبه من أراضي أوقاف إب، وربما أن هذه الرسالة التي خرجت للعلن تعكس عرفاً غير معلن بين رجال السلطة المتعاقبين والذين اعتادوا على نهب أراضي إب عبر كل المراحل التاريخية ولايزالون "يبسطون" كل لحظة على أراضي إب ربما إلى كتابة هذا المقال..

 

بدأ شريط الذكريات يعيد إلى خاطري لحظة وقوفي في جبل ربي إلى جوار احمد علي عبد اللطيف وامين الشفق وأحمد طارش ومعمر النجار وهشام هادي كان أمين حينها يشير بأصابعه إلى مجموعة من التباب التي عليها مباني مرتفعة، وأذكر منها "تبة حيدر" هي تلة مرتفعة سميت باسم قائد لواء عسكري من سنحان سمى المكان باسمه أيام كان قائداً عسكرياً في إب وتملك حياً كاملاً باسمه.

 

وإذا ما تعلق الأمر بغسيل الأماكن، كثير من الأماكن تحولت بأسماء الذين بسطوا عليها ونهبوها وغالباً ماكانت باسم أراضي الدولة او أراضي الوقف وهي تعود لأناس تم سلبها من أجداهم أثناء حروب الاجتياح أو تعود لمن لا يستطيعون مواجهة ذوي النفوذ ولا حول لهم ولا قوة ولا دولة قانون تعيد حقوهم.

 

عندما فكرت بكتابة مقال عن إب المهدورة لا أدري لماذا التصقت في بالي كلمة "مهدورة" دون سواها لدرجة أني تصفحت العديد من المعاجم اللغوية لمعرفة دلالة هذه الكلمة التي ارتبطت نفسياً وربما روحياً مع اب ولا أدعي أن لدي تأويل ذهني أكثر من مسألة التأويل الوجداني عن إب التي قرأت جروحها المفتوحة عبر التاريخ منذ حروب الاجتياح للأئمة والتي كانت تشكل إب الصيد الأول في "فم الطاهش" القادم من المرتفعات العليا والمقصود بفم الطاهش ما تصوره المرويات اليمنية والأمثال الشعبية عن حالة القضم والإلتهام الأقرب إلى فك الملتهم.
في أحد المعاجم اللغوية وهو لسان العرب " أعْلَنَ الأمِيرُ إهْدَارَ دَمِهِ:- : اِسْتِبَاحَهُ ، جَعْلَهُ مُبَاحاً ."

 

جاء مرادف الهدر الاستباحة وهو توصيف نال صدى عجيب نفسي فيما يتعلق بإب المهدورة التي تحولت إلى أرض مهدورة ومشاعة يتم نهب أراضيها كل يوم من قبل مليشيا الحوثي ومن قبلها السلطات المتعاقبة بشقيها السياسي والاجتماعي أو تلك السلط الدينية التي حولت أراضي الفلاحين وصادرتها باسم الوقف كل ذلك نتيجة لسبب تاريخي اسمه حروب الاجتياح للمشروع الامامي..

 

تلك الحروب التي كانت تجد في إب محطتهاالاولى أثناء قدومها من الجبال العليا نحو السهول والسواحل مصحوبة بقبائل النكف أو نحو من كان يتم تسميتهم وفق التعبئة المذهبية كفار التأويل وكما جاء في مروية المتوكل على الله إسماعيل عندما سأل هل سيحاسبه الله على ما يفعله أتباعه وجنوده في السهول والسواحل قال لاتباعه "إن الله لا يحاسبكم على ما أخذتم منهم، ولكن يحاسبكم على ما أبقيتم لهم".

 

لست هنا بصدد صياغة مظلمة الأرض المهدورة لإب، فعلى طول الخط كانت إب تحضر تحت لافتة القضية اليمنية وتذوب فيها لكن صمت إب تجاه الجروح المفتوحة منذ حروب الاجتياح من شأنه أن يكرس فكرة الاستلاب والنهب والبقاء في حالة مستدامة من الهدر الذي لن توقفه إلا دولة وطنية قائمة على الحقوق والحريات أو نضال اجتماعي يتخلق من قلب إب المجروح ضد الهدر، وأن لا تتحول إب إلى صيد سهل المنال في "فم الطاهش"، هذه الفكرة الشريرة التي ربما لو سمع بها المناضل الربادي في قبره لكتب رسالة عتاب بالغة الحجة والتأثير إلى المعنيين بالحرية والنضال في إب، وهو الذي عرفه البردوني ويوسف الشحاري عن قرب حينما تخلق المشروع الجمهوري وتخلقت حركة وطنية ولد من رحمها ضمير وطني على مستوى اليمن، وكان لإب نصيبها وباعتقادي أن من بين أولئك الذين كانوا يرفعون لافتة الحرية في ساحة الثورة بإب من يتخلق ويتكون اليوم على طريقة تلك القدوات الوطنية التي تخلقت من قلب حركة التاريخ الوطني من أجل أن لاتكون إب مهدورة وقبل ذلك أن لا تكون اليمن مهدورة باعتبار إب جزء من كل.

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

تعليقات القراء

1- وضعت يدك على الجروح

اسعد القحطاني

الله عليك يامحمد المقبلي وضعت يدك على الجروح لي 10 سنوات اتابع ارضيتي في وسط المدينة تم نهبها عام 97 ولم استردها الى الآن ..الامل فيكم يامحمد وفي الاحرار امثالك

2- سلامي عليك

يمني مهاجر

بمثل هذه الكتابة التي تضع النقاط على الحروف يمكن التعويل على الوعي ...سلامي لك وللمصدر انلاين

3- قلت لك يوم ما

ذكريات الحرية

هل تتذكر زميللتك التي قالت لك في يوم ما ستصبح من اهم الكتاب كان ذلك في المكتبة المركزية جامعة صنعاء عام 2008

4- هذه هي حقيقة اب المرة

امل الورافي

شكرا لك يامحمد هذه هي حقيقة اب المرة والجريحة

5- شكرا محمد إب

Wael ahmed

كل شيء مهدور في إب أرض وأنسان للأسف.نحن كسكان لإب أصبحنا كعرب 48 والأرض والمال والحكم كله للمتورديين والأقطاعيين من سكان المرتفعاتيوما ما سنستعيد مدينتنا.شكرا صديقي محمد لإنك تكتب وتدافع عن إب والقهر يظهر من بين سطورك.

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء