يمني في إسطنبول (1)

وقفت نحو عشر ساعات على أقدامي من أجل تجديد الإقامة في المدينة التي تشكل مهوى لافئدة بعض من زارها وعرفها عن قرب ..


إسطنبول التي يتبدل طقسها بشكل عجيب وغريب مثل طبقات "المكياج" لكنها المدينة التي تبتسم في وجوه الغرباء ولاتشعرك ملامح الزمان والمكان فيها أنك غريب ولاتراقبك عيون "العسس" مادمت ملتزماً بالقوانين ..

 

كان يوماً مزحوماً على غير عادة.. طابور طويل من العرب والأجانب امتد إلى ثلاثة طوابق في مبنى الأمنيات الذي يتوسط قلب مدينة إسطنبول على مقربة من شارع محمد الفاتح الذي لا يخلو من حضور روح التاريخ و بعض عصابات لصوص الهواتف الشخصية ومنها هاتفي الذي لم يستمر في يدي إلا ثلاث ساعات فقط بعد غياب طويل وحضور قصير جداً.. قبل ان يلتقطه لص من على دراجة نارية كما لو أنها نسر يطير على الأرض..

 

كنا نحو عشرة شباب وثلاث فتيات من العرب في ذات المساحة المتقاربة وسط الطابور ولأننا انتظرنا وقتاً طويلاً كان لابد من كسر الملل بحديث ما.. بنقاش ما.. ولو كان قصيراً على هامش الطابور الذي أعاد إلى ذاكرتي طوابير الغاز في بلادي..

 

بادرت أولاً وعرفت بنفسي: "محمد من اليمن" ثم توالت التعريفات وما حفظته ذاكرتي إلى اللحظة "سند من ليبيا" و"منتهى من سوريا" و "حذيفة من مصر" ..

 

أطلق الشاب الليبي النكات من اللحظة الأولى وبعض النكت الليبية تنقض الوضوء وخصوصاً المتعلقة بالقذافي وقواته الخاصة.

 
أشار بأصابعه إلى صدره وقال: أنا سند من بنغازي ضحية الإنقلاب العسكري الذي يقوده حفتر هاجر أبي الى أوروبا للخلاص من بطش معمر القذافي وهاجرت أنا إلى هنا بعد أن نجوت بأعجوبة من اختطاف قوات حفتر التي عملت على التنكيل بشباب ثورة 17 فبراير وكأن لاهدف لها إلا تصفية الثورة والثوار ..

 

وبالمصادفة قال حذيفة من مصر وأنا أيضاً هاجر أبي إلى النرويج إحدى الدول الاسكندنافية وقبله جدي هاجر إلى بريطانيا رفقة جدتي أيام عبد الناصر وأنا الآن في إسطنبول لأني من شباب ثورة 25 يناير الذين رفضوا التوقيع على شيك مفتوح للسيسي لابتلاع ثورة يناير والديمقراطية المصرية الناشئة وتعرضت للإعتقال 3 أيام في قسم شرطة خلف جسر أكتوبر ..


قدمت لهم أيضاَ سيرة المنفى  التي لا تختلف عن سيرة المنفى بالنسبة لهم فجميعنا شباب ثورات عربية ضاقت بنا البلاد التي أردناها أن تتسع للجميع بالثورة والحرية وضافت بنا واتسعت للإ نقلاب والسجون..


وبعد أن أصبحت يومياتنا تحت الحصار والخطر فكرنا بالمنفى تحت الإكراه فالمسألة ليست ترف والغربة ليست "شاليهات" كما تصورها بعض الذهنيات التي اعتادت الفهلوة والتنميطات المستهلكة وليس الأمر يوميات "للفهنة" الأمر ابعد مما يتصورون.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء