الأمم الهشة أسيرة التقليد

إذا لم تشعر بالإنتماء إلى كياناتك الأصغر صعوداً من أسرتك إلى قريتك وبلدك وأمتك، فكيف يمكن أن تنتمي للإنسانية بمعناها الأوسع؟ و هل هناك تعارض بين أن تنتمي للإنسانية وكياناتك الخاصة؟

 

هذه المثالية لا يمكنها حجب حقيقة أن الإنسانية نفسها مقسمة إلى شعوب وأمم وثقافات وأعراق مختلفة.

 

يمكنك أن تنتمي للإنسانية بالتعامل مع هذا الواقع باعتباره واقع إنساني، من صنع الإنسان. أيضا، يمكنك أن تخدم الإنسانية إنطلاقاً من هذا الواقع، بالتأكيد على هويتك وثقافة أمتك، بكل ما يمثله ذلك من أهمية للبقاء.

 

ما يضر الإنسانية هي الأمم الهشة التي تكون مغرية و مصدر لأطماع الأمم الأخرى. ما يضر الإنسانية وجود أمم لا تقدر هويتها أو تنطلق منها، تجهل مكامن ومصادر قوتها. أمم شعوبها مأخذوة و مسلوبة بما لدى الآخر. الآخر الذي لا يمكن أن تصبح مثله بمجرد تقليده و إستيراد نموذجه و محاولة تطبيقه في مكان يحيا فيه الناس بأنماط ومعتقدات مختلفة.

 

هذا لا يعني عدم الإستفادة من تجارب الآخرين أو الانعزال والقطيعة مع العالم. بل يعني التفاعل و الإستفادة من التجارب مع الحفاظ على خصائصنا و خصوصيتنا. لسنا مضطرين للتنازل، كي نتطور، بل لا يمكن لأي أمة أن تتطور دون أن يكون لها كيان داخلي صلب، أي شعور جماعي بالهوية.

 

الإستفادة من التجارب لا تعني التقليد؛ نسخ النموذج و محاولة لصقه. أي محاولة كهذه مصيرها الفشل قبل أن تبدأ و محاولة فرضها بالقوة تولد مجتمعاً مرتبكاً. الإستفادة من التجارب تعني دراسة الخطوات التي أتخذتها الأمم في إعادة إحياء ذاتها حضاريا، و أيضاً أخذ العلم مع الحفاظ على الثقافة. هذا ما فعلته اليابان في القرن التاسع عشر عبر البعثات العلمية. ضعوا خطاً تحت البعثات العلمية. في نفس الفترة التي كانت ترسل اليابان الطلاب لأخذ العلم من أروبا و الولايات المتحدة، كانت تفعل مصر الأمر نفسه، أثناء حكم محمد علي باشا. 


لكن لماذا تطورت اليابان بهذا الشكل المذهل و ظلت مصر كما هي؟
 الجواب بسيط جدا. لأن الياباني كان يعرف أنه ذهب في رحلة تبادل علمي وليس ثقافي. يذهب يابانياً ويعود يابانياً. يعود بالعلوم محافظاً على ثقافته الأصلية. كان الياباني ينبهر من التطور العلمي في الغرب وليس المظاهر الثقافية. فيعود كي يساهم في التطور العلمي في بلاده و ليس ليشتغل في التنظير كم أن اليابان متخلفة لأنها لا تمارس مظاهر الثقافة الغربية.

 

في المقابل في مصر، لا نسمع عمن ذهبوا إلى الغرب للدراسة إلا بقاسم أمين، الذي بدل أن يعود بالعلم، عاد بثقافة مختلفة يريد لصقها على المجتمع المصري. لأنهم ذهبوا مهزوزي الهوية. لم يبهرهم العلم بل الثقافة الغربية. لم يبهرهم المحرك البخاري بل خصر المرأة الفرنسية.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء