في ذكرى وفاة قاضي الجمهورية

في 14 مارس من العام 1998 لفظ القاضي عبدالرحمن الإرياني أنفاسه الأخيرة ليغادر الحياة تحت سماء غير يمنية وفي أرض غير يمنية وهو الذي دفع من اجل اليمن أرضاً وإنساناً وهوية ألذ سنوات العمر معلماً وقاضياً وثائراً ومختطفاً محكوماً عليه بالإعدام في سجون الإمامة.

 

من الجيد تخليد قاضي الجمهورية في ذكرى وفاته وهو حكيم الجمهورية وعقلها المشرق وأحد المؤمنين بالذات اليمنية الحضارية والمدركين الفاهمين لمعضلة الإمامة السلالية التي عملت على محو اليمن أرضاً وإنساناً وهوية.

 

لا يمكن الحديث عن المشروع الجمهوري والوطنية اليمنية الحديثة دون الحديث عن الثلاثي الجمهوري عبد الرحمن الإرياني ـ احمد محمد نعمان ـ محمد محمود الزبيري.

 

هؤلاء مهندسو الكيان الجمهوري التاسيسي في منتصف القرن أو ما عرف بجمعية الأحرار ومن ثم تنظيم الاحرار حتى تبلورهذا الكيان بشكل واسع عرف بمجلس الشوري أو المجلس الجمهوري.

 

امتلك الرئيس الإرياني القدرة على صياغة خطاب وطني توافقي يراعي المصلحة العليا للشعب، وهذا ما يؤكده جزء من كلمته في بداية الجلسة الثالثة من مؤتمر حرض بين الوفدين الجمهوري والملكي في العام 1965:

 

ايها الاخوة اليمنيون إن هذا الاجتماع لم يسبق له مثيل وقد اشفق على اليمن حتى اعداؤها ونشدوا لها السلام والاستقرار والحياة الحرة الكريمة، فمن العار الذي سيدفع به اليمن إلى الأبد أن يتفرق أبناء اليمن على غير وفاق. 

 

وها نحن نشهد الله ونشهد العالم أننا لم نحضر إلى هنا إلا حرصاً على السلام وقد كنا أسبق في الدعوة اليه، وفي العام الماضي كنا أسرع إلى الحضور إلى نفس هذا المكان في حرض، إننا نريد أن ننسى أنفسنا وننسى أشخاصنا ونضع اليمن بين أيدينا فهي ليست ملك لأسرة ولا لأفراد بعينهم، ولكنها ملك الشعب اليمني كله.....}}.

 

بغض النظر عن المآلات التي تلت مؤتمر حرض والنقد الذي كان يؤخذ على التيار الجمهوري ذي النزعة التجديدية الإصلاحية، إلا أن كفاحهم الجمهوري من أجل الشعب كان واضح المعالم والأهداف وما حصل من خيانات للدرب الجمهوري لا يتحملوا المسؤولية الكاملة عنه.

كان القاضي سياسياً بالغ الذكاء والدهاء يفهم السياسة من خلال ثلاثية الفكر والتاريخ والجغرافيا.

 

وكذا الإيمان بالشعب الذي ينتمي إليه إضاقة إلى كونه مثقف واديب، وخلفيته الفكرية والقانونية والتشريعية واسعة باعتباره مشتغل في حقل القضاء ونشأ في أسرة علمية لها علاقة جيدة بالأدب وكتابة الشعر، وهذا يتضح في أهم ثلاثة أبيات من وجهة نظري خاطب بها يحيى حميد الدين 1943:

إنما الظلم في المَعاد ظـَـلام ** وهو للملك مِعــول هـــــدّام

ليس في الظلم ثروة إنما الثـــــــــروة عدل ورحمة وسلام 

أنصِفِ الناسَ من بنيك وإلا ** أنصفتهم من بعــدك الأيام

، التحق بالعمل الوطني الثوري ضد الحكم الإمامي الملكي في أول سنوات شبابه، وشارك في مراحل النضال الوطني كصانع سياسة وفكر وثائر مناضل أمضى ثلاث سنوات من عمره في ظلام السجن الإمامي.

 

تولى مناصب قيادية عديدة في العهد الثوري، ثم أصبح في نوفمبر/تشرين الثاني 1967 ثاني رئيس للجمهورية العربية اليمنية (الشطر الشمالي)، بعد الرئيس المشير عبد الله السلال.

 

انتخِب في عهده أول مجلس شورى وصِيغ أول دستور يمني حديث، كما بدأ فيه التفاوض بشأن تحقيق الوحدة اليمنية وأسُسها، من خلال اتفاقيتيْ "القاهرة" و"طرابلس" بين شطريْ اليمن آنذاك، الجنوبي والشمالي.

 

ظل الإرياني رئيساً للبلاد حتى استقال بتاريخ 13 يونيو/حزيران 1974 -عقب ما عرف بحركة التصحيح التي تزعمها الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي- وغادر الى سوريا مخلداً مغادرته السلطة بعبارة.

 

ثمة مفارقة مهمة في حياة الرئيس الارياني لم تحصل فيما سواه من الحكام فهو اول رئيس عربي يقدم أستقالته طوعاً لمجلس شورى منتخب وتم إخفاء رسالة الإستقالة، وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ الانقلابات، بخاصة في دول العالم الثالث يتصل الرئيس الشرعي بخصومه ليتسلموا الحكم كما تم في عهده وضع اللبنات الأساسيه للوحده اليمنيه من خلال اتفاقيتي القاهره وطرابلس.

 

وفيما يتعلق بالإنتاج الفكري للقاضي أرخ للثورة اليمنية في مراحلها المختلفة ومنذ بداياتها الأولى، ويُعد كتابه "مذكرات الإرياني" وثيقة مهمة من وثائق الثورة اليمنية في الفترة ما بين عشرينيات القرن الماضي وسبعينياته.

ومن مؤلفاته العلمية والأدبية "الشريعة المتوكلية والقضاء في اليمن" نشره باسم صديقه أحمد بن عبد الرحمن المعلمي، وديوان شعر بعنوان "ملحمة من سجون حجة".

وفي مجال التحقيق حقق ونشر عدداً من الكتب، منها:"هداية المستبصرين بشرح عدة الحصن الحصين" لوالده، و"السيف الباتر لأعناق عباد المقابر لأخيه عقيل الإرياني، و"تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد" للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء