فلسفة الناموسيات!

قد تظن نفسك فيلسوفًا تقتفي خطى أرسطو طاليس. تمشي وتفكر على طريقة المشائين، تسقط في حفرة أو تجد نفسك في نقطة للمليشيا. الوقت مناسب لتجربة شعور الفلاسفة.

 

الفلسفة تبدأ بسؤال تافه والحرب خلاقة أسئلة. قبل أيام زرت مغتربًا في عزلة أخرى. كل مغترب سمين وصاحبي يبسط على زاوية كاملة وضواحيها، أريحي جدًا. قال لأبناء قريته: "دعيت لكم الكاتب خصوصي.. اتكلموا عن معاناتكم.. اهدر يا فلان.. مش بعدين تقولوا ما عملت لكم شي".

 

ولأنه هو من عزمني على الضيافة، فقد أخبرني: "دعيت لك لأنك مع أصحاب كثير في الفيس بوك". جندي يتحدث عن راتبه: قل للشرعية يبطلوا كذب. أستاذ يتحدث عن سيناريوهات محتملة يمكن اتخاذها للضغط على "الجن" ليصرفوا الرواتب. ولم أعرف من يقصد بالجن.. هل حكومة الشرعية أم حكومة المليشيا؟ نضجنا إلى حد كبير وصرنا نستخدم ألفاظاً كبيرة: سيناريوهات محتملة.. نسيج.. أخلاق الحرب.. الأطراف المؤثرة.. وأصبحنا نقول مؤخرات.
 

شخصية اجتماعية في ذروة الشباب كان حاضرًا. وهو وكيل بين مالك أرض وشريك.. ابن الشريك رص مجموعة من أغصان القات وقام من مكانه ليعطيها للوكيل.

 

وجَّه المغترب بصوت عال كلامه إليّ: "اكتب هذي اللقطة ضروري.. احنا بزمن الفيس بوك مش العبودية.. وقِلْكْ هذيك حق العبيد والمظلات". ورد عليه أحد الأصدقاء "موهي العبيد والمظلات". وأجاب "هو داري.. هلّه بالفس بوك.. العبيد والمظلات والمطر". واعترف لي: "أنا ضعيف بالإملاء وإلا شاشمت". قارئ البلاد يعرف الاقتباس.. ويخطط لتوظيفه. ابحثوا عن العبيد والمظلات والمطر واعفوني من مشقة البحث.

 

جاء دور أحد الكبار. لقد قال بأنه "هطع من القفاعة إلى الحجيفة" وأنا أفكر ماهي مكونات منظمات المجتمع المدني؟. قرابة عشرة كيلو والرجل يفكر بهذا السؤال. اجتهدت لأفسر له من واقع المنظمات اللواتي عرفتهن في صنعاء. ولم أفلح. لقد جادلني "مالك من الأحزاب.. احنا في حالة حرب.. ألا تلاحظ أن المنظمات هي التي تدير البلاد الآن.. لقد وصلوا حتى القرى.. منظمات غير مؤدلجة". التفكير في علل المعدومات، مثل الراتب، أسهل من أمر المنظمات.. ثم طلب مني أن أطرح السؤال على فيس بوك لأنه استغنى عن صفحته لسببين، "الأول: عدم وجود المتفاعلين، والثاني بسبب انقطاع الراتب".

 

بعد 33 سنة من حكم المخلوع، وبعد سنتين من تحالفه المدمر مع ميلشيا الحوثي، الدولة غائبة، الحابل يختلط بالنابل: المنظمات الحقوقية والخيرية والإغاثة.. لا أمن ولا اقتصاد. إنهم يديرون توزيع تنكات السمن والناموسيات يا مكسوري الناموس. عشرة كيلو والرجل يفكر بأمر هذا السؤال. انها الحرب التي تصيرنا فلاسفة إذا كانت الفلسفة تبدأ بسؤال تافه.

 

أتذكر قصة قصيرة لغسان كنفاني، اسمها قرار موجز. بطل القصة بدأ يتفلسف عندما كان طفلًا ولقد أوجد لنفسه سؤالًا شغله لمدة أسبوع: لماذا يلبس الإنسان القبعة في رأسه والحذاء في قدمه؟ لماذا لا يضع على رأسه حذاء ويلبس قبعة في قدمه؟! تنضج فلسفة البطل بانخراطه للثورة ومشاركته في الحرب. وهو يبحث عن بارودة يقول "ليس المهم أن يموت الإنسان، أن يحقق فكرته النبيلة.. بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت" وعندما قبض عليه الأعداء وضربوه، كما يضرب الحوثيون المختطفين، قال "إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف". وهو يموت قال لأصحابه "ليس المهم أن يموت أحدنا.. المهم أن تستمروا".

 

إذن سوف تنضج فلسفتنا مع الأيام فنحن نعيش الحرب ونتنشق البارود، وأدمغتنا محشوة بالكثير من الأسئلة التي تبدو تافهة. هناك سؤال غير تافه، قد يبدو تافهًا لكن خلفه دولة تائهة. لقد جاء أحد أبناء القرية وجلس أمامي لأسمعه جيدًا وأنقل معاناته: "منو رجم على بيتي بالليل؟" هكه الأسئلة.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء