كسرنا الجدار

"نحن كسرنا جدار الكرامة" هذا الصوت لمسته في ملامح الشباب يوم جمعة الكرامة وهم يكسرون جداراً محاطاً بالنيران والدخان والقناصة الملثمين في أسطح المباني التي تحولت إلى ميدان ضرب النار..

 

يجسدون ما وراء قصيدة "سنظل نحفر في الجدار" باعتبار أن كسر الجدار يوفر الجهد والوقت اكثر من الحفر تتغير الأحداث او لا تتغيير يتحرك التاريخ او يتوقف سنظل نحدث الأجيال حتى ثامن جيل أننا شباب عزل استطعنا كسر جدار الكرامة الذي حاول المخلوع أن يجعل منه قيداً إسمنتياً على ساحة كتب عند مدخلها "مرحباً بكم في اول كيلو متر كرامة"..

 

من بين كل الأعمال التي انتهجها المخلوع وبلاطجته لقمع ثورة الشباب كانت الجدارن التي وضعها في كل شارع بغرض حصار ساحة التغيير في صنعاء وتحويلها إلى سجن كبير محاط بالمزيد من الأسوار هي من أكثر الأعمال ظلامية تعبر عن الذهنية التي حكمت اليمن بذهنية الدخان والجدار.. لم يحضر الدخان والجدار في ساحة الثورة حضور عفوي بل كان التعبير الدقيق عن ما تحويه جمجمة صالح من حرائق واسوار بحق هذا البلد المعذب والجريح ..

 

تقول إحدى المرويات أن صالح كان يتصل بغرفة عمليات أمنية تم تسميتها غرفة عمليات الساحة، وأنه كان في اتصالاته يقول "غلقوا عليهم من كل زغط، اعملوا جدران ونقاط" ومفردة "زغط" هنا من ضمن اللهجات الشعبية وتعني شارع ضيق، وهذا توضيح للصديق الليبي سند وبقية الأصدقاء العرب ..

 

قبل ليلة جمعة الكرامة كنت أنا والصديق العزيز همدان الحقب نمشي من شارع الدائري باتجاه صحيفة الأهالي حينها كان بلاطجة صالح أو ما يمكن تسميتهم بالشرطة السرية قد بدأوا بنصب جدار في كل شارع يؤدي إلى ساحة الثورة، وتم تكثيف النقاط وتحديداً في المنطقة الفاصلة بين شارع الزبيري وساحة التغيير.. أثناء عودتنا إلى الساحة وجدنا أن كثيراً من المداخل أصبحت مسدودة وأن شيئاً ما يتم الترتيب له.. احتاج الأمر منا أن نعود باتجاه مستشفى الكويت لنعود إلى الساحة من جهة شارع الزراعة وعندما وصلنا المنطقة الآمنة لنا داخل الساحة تحدثنا عن تلك الجدران وأن الأيام القادمة ستكون أكثر حصاراً نتيحة التضييق الذي يفرضه النظام كل يوم على ساحات الثورة ومحاصرتها بالجدران في مثل هذه الليلة، ربما كان أنور الماعطي نائماً بشكل طبيعي، ومن المفترض أن يكون الليلة كذلك لا أدري هل ""تجمش"" جيداً في تلك الليله وهل ودع الشهيد المنيعي طفلته النبيهه.

 

كانت الشائعات تبث أن فلول دويد ومشايخ البلطجيه تتكوم في تخوم ساحة التغيير.. كانت ليلة مرعبة تجعلك تفكر في كتابة وصيتك الأخيره والتي مقدمتها ديونك لبائع الصحف كان الاشتراكي عمر القاضي يصلي بخشوع على مقربه من كشك النعماني، هي الصلاة الأخيره لعمر لم يصلِّ بعدها ولم يستشهد أيضاً.

 

صمد في تلك الليالي أنبياء الإستبسال من أجل الوطن والإنسان،كانت أذرع صالح البوليسيه تبث بإسراف شائعات الرعب قبل جمعة الكرامة بليالي.. من مثل أن مصفحات معبأة بالأسيد كفيله بإحراق الخيام والأجساد أيضاً. كنت اتخيل ساقي النحيل يتفتت كبسكويت ماري واضحك من ورطة صلعة عبد الرحمن الهرش من الأسيد.. و الأخبار المتوالية تؤكد أن اجتثاث ساحات الثوره خيار بلطجي يجب مؤاخذته على محمل الجد، والدكتور محمد الظاهري كان يدور في ليالي الساحة مثل نحلة يقظه.. فيما كان الشهيد خالد الحزمي يلح على الجميع توحيد المكونات الثورة وفق وثيقة مدنية..

 

من 12 - 18 مارس كانت لحظات التأهب للقفز خارج مربعات القهر، وكان النظام يعدها لحظات الإجهاز على شباب يجيدون فن النضال ويرقصون سامبا، فيما كان المؤمنون الصغار نورهم يسعى بين الخيام من أجل الحرية سقط منّا شهداء في جمعة الكرامة كمجاهد القاضي مثلاً والشاهري لكننا قفزنا بارتفاع جيد وصحنا "أفقنا على فجر يوم صبي".. أيها الأب البردوني نحن قفزنا نعم قفزنا وبتنا خارج تلك المربعات التي أذلت الأرض والإنسان، لم نكن ندرك أن اليوم التالي سيكون يوم اختراق الورد للرصاص بحسب الشلفي..

 

قال أحمد زيدان مبعوث الجزيرة إلى اليمن وهو يقف خلف عشرات الجثث المطروحة "لم أشاهد بمثل هذه الجريمة في حياتي بحق المدنيين.. إنها الجريمة المنظمة الأولى" كانت المواجهة بين أنبل ما في اليمن وأسوأ ما في اليمن شاب حامل ورده ومبتسم وفيسبوك وجملة مقدسة "ارحل" وشعار مقدس "الشعب يريد" والطرف الآخر حامل بندق ملثم.. حارق إطارات "يتبلطج ويقتل ويتحلبط ويعلن الحداد في مثل هذه الليلة لم أكن أدرك أن اليوم التالي سيكون بلا خالد الحزمي وبلا حامد اليوسفي كان من المفترض أن يتم طباعة كتاب الشهيد عبد الباسط المشولي وفيه يرسم أحلام "سنتقاسم الألم والحلم معاً يا عبدالباسط غير أننا ننتظر الحرية والكرامة أيضاً".


وفي مثل هذه الليلة كان من المفترض أن يكمل أنور الماعطي عاماً في طرف العقد الثاني، وتبقى لوحة الكرامة والالتقاطات وحفظ الذاكرة مهمة من بينها ارتفاع دخان الإطارت التي غطت سماء ساحة الثوره كما ارتفعت السنه اللهب لكن الروح الشبابيه اطفأت الحريق وبالتالي هبطت اكوام الدخان ارضا وارتفعت أرواح الكرامة إلى السماء، نعم إلى السماء.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء