في الهوية اليمنية.. (1)

هل الصراع في اليمن صراع هويات؟ هل نحن شعب بهويّة واحدة أو شعوب بهويات متعددة. قبل ذلك، ما هي الهويّة و ممَّ تتشكّل؟ و هل هي ثابتة أم متغيرة مع الوقت بسبب دخول عوامل وخروج عوامل؟ أخيراً، ما هو تأثير النظام السياسي و الصراعات في استحضار الهويّة؟

 

يُنقل عن عبدالله البردوني قوله "قبل الوحدة كنا شعباً بدولتين، و بعد تسعين صرنا دولة بشعبين". هنا يقصد أنّ قبل الوحدة، رغم أن اليمن كانت منشطرة إلى كيانين بنظامين سياسيين، لكن كان يشعر المواطنون بهويّة واحدة، اليمنية.

 

لكن ما الذي اختلف؟ ألم يكن من المفترض أن الوحدة السياسية تعزز وحدة الشعور والانتماء؟ السبّب في ذلك، أن الانقسام السياسي في ظل دولة واحدة إلى جغرافيتين (شمال و جنوب)، وما تبعه من استقواء طرف على طرف، جعل الناس يبحثون عن هويات أضيق لم يكونوا يفكرون بها من قبل.

 

مثلاً، الجغرافيا في حالتنا، بما أن الدين واللّغة والعرقيّة والعادات والتقاليد واحدة. رغم أن الجغرافيا في حدِّ ذاتها ليست من عناصر الهويّة، لكن تم دمغها كذلك نتيجة للممارسة السياسية المدمرة من قبل نظام السلطة.

لا أدري إن كان هناك مصطلح "الهويّة السياسيّة" أو "هويّة جغرافيّة"، لكن عندما يشعر الإنسان بالاضطهاد في ظل كيانه الأكبر، كثيراً ما يعود إلى دوائر انتماء أضيق للبحث عن ذاته و تحقيق كرامته المسلوبة. بغض النظر عن سلامة هكذا ردّة فعل، لكن هذا واقع الإنسان و طبيعته.

 

إنّ ما حدث بعد الوحدة من سيطرة طرف -من النظامين السياسيين الشركاء في الوحدة- على مقاليد الحكم بعد حرب صيف 1994. و ما لحقه من تكريس في الخطاب السياسي و الإعلامي الرسمي بأنها كانت حرباً بين شمال و جنوب (شعبين)، انتصر فيها الأول، جعلت من الثاني يشعر بالغُربة في كونه يمنياً.

 

كيف يمكن لمواطن أو مواطنين يشعرون بالغلب و التهميش السياسي و التمييز في الحقوق أن يشعروا بالهويّة للبلد الذي يفترض أنهم ينتمون إليه؟

على العكس، شعورهم بالنقمة على النظام السياسي ينعكس كشعور بالنقمة على البلد برمته، أو على الأقل، شعور بعدم الانتماء له لذا يبحثون على انتماء آخر مقابل.

 

قد يقول أحدكم: لكن النظام السياسي كان يمارس الفساد في كل مناطق اليمن، و الاحتكار للسلطة و الثروة كان في نخب سياسية و عسكرية و قبيلة تنتمي إلى جزء محدد من جغرافيا الشمال، وحتى تلك المناطق التي ينتمون إليها، لا تستطيع القول إن أبناءها لا يعانون من الفساد وغياب التنمية ومظاهر الحياة الكريمة. غير أن هذا الأمر، على حقيقته، ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الخصوصية السياسية وقبلها ممارسة السلطة الخاطئة المتكررة التي طبعت الشعور بالغربة في بلدهم، لدى اليمنيين الجنوبيين. وبعض النظر عن تقارب أو تفاوت مستويات العيش، طالما أن النظام يحتكر السلطة إلا من مناصب ديكورية، و يتصرف بحس مناطقي.

 

في محاولة البحث عن هوية بديلة، كان البديل جغرافياً في شطر منه "الجنوب"، و في شطره الآخر هوية قومية "العربية". ليحل على مسامعنا "الجنوب العربي". و يعود جذرها التاريخي إلى أيام الإنجليز، الذين اقترحوا اتحاد لمجموع السلطنات العشرين تحت اسم "اتحاد الجنوب العربي".

 

كانت حركات التحرير في جنوب اليمن، قد ادركت خطورة هذا التزييف الاستعماري وعملت على إعادة تعريف الهوية عبر تسمية الدولة الجديدة "جمهورية اليمن الديمقراطية". لإدراكها أهمية وجود مرجعية صلبة لهذه الدولة الوليدة التي كرس الاستعمار تمزيقها سياسيا واجتماعيا. هذه الحقيقة مغيبة تماما في الخطاب الحراكي.

 

الأمر الذي يمكن فهمه -فقط- عبر إدراك ما يمكن أن يسببه الاضطهاد و التهميش السياسي من كراهية واحتقار حتى للهوية التي ينتمي لها الإنسان مع غيره، ممن أصبح يعتبرهم غرباء عنه، ويبحث عن طريقة جديدة لتحديد علاقته بهم، وإعادة تعريف نفسه بالنسبة لهم. أي يبحث عن هوية جديدة، حتى لو كانت غير واقعية أو مصطنعة.

 

أخيراً، هناك أسئلة، تبحث عن إجابات: ألم يكن باستطاعة الحراك الانطلاق من الهويّة اليمنية في مسيرة الحقوق السياسية والمواطنة المتساوية وغيرها؟ أو حتى في المطالبة بالانفصال السياسي، بدلاً من الانفصال الهوياتي؟ لنعود، على الأقل، دولتين بشعب واحد وهي حقيقية وواقعية. و السؤال الآخر، بعد سقوط نظام صالح و قيام الثورة عليه في كل اليمن، بل و الدخول في حرب مع ما تبقى منه وشركائه الجدد من الإماميين، ألم يحن الوقت لتغيير الخطاب و ممارسة المظلومية التي لا تنتج إلا تشوهات لا يمكن معها البناء.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء