هل حان الوقت للبحث عن بدائل؟!

"اليوم لم يعد لليمنين من قضية سوى قضية الخبز والحرية" الوضع يتجه نحو التعفن.

الكثيرين يتساقطون على هامش هذه الحرب. يتساقطون من الجوع والمعاناة ومن فقد الأمل. حتى خيار السلام الذي يتحدث عنه البعض، لن يكون حلا، في ظل بقاء معادلة التجويع قائمة.

 

هذه المعادلة تتمثل في صالح والحوثي كطرف أشعل هذه الحرب ويعمل على إدامتها، وبالمقابل هناك سلطة شرعية تبادل الناس ومعاناتهم مزيد من العجز. وبالذات عندما يتعلق الأمر بوضع تعز، حيث الحرب والحصار متواصل والناس لم تتسلم رواتبها منذ سبعة أشهر. أما التحالف العربي فقد أصبح من الواضح أنه فوق هذه المعادلة، فاهتماماته تقتصر على تحقيق المكاسب العسكرية وان كان على حساب خراب مالطا، فهو يعتمد تلك الانتقائية في إدارة المعركة العسكرية. لا يهمهم أن الناس واقعة تحت سطوة صالح والحوثي، وأنه ينبغي عمل اللازم لتحريرهم. فقط المعركة التي تخوضها الإمارات والسعودية أصبحت متعلقة بالسواحل. وهذا مهم، لكنه لا يكفي، ويدفع اليمنيين تحت وطأة القهر والجوع إلى تبني خيارات متهورة.

 

اليوم يجري الإعداد لمسيرة البطون الخاوية التي يقال أنها ستتجه مطلع مايو القادم من تعز نحو عدن. ليس لدي فكرة كاملة عن هذه المسيرة. ولدي مخاوف حقيقية من وجود جهات مشبوهة سوف تستغل سخط الناس وتستثمره لصالح مشاريع مجهولة. كما حدث أثناء إقرار الجرعة.

 

تنامي الفوضى الأمنية في تعز خلال الأشهر الأخيرة، هو انعكاس حقيقي لوضع الناس المعيشي. ووسط هذه البيئة سوف تتحرك كل التناقضات. دور أجهزة صالح في الاغتيالات والفوضى الأمنية لم يعد خافيا. وإذا وجد أعظم جهاز أمني فلا يمكنه أن يحل المشكلة طالما وهي تتغذى على الجوع والحصار وعلى كل أنواع المخاوف. حتى القاعدة أصبحت تستثمر في هذه البيئة.

 

الحل الممكن اليوم يكمن بضرورة وجود اقتراحات وعمل جديد، وعلينا ألا نفقد الأمل بالأحزاب. الأحزاب الثلاثة المساندة للشرعية، والتي لديها خبرات نضالية وقاعدة شعبية واسعة على الأرض. أقصد بهذه الأحزاب: الإصلاح والاشتراكي والناصري. أصبح مطلوب من هذه الأحزاب أن تتجاوز أزمة الثقة السائدة بينها منذ اندلاع الحرب قبل عامين والقيام بواجبها الوطني والإنساني اتجاه اليمنيين. في هذه اللحظة أعتقد أن الأمر لم يعد يتعلق بالمكاسب السياسية والحسابات الضيقة. الأمر أصبح يتعلق بحياة الناس.

 

لكن مطلوب من قوى ثورة فبراير التحرك وعدم انتظار الأحزاب التي لديها مشاكلها وعقدها القديمة والمتجددة. على شباب الثورة أن يفكروا بالاقتراب من الناس ومعاناتهم، وإبداع الطرق التي ستخفف من وطأة هذه المعاناة. المنظمات الاغاثية لا يمكن أن تقدم حلا. هي فقط تستطيع تسكين الناس لبعض الوقت وخلق تبعية في أوساطهم. لكن شباب الثورة يقدرون على فعل الممكن على طريق تنظيم أنفسهم للظفر بالمستحيل.

 

أصبح من الضروري اليوم التفكير بآليات لإقامة سلطة شعبية منتخبة من الناس أنفسهم تقوم بحصر كل الموارد العامة المتاحة وتنظيم عملية الحصول على المساعدات وتنظيم عملية توزيعها.

انطلقت حملة #انا_جيعان قبل أيام، على مواقع التواصل الاجتماعي، كانعكاس للمعاناة التي أصبح يعيشها الناس. ولاقت الحملة حتى الآن اهتماما يمكن القول أنه مشجعا. غير أن هذا لا يكفي، كما أنه علينا الإدراك، أننا لسنا بصدد عمل مطلبي وإن كان الضغط عملية مهمة. العمل الحقيقي والنابع من استشعار حجم الكارثة التي تلوح في الأفق، أصبح يدفعنا إلى التحرك، والبحث عن بدائل تمنع حدوث الكارثة.

 

يمكننا أن نتعرف لطبيعة الدور المطلوب، بالنظر إلى النتائج التي حققتها حملة #أنا_جيعان حتى الآن. لقد تفاعل كثير من اليمنيين المغتربيين في الخارج، لكنهم لا يعرفون كيف يمكن لتفاعلهم هذا أن يكون مفيدا؟ من حقهم ومن حقنا جميعا أن نفقد الثقة بالمنظمات والجهات الرسمية وعصبويات الفساد القائمة.

من جانبنا اقترحنا مبدئيا، أن من يستطيع أن يساعد فليساعد أقاربه وأصدقائه والناس الذين يعرف عن معاناتهم دون البحث عن وسيط يقوم باستثمار صدقهم الإنساني. وهذا ما نتوقع أنه قد حدث وسيحدث دائما. لكن حجم الكارثة أكبر من إمكانية حلها بواسطة هذه المساعدات.

 

لهذا كان الإصرار للبحث عن حل لمعادلة التجويع والإذلال التي يشكلها تحالف الحوثي وصالح من جهة والرئيس هادي وحكومته من جهة ثانية، دون أن يعني هذا أننا أصبحنا نحث اليمنيين على تقديم التنازلات. سنفعل ذلك في حال سكتنا أمام معاناة الناس، في حال صمتنا إزاء الفساد الذي يقوم به المسئولين، في حال صمتنا عن توضيح أن المعاناة هي نتيجة للسلوك الإجرامي الذي أراد إسقاط الدولة ومصادرة نضالات وتضحيات اليمنيين الطويلة، وفي حال أننا تغافلنا عن القول بشكل واضح أن تحالف صالح والحوثي بإدامتهم هذه الحرب، بحصارهم للمدن، بدفعهم أولاد الفقراء إلى المحارق، بالسطو المنظم على مقدرات الدولة والإيرادات العامة، أنما هم بذلك ينفذون حكم إعدام أصدروه بحق اليمنيين عندما قادوا ثورتهم المضادة التي بدأت من صعدة قبل ثلاثة أعوام.

 

لكن علينا أن ندرك أن الوطن والمقاومة والشرعية وكل المعاني الكبيرة، لا تساوي شيئا عندما يصبح المرء في وضع لا يمكنه من توفير لقمة عيش لأسرته. أما الكارثة فهي أن هذا يحدث في ظل سحق كل ما تبقى من أمل قد يكون بمثابة معين لليمنيين وهم يواجهون هذه المحن. سحق الأمل هذه، عملية منظمة هي الأخرى أصبحت تقوم بها كل الأطراف المنتفعة من شرعية هادي، لهذا لم نتوقع منهم استجابة ونحن نطلق الحملة.

 

في مثل هذه اللحظة العاصفة، تُظهر الشعوب الحضارية معدنها الحقيقي وقدراتها الخلاقة على تجاوز هذا المصير الموحش. وهذا هو الأمل الوحيد المتبقي لنا في الوقت الحالي. ولم نكن مخطئين في ذلك، فهاهم المغتربين يبدءون في تقديم مقترحات عملية.

 

صادفت أمس منشورا في صفحة أحد الأصدقاء يوضح كيف أن المغتربين من أبناء شرعب قرروا أن يجمعوا التبرعات وإيصالها للمتضررين من أبناء مديريتهم. هذا عمل من المهم البناء عليه، مثلا من خلال المسارعة في إنشاء مجالس قرى في الريف، ولجان شعبية في المدن. مهمتها إدارة الوضع الإنساني المتردي وحفظ الأمن، وتدعيم عودة مؤسسات الدولة.

 

وكما قلنا في البداية مهمة هذه المجالس هي إدارة الموارد العامة والمساعدات المقدمة وكذلك حفظ الأمن. أما بنية هذه المجالس واللجان فمن الضروري أن تكون ديمقراطية، بهيئات منتخبة، ذات طبيعة مرنة قابلة للتغير المتفق مع طبيعة الهدف. بمعنى أن الأحزاب الثلاثة التي نحن مجبرين على التعاطي معها وعدم فقد الأمل بها، أصبح عليها أن تقوم بواجبها وتنظم مثل هذا العمل. ولكي تقوم بذلك عليها قبل كل شيء أن تتخلى عن التركة الثقيلة والثقافة السياسية المشوهة التي تعتمد على مبدأ التأمر كأساس رئيسي في عملها.

 

أما الجماهير فينبغي تربيتها للنضال ضد كل من يسعى للاحتفاظ بالطابع التأمري في الوقت الذي يسعى فيه الناس للبقاء على قيد الحياة، وكذلك تدعيم كل عمل من شأنه أن يمنح الجماهير الواسعة حريتها وحقها الكامل في صناعة مستقبلها. وهذه المهمة الأخيرة، تقع في الأساس على عاتق قوى ثورة فبراير، وعلى عاتق شبابها الذين تمكنوا قبل ست سنوات من فتح الباب واسعا أمام عملية صناعة التاريخ. وعليهم أن يواصلوا هذا الدور المشرق.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء