شرعية تافهة.. هواء مطلي

طاقات المواطنين تضعضعت، والبطون تلوي على الهواء المطلي. بماذا يطلون الهواء؟ لا ينبغي أن نتلهى بالسؤال لنبحث في الفلكلور الشعبي عن لازمة الهواء المطلي التي يرددها البائس الذي مل إشاعات الوعود.

 

لا ينبغي البحث بتفاصيل استعارة قديمة قالها رجل متضجر وهو يتضور من الجوع، فنحن نعيش واقعًا يكتظ بالمآسي حيث الموت الزؤام يتفشى في مختلف الأنحاء، حيث الجرب جعلت من دكاترة الجامعات يتضورون جوعًا، حيث المسغبة تسوقك للمقبرة وأمام ناظريك يتقاسم الأوغاد قوت منظمات الإغاثة ويبيعونها في السوق السوداء, وحيث انعدام الأمل.

 

في تعز تتضاعف المأساة، الموظفون بلا رواتب لسبعة أشهر على التوالي، ويبدو أن الشرعية كما علق أحدهم: ستحتاج لستة أشهر لتصرف راتب شهر تسعة!. الكثير من المآسي تجعلك تخجل من الدفاع عن الشرعية بسبب تصرفاتها. قبل أسبوعين استشهد أحد أصدقائي وهو يقاتل مع المقاومة، كان غضًا مثل عود الريحان، فاقتطف روحه قناص المليشيا.

 

ذهبت إلى العزاء وأنا موقن أن التجاذبات الضاجة لم تعد غريبة في العزاءات. ما لفتني جدًا، هو موقف جد الشهيد من الحكومة الشرعية ومن الرئيس هادي، ومن كمية المعلومات التي يحاجج بها في عزاء حفيده. رجل سبعيني في ظهره حدبة، لا يقرأ المعلومات المظللة في الواتس أو الفيس بوك. اكتشفت فيما بعد أنه يستمع إلى الراديو. الراديو القديم لا يكذب. وأنت لا تستطع دحض رأي بنته الألفة الحميمية بين رجل قديم ومذياع قديم. هذا المذياع مزركش بكسوة خاصة تحافظ عليه وتبدو حرف N من ناشيونال أوضح من لحية حسن زيد.

 

لا أعرف ما إذا كان للشرعية إذاعة تبث في ربوع اليمن. ولكني متأكد بأن الأداء الاعلامي للشرعية كسيح. استشهاد الحفيد جرجر الجد من مكانه مع المليشيا، إلى "بين بين" ليساوي الشرعية بالمتمردين. المؤدب يلوذ بالصمت، لا يناقش رجل كبير في السن يتلمظ بأسى الفراق على حفيده؛ لكنه الراديو.

 

كان العرب قديمًا يقولون: يقتاتون السوف! أي يعيشون على الأمل والأمنيات. سوف يكون غدًا أجمل سوف وسوف وسوف. ورغم بدائية الماضي لم تنعدم وسائل بث الأمل في نفوس الناس. وأهم ما تفتقر إليه الشرعية هي الوسائل فهذا الجد قد يغير رأيه في حال امتلكت الشرعية رؤية جدية لإدارة اعلامها.

 

ذهبت مفاجئتي بموقف الجد، عندما وجدت أساتذة يعيشون وضعًا مأساويًا وصل بهم الأمر إلى لعن الحكومة "من الجدف" وهم من أنصار الشرعية وضد المليشيا حد النخاع. عنجهية الحوثي ودمويته، هي الدعامة المتبقية التي تجعلك تصرخ بلا اكتراث من تأويل صرختك: "هذه الشرعية تافهة؛ ولكنها شرعية"!.

 

هكذا حالنا الآن، وهو يشبه الحال الذي كان عليه جماهير سلفادور الليندي، فقبل انقلاب بينوتشه الدموي في تشيلي، انقسمت جماهير الرئيس اللييندي، كانت حكومته سيئة جدًا حتى أن أحد المواطنين من أنصاره رفع لافتة أمامه: "هذه الحكومة تافهة؛ ولكنها حكومتي!" وقد وقف اللينيدي وحياه وقتئذ.

 

أعيش الموقف وأتصبب عرقًا، متخيلًا بحماسة بالغة قيام الرئيس هادي بموقف متحمس لتحيتي، ولو تحية فاترة على فيس بوك، وأسمع صوتًا في الخارج يقول: مابوش غير هواء مطلي.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء