(1)
إذا استبعدنا التفسير الذي يقول إن السلطة تتعمد توتير الأوضاع في البلاد لتتمكن من إحكام قبضتها وسط الفوضى والاقتتال.. إذا استبعدنا هذا التفسير فإنه من الواضح أن الإستراتيجية التي تواجه بها السلطة المؤتمرية البؤر المتفجرة والمتوترة – في صعدة والضالع ومع القاعدة والمعارضة- لن تؤدي إلى حلول نهائية وسليمة.. فلا شيء في الأفق يطمئن أن هناك نهاية لكل هذه الأزمات.. رغم المبادرات، والدعوات إلى الحوار، واتفاقيات وقف إطلاق النار، ولجان التصالح.. لا شيء أمامنا يدل على أن هناك رؤية واضحة يمكن أن يلتقي عليها الجميع لإنهاء الأزمات.. لكن الذي يهمنا هنا في الأساس هو الإشارة إلى موقف السلطة لأنها – أولاً- القاسم المشترك في كل هذه الأزمات.. وثانياً، لأن استقامة السلطة على الطريق الصحيح، وامتلاكها لإستراتيجية وطنية سليمة هو أكثر العوامل أهمية وحسما على طريق إنهاء هذه الأزمات..
أما الأطراف الأخرى، التي لجأت أو اعتمدت طريق العنف في مواجهة السلطة لتحقيق أهدافها الخاصة فإن التعامل السليم معها يبنى على سلامة إستراتيجية السلطة.. فإما والتزمت بالمبادئ والأسس الدستورية والقانونية وصار لها ما للآخرين وعليها ما عليهم.. وإما أصرت وعاندت وتمترست خلف أهدافها المرفوضة من الأغلبية.. حينها فإن مواجهتها تصير قضية وطنية تتبناها الأغلبية وتحشد لها الإمكانيات البشرية والمادية في صف واحد لاجتثاث ذلك الخطر أو التمرد من أساسه.
(2)
تعود أزمة السلطة والمعارضة في بلادنا - زمنيا- إلى بداية عهد الوحدة.. وموضوعيا إلى الطريقة المختلة التي بني عليها النظام السياسي لدولة الوحدة، وأشار إليه الرئيس السابق علي ناصر محمد أخيرا كما ذكرنا في الأسبوع الماضي.. لكن وقائع السنوات العشرين الماضية تدل على أن المعارضة –على اختلاف مكوناتها من فترة إلى أخرى- ظلت حريصة على حصر مشكلتها مع السلطة في إطار الخلاف السياسي السلمي، رغم العنجهية السياسية التي واجهتها بها السلطة المتنفذة وأصرت على فرض رؤيتها وخاصة في رفضها في تجسيد ممارسة ديمقراطية سليمة وكاملة. وكثيرون يعتقدون بأن هذا الموقف من المعارضة –رغم أنه لم يعفها من الاتهام بالضعف والخوف وقصر النظر وحتى الارتباط الخفي بالسلطة- هو الذي جنب البلاد الانحدار نحو الفوضى الكاملة والصوملة. ولعل من أبرز مظاهر الشعور بالمسؤولية لدى المعارضة هو إقدامها على بلورة رؤيتها في مشروع فكري ودعوة الآخرين إلى الحوار حوله.
وفي مقابل ذلك يبدو موقف السلطة المتنفذة، خلال العشرين عاما، مصرا على تجاهل المعارضة وخاصة في قضايا الخلاف الأساسية التي يدور حولها الجدل منذ بداية الوحدة.. وإن كان ذلك لم يمنع أن السلطة عملت في قضايا غير أساسية على استيعاب جزء من آراء المعارضة أو الوصول معها إلى حل وسط، لكن ظلت العقدة الرئيسية والخطيرة في العلاقة بين الطرفين هو إصرار السلطة على ألا يؤدي أي حوار أو لقاء إلى تغيير الآليات التي تحكم النظام السياسي القائم وتضمن بقاء السلطة في قبضة جهة ما إلى ما لا نهاية.
ووفقاً للبيانات والتصريحات الصادرة عن السلطة والمعارضة.. فإن هناك اتفاقا – ولو إعلاميا- على أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لحل الأزمة القائمة بين الطرفين.. وتبقى مسؤولية السلطة أن تعمل بصدق وجدية على إقامة الحوار بصرف النظر عما تقوله من وضع المعارضة لاشتراطات تعجيزية (المقصود تهيئة الأجواء لعملية الحوار).. فما المانع من إقدام السلطة على خطوات لبناء الثقة وتفويت الفرصة على الذين تصفهم بأنهم لا يريدون الحوار؟ ألم تقدم السلطة على ما هو أشد وأنكى من ذلك مع الأطراف الأخرى التي أساءت إليها –وفق زعمها- في الداخل والخارج.. وسواء أكانت دولا ومنظمات وأفرادا.. عادت/ عادوا السلطة عداء شديداً ثم اصطلح الجميع وصار ما كان كأنه لم يكن رغم أنه كان يصنف في خانة العمالة والخيانة والإساءة والتآمر؟
وفي المقابل لا تعفى المعارضة أبداً من أن يكون لها دور في تهيئة الأوضاع.. لكن يبقى الدور الأول والأساسي ملقىً على عاتق السلطة لكي تسير البلاد في.. سكة السلامة!
(3)
الأزمات الثلاث التي تشتبك فيها السلطة مع الحوثيين، والحراك، والقاعدة، اتسمت بالدموية والمواجهات المسلحة، وعدم امتلاك الأطراف الأربعة لرؤية وطنية واضحة لإنهاء الأزمة.. ومن باب أولى: عدم استعدادها للحوار للوصول إلى حل معقول يحفظ للبلاد وحدتها واستقرارها وأمنها.
ومنذ اندلعت الأزمات الثلاث: القاعدة والحوثيين والحراك، اتسم موقف السلطة تجاهها بالارتباك، والعناد، والتخبط، والسعي لاستغلال الأزمات في المكايدات السياسية وتسجيل النقاط ضد هذا الطرف أو ذاك وكانت النتيجة أن الأزمات استمرت في الاشتعال، وخلفت وراءها مآسي وجروحا ودماء ودمارا!
الآثار المأساوية التي تركتها الأزمات الدموية لا تتحمل السلطة المسؤولية فيها لوحدها.. صحيح أنها تتحمل جزءاً أساسيا، باعتبار أنها أسهمت في صنعها أو احتضانها، إلا أن الأطراف الثلاثة الأخرى تتحمل – أيضاً- جزءاً ليس بسيطا من المسؤولية التاريخية في صنع المأساة والاستمرار فيها عنادا ومكابرة! لكن الأكثر سوءا في كل ذلك أن الوطن والشعب هم الذين يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم.. ومن دمائهم أيضاً، وتبدو الصورة كما لو أن أطراف هذه الأزمات الأربعة (السلطة، الحوثيون، الحراك، القاعدة) كالديناصورات والأفيال عندما تتقاتل فيما بينها فإن الضحية يكونون هم الآخرين الذين يضعهم القدر في ساحة المعركة.. وكما هو واضح فإن المعارك الدموية بين الأطراف الأربعة تجري وقائعها في أرض اليمن وفي أوساط المواطنين الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يجري.. لكنهم يدفعون الثمن غاليا ولا يملكون وسيلة تمكنهم من إقناع المتقاتلين أو إجبارهم على نبذ السير في سكة الندامة والتوجه إلى سكة السلامة!
(4)
سكة السلامة في الوطن اليمني يعني أن تكون هناك لحظة يقظة عند كل أطراف الأزمة الوطنية المتعددة الأوجه.. ولا يعني ذلك ما يحدث عندما نسمع كل طرف يؤدي دور البطل الصالح الشريف.. فلا شك أن هناك إسهاما مشتركا – مع اختلاف نسبة الإسهام- من كل الأطراف في صنع هذه الأزمات.. ولأن السلطة هي القاسم المشترك في كل أزمة، فلاشك أن نسبتها كبيرة في صنع الأزمات.
سكة السلامة ليست مجهولة الملامح ولا صعبة المسالك.. لكنها بحاجة إلى مصداقية في الفكر والعمل لن تتحقق إلا إذا كانت (اليقظة) على الحقائق عملا صحيحا وصادقا وليس مجرد مناورة حزبية أو نوعا من التمثيل بغرض الخروج من مأزق ولو لفترة مؤقتة!
سكة السلامة واضحة لكل الأطراف.. لكن البعض يعاند ويكابر وهو يظن أنه قادر على تمرير أجندته وفرض مشروعه بالقوة وبالأزمات ولو بطريقة (عليّ وعلى أعدائي يارب)!
سكة السلامة تفرض على الجميع أن يقرأوا قراءة صحيحة ماذا يجري حولنا.. فحتى الدول الكبرى بدأ السأم من الحرب يعتريها، وهي تتمنى أن تخرج من مأزق الدماء والاقتتال.. فلماذا لا نبدأ في اليمن من حيث انتهى الآخرون في إيرلندا وسيرلانكا.. وكما حدث في بلدان عديدة وصل الخلاف بين السلطات والمعارضة إلى حافة الهاوية ثم إذا بهم يلتقون ويتحاورون.. حتى الذين يصرون على العناد والمكابرة ينبغي منحهم فرصة واثنتين للعودة إلى الصواب ونبذ العنف الموجه ضد الأخوة ولا يستفيد منه إلا العدو الخارجي!
ما يحدث الآن هو سير متعمد ومع سبق الإصرار في سكة الندامة.. وإذا لم يستيقظ الجميع لينتقلوا إلى سكة السلامة.. فالخوف أن ينتهي الأمر إلى (سكة اللي يروح.. ما يرجعش)!
عن صحيفة الناس






.gif)



إرسل لصديقك